سوق الملابس الداخلية للنساء… كيف تغيّر عالم اللانجري في سوريا بعد الحرب؟

الأربعاء 6 نوفمبر 201902:43 م
Read in English

في أواخر العقد الفائت، قدِمت الكاتبة مالو هالاسا والمصممة رنا سلام من لندن إلى سوريا، بهدف اكتشاف جوانب جديدة في ثقافة هذا البلد، والشرق الأوسط عموماً. وفي العام 2008 صدر من تأليفهما كتاب "الحياة السرية للملابس الداخلية النسائية السورية: الحميمية والتصميم"، والذي يتحدث عن منظور جديد لأحد جوانب الثقافة السورية المتداولة بشكل يومي.

كان الدافع من نشر الكتاب ما لاحظته المؤلفتان –المنحدرتان من أصول عربية- من تناقض صارخ بين المحافظة والتدين اللتين يتسم بهما المجتمع السوري عموماً، وبين جرأة ما تعرضه الكثير من محال الملابس الداخلية النسائية التي تقصدها الفتيات استعداداً للزواج أو النساء خلال حياتهن الزوجية، خاصة في العاصمة دمشق ومدينة حلب شمال البلاد.

يبين الكتاب من خلال صفحات ملونة مطبوعة بشكل فاخر وأنيق للغاية، صوراً مختلفة لما يمكن العثور عليه داخل بعض تلك المحال: ملابس داخلية مزينة بطيور وفراشات، وأخرى يكسوها الريش، وثالثة تصدر أصواتاً أو أضواء أو اهتزازات أو تحمل إكسسوارات مختلفة، كهاتف محمول صغير أو ألعاب بلاستيكية، ورابعة مصنوعة من الفواكه المجففة. وتبدو تصاميم العديد من تلك القطع مستوحاة من اللباس المخصص للرقص الشرقي، أو المشغولات اليدوية التي تشتهر بها سوريا وتطرز عادة باستخدام إبرة واحدة، وجميعها صُنع محلياً في معامل موجودة داخل البلاد.

إضافة لذلك، يتضمن الكتاب صوراً لفتيات شقراوات، من أوروبا الشرقية على الأغلب، وهن يرتدين تلك الملابس بغرض عرضها، حيث تضم معظم المحال كتالوجات تظهر فيها صور تستخدم عارضات غير سوريات، مع فرض المجتمع السوري قيوداً محكمة على عرض الأجساد الأنثوية للفتيات السوريات علناً.

تتحدث الكاتبتان ضمن الكتاب المصوّر، ومن خلال ملاحظات ولقاءات عديدة داخل وخارج سوريا، وحتى من خلال لقاءات غير مكتملة مع أشخاص رفضوا الإجابة، عن تناقض تعتقدان بأن المجتمع السوري يعيشه بين المحافظة والحداثة. لم تقصد هالاسا وسلام القول بأن النساء السوريات مضطهدات، وإنما كانتا ترميان لإلقاء الضوء على جانب مغاير من عوالمهن، وجزء من تقاليدهن الشعبية ومكانة الألبسة الداخلية في حياتهن الزوجية، وعن الأدوار المختلفة التي يتوقع منهن بأن يلعبنها، داخل المنزل وخارجه.

سوق نصري، الأشهر في عوالم اللانجري السورية

بعد حوالي عشر سنوات على إصدار الكتاب، بدا مثيراً للاهتمام اكتشاف ما طرأ من تغييرات على ذلك "العالم السري"، خاصة إثر الحرب العنيفة التي عاشتها سوريا، وأرخت بظلالها على جميع السوريين دون استثناء. إذاً، لا بد من زيارة أحد أشهر أسواق الملابس الداخلية النسائية في دمشق: سوق نصري.

يقع سوق نصري، وهو شارع صغير مسقوف، على امتداد أحد تفرعات السوق الشعبي الأكثر شهرة في دمشق: الحميدية. كان يُعرف حتى منتصف القرن الفائت بسوق الطرابيش، ولذلك روايتان مختلفتان، الأولى تقول بأنه كان مخصصاً لبيع الطرابيش، أي تلك القبعات الحمراء التي اعتاد الرجال ارتداءها خاصة خلال عهد الحكم العثماني، والثانية تعزو الاسم لعائلة الطرابيشي التي كانت تملك السوق، وتضيف الرواية الأخيرة بأن الاسم تحول إلى سوق نصري بعد شراء عائلة نصري، التي تنحدر من حي جوبر بدمشق، للمكان بأكمله.

بكل الأحوال، واعتباراً من منتصف الستينيات تقريباً، بدأ هذا السوق بالتحول لبيع الملابس الداخلية النسائية ولوازم الخياطين، وعقداً بعد آخر تحوّل لأكثر أسواق المدينة جرأة وشهرة وارتياداً، خاصة من العائلات التي تنتمي للطبقة الوسطى، فكل فتاة مقبلة على الزواج تقصده "لتتجهز"، أي تشتري لوازم العرس، وكل امرأة ترغب بإضفاء نكهة جديدة على حياتها الزوجية لا بد لها من المرور بسوق نصري، حيث يمكنها أن تجد ما يصعب العثور عليه في أسواق أخرى.

ولا يمكن للزائر اليوم أن يخطئ موقع السوق داخل شارع الحميدية الطويل، فهو ومن مدخله الذي تعلوه لافتة كُتب عليها "سوق نصري يرحب بكم" يبدو مزداناً بألوان زاهية وملابس داخلية بتصاميم مختلفة، ويحتوي على ما لا يزيد عن عشرين محلاً، بعضها لا يمكن الدخول إليه فهو عبارة فقط عن طاولات توضع عليها أو تعلق فوقها الملابس، في حين تتسع محال أخرى لبعض الزبائن في الداخل.

تزدحم هذه المحال وفي معظم أوقات النهار بالمتسوقات. سيدات وفتيات من مختلف الفئات العمرية ومن شرائح اجتماعية متنوعة، يبحثن عن قطع معينة من الملابس الداخلية، أو يرغبن بالاطلاع على أحدث التصاميم والألوان للانتقاء منها. وكمعظم الأسواق السورية، تقضي النساء في سوق نصري وقتاً طويلاً في اختيار القطع الأنسب، ومن ثم التفاوض مع الباعة وصولاً للسعر الأقل الذي يشعرن بأنه عادل إلى حد ما.

يبقى للانجري سحره، ولكن..

تبدو ملاحظات أصحاب محال "سوق نصري" حول التغيرات التي أصابت هذا المكان خلال سنوات الحرب مثيرة للاهتمام، فهي تعكس بمجملها ما حلّ بالمجتمع السوري بشكل عام من تبدلات اجتماعية واقتصادية وثقافية، لا يمكن بأي حال من الأحوال إخفاؤها أو الادعاء بعدم حدوثها.

"التغيّر الأساسي هو الأخلاق والمعاملة. البيوت انهدت؟ منرجع منعمرها. الناس ماتت؟ الله يرحمها. لكن اللي صار بالنفوس لازمه سنين لحتى يترمم"، يقول صاحب أحد المحال، وقد فضّل الحديث لرصيف22 دون ذكر اسمه، كما البقية، فهم لا يحبون الصحافة كثيراً، ويخشون من أن يجلب لهم الحديث مع الصحفيين ما لا يحمد عقباه.

أسأله: "وماذا تعني بتغير الأخلاق؟". يجيب بأن الحرب السورية أفقدت مئات آلاف النساء أزواجهن بين فقيد ومسافر ومغيّب، في حين حرمت أخرياتٍ من فرصة الزواج بسبب النقص الواضح في عدد الرجال، ودفع ذلك بالكثيرات للزواج بسن مبكر للغاية، كما ازدادت حالات الطلاق السريع بعد الزواج بأشهر فقط، "بذلك، انفتحت نساء كثر وفي سن صغيرة على ثقافة جنسية ما كان لهنّ التعرف إليها لولا الحرب، وبات الحديث عن تلك الثقافة أمراً غير مخجل بالنسبة لهن، بخلاف الأجيال الأكبر"، يضيف.

تبدو ملاحظات أصحاب محال "سوق نصري" حول التغيرات التي أصابت المكان خلال سنوات الحرب، مثيرة للاهتمام، فهي تعكس ما حلّ بالمجتمع السوري من تبدلات اجتماعية واقتصادية وثقافية، لا يمكن بأي حال من الأحوال إخفاؤها أو الادعاء بعدم حدوثها.
يجمع أصحاب المحال على أن تجارة الملابس الداخلية لم ولن تشهد كساداً مهما مر من ظروف قاسية على البلاد. "يبقى اللانجري من أساسيات الحياة لدى كثير من النساء"، يقول بائع مع ابتسامة عريضة.

يتحدث آخرون عن أثر نفسي إيجابي لشراء الملابس الداخلية خاصة تلك ذات الألوان الزاهية ما يبرر بالتالي الإقبال عليها، "إن أصيبت المرأة أو زوجها بأزمة نفسية ما، وما أكثر هذه الأزمات أثناء الحرب، فعلينا هنا أن ندخل السرور لقلبيهما"، يبدو هذا شعار محلات السوق، حيث يفخر أصحابها بحرصهم على مواكبة أحدث صيحات الموضة والألوان و"تلبية لرغبات الزبائن في البحث عن كل جديد".

تتضمن تلك الصيحات إدخال ألوان زاهية وعلى رأسها الأصفر والزهري والبنفسجي، واستخدام مواد كالخرز والقطع البراقة ذات الأشكال المختلفة، ويتحدث البعض عن إقبال كبير على كل ما هو جديد، ليس فقط من زبائن سوريين يعيشون في دمشق، وإنما من سوريين مقيمين خارج البلاد، وحتى من متسوقين قادمين من الدول المجاورة أي لبنان والعراق، ومؤخراً الأردن، بعد فتح المعبر البري على الحدود السورية الأردنية.

هنا لا تصعب ملاحظة وجود الكثير من التصاميم كتلك التي يتحدث عنها كتاب "الحياة السرية للملابس الداخلية النسائية السورية"، لكنها ليست كالسابق كما يقول أصحاب المحال، حيث أغلقت العديد من المصانع أبوابها وسافر أصحابها، كما بات تأمين المواد الأولية اللازمة على درجة كبيرة من الصعوبة. "اضطرت معظم المحال للتخلي عن أطقم اللانجري التي تصدر الموسيقى أو تستجيب لصوت التصفيق أو تعمل على جهاز التحكم عن بعد، فجميعها بات تصنيعه صعباً للغاية".

بالطبع لا يغفل كل الباعة أثر تدهور قيمة العملة السورية وتردي الأوضاع الاقتصادية في كافة أنحاء البلاد على مبيعاتهم، خاصة وأن زبائن هذا السوق هن من الطبقة الوسطى التي تضررت بمعظمها من الآثار الاقتصادية للحرب في سوريا. البعض تحدث عن اقتصار العديد من النساء على شراء المستلزمات الضرورية، وآخرون أشاروا إلى تغير الأولويات خاصة لدى النسوة المعيلات لعائلاتهن، واللواتي أجبرن اليوم على الالتفات لتأمين الطعام والكساء والدواء لأولادهن في غياب الأزواج، وعامل ثالث يتعلق بالانخفاض الكبير في أعداد السياح الذين كانوا يقصدون هذا السوق بشكل خاص. "مبيعات هذا العام هي الأسوأ على الإطلاق"، يقولون.

بكل الأحوال، يجمع أصحاب المحال على أن تجارة الملابس الداخلية لم ولن تشهد كساداً مهما مر من ظروف قاسية على البلاد. "في أشد الأيام خطراً وعندما كانت القذائف تنهال علينا كالمطر، كنا نستقبل عشرات الزبائن كل يوم. يبقى اللانجري من أساسيات الحياة لدى كثير من النساء، وأكثر أهمية في بعض الأحيان من الطعام والشراب"، يقول آخر شخص قابلته، مع ابتسامة عريضة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard