أردنيون يعتبون على وسائل إعلامهم: ما عندي ثقة فيك

الثلاثاء 5 نوفمبر 201902:05 م

على قاعدة الحكمة التي تقول: "خير الكلام ما قل ودل" كان جواب مجموعة من الناشطين والناشطات لرصيف22، على سؤال ما إذا كانوا يعتبرون أن وسائل الإعلام المحلية الأردنية تمثّلهم أو تحاكي هموم الشارع الأردني؟

فقد ازدادت مؤخراً حالة "العتب" من قبل ناشطين ومواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي مع وسائل إعلام أردنية، والغريب أن هذه الحرب طالت بعض الوسائل الإعلامية المستقلة والتي من المفترض أن تتمتع باستقلالية "إن وجدت ولو بالظاهر"، أن تكون موازية لصوت الشعب... الشعب فقط.

وارتفعت وتيرة هذا العتب في أحداث حرجة وملحة شغلت المشهد الأردني مؤخراً، لاسيما إضراب نقابة المعلمين الذي استمر أربعة أسابيع، هذه الفترة التي كانت كفيلة بأن تزيل الأقنعة عن وجوه كثيرين، حتى أن هناك وسائل إعلام التي لم يسقط عنها القناع فقط، بل أيضاً كشفت وللأسف، أن هناك حالة تشابه إلى حد ما، مع بعض الوسائل الإعلامية المصرية، أو كما يقال عنها "إعلام السيسي".

ارتفعت وتيرة هذا العتب في أحداث حرجة وملحة شغلت المشهد الأردني مؤخراً، لاسيما إضراب نقابة المعلمين 

"أهلاً بإعلام السيسي" أو "لا أهلاً ولا سهلاً بإعلام عمرو أديب"، بعض العبارات التي نجدها كثيراً أثناء تصفحنا لمواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً "تويتر"، عندما تكون هناك حالة من الغضب الأردني على آلية تغطية بعض الوسائل الإعلامية الأردنية لأحداث حرجة في الساحة الأردنية، وقد وجدنا هذه العبارات كثيراً إبان إضراب المعلمين.

فلم تتلقف وسائل الإعلام الأردنية حالة التضامن الشعبي مع إضراب المعلمين، على سبيل المثال لا الحصر، ولم يتوقف تقاعسها عند عدم إبراز صوت ذلك التضامن الشعبي فقط، بل حرفت بوصلتها عن مبدأ هو أساس في منظومة العمل الأخلاقي الصحفي والإعلامي، بالتعتيم على صوت الشارع ووضع صوت المسؤول بدلاً منه وإعطائه الأولوية.

إضراب المعلمين وحالة الخذلان التي خلفتها بعض وسائل الإعلام للشارع الأردني، جعلت من المواطن الأردني يترقب ويتصيد أحياناً المحتوى الذي تبثه وسائل الإعلام، خصوصاً الخاصة، فانتقلت حالة عدم الثقة لتصبح سلسلة، بدءاً بفقدان الثقة بالحكومة ومروراً بأداء مجلس النواب وحديثاً الإعلام الأردني.

"وسائل الإعلام الأردنية نادراً ما تمثّلني"

الناشطة ميس عودة، قليلة التغريدات كثيرة العتب على الصحفيين الأردنيين، فهي إن غردت إما لانتقاد الحكومة أو لانتقاد وسائل الإعلام، تقول لرصيف22: "وسائل الإعلام المحلية الأردنية نادراً ما تمثّلني، خاصة في غياب مهنية الكثير من الصحف الورقية والرقمية، وطبعاً غياب المهنية عند العدد الأكبر من الإعلاميين".

وتضيف: "طبعاً هناك بعض الإعلاميين المتميزين والذين أعتقد أنهم يعانون جداً مع الوضع السائد للإعلام المحلي، وسائل الإعلام الأردنية الحالية غالباً لا تمثّلني لأنها تفتقد الحياد والتعريف بوجهات النظر المختلفة، كما أنها في معظم الأحيان موجهة وكسولة في البحث عن الحقيقة".

وتكرر الناشطة عودة كلمة "لا تمثّلني" وتشرح ذلك: "لأنها تعزّز الصور النمطية السلبية في طروحاتها، خاصة في قضايا الفقر والمشاكل الأسرية وحقوق الإنسان بشكل عام، لا تمثّلني لضعفها في طرح مواضيع اقتصادية مهمة ومؤثرة".

وتختتم حديثها: "إلا أني أؤكد احترامي ومحبتي وتعاطفي مع بعض الإعلاميين المحاربين الذين سيكون لهم دور في تصحيح المسار".

من ‏أكثر المغردين الأردنيين نشاطاً، عامر القاشي، صاحب حساب "سقط القناع" عبر تويتر، وعلى ما يبدو أنه لقب يحاكي هوايته في التصيد لمن تسقط أقنعتهم مثل بعض وسائل الإعلام الأردنية، قال في حديثه عن وسائل الإعلام الأردنية: "الإعلام في المعتاد يخضع لخطوط رئيسية تفرضها السياسات… ‏نعم تمثّل الهموم ولكن بشكل سطحي دون التطرق للمتسبب والمسببات في أغلب الأحوال، ‏وتلك التي تتغلغل لأصل المشكلة تعمل على استحياء من السلطة. ‏والاستثناءات موجودة ولكنها قليلة".

فلم تتلقف وسائل الإعلام الأردنية حالة التضامن الشعبي مع إضراب المعلمين، ولم يتوقف تقاعسها عند عدم إبراز صوت ذلك التضامن الشعبي فقط، بل حرفت بوصلتها عن مبدأ هو أساس في منظومة العمل الأخلاقي والإعلامي، بالتعتيم على صوت الشارع.

مشاهد كثيرة تثبت فقدان الإعلام الأردني لثقة المواطن، حالة لا تقل خطورتها عن خطورة الشرخ في العلاقة بين المواطن وحكومته، وفي حالة تلفت الانتباه أيضاً، بروز مفهوم المواطن الصحفي وبقوة واستيلائه إيجاباً على دور الصحفي الأردني المطلوب منه.

"الإعلام الأردني بعيد عن مفهوم الإعلام الحرّ"

أما ‏عدي بطانية، وهو أيضاً من أكثر المغردين الأردنيين نشاطاً وأكثرهم امتعاضاً من الإعلام الأردني، وأهم مطلقي حملة حظر "بلوكات" صفحات وسائل إعلامية أردنية على تويتر، بعد انتهاء إضراب المعلمين، قال لرصيف22: "المتفق عليه أن المشهد الإعلامي الراهن لا يمثّل بأي حال من الأحوال واقعنا بالأردن بكل الجوانب، سواء السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية وغيرها، لأن المحتوى الإعلامي إجمالاً تحوّل شيئاً فشيئاً لإعلام يعجّ بكل أساليب التسلية الرخيصة على حساب اكتساب المعرفة وتنمية العقل وبناء المواطن".

حتى البرامج الحوارية السياسية، بحسب بطاينة، "صارت تهدف إلى التسلية، نظراً لطبيعتها الندية بدون أي وضوح بعرض الواقع، كذلك البرامج المسموعة التي تتناول يوميات المواطن الأردني، أصبحت تشعر أحياناً بأنها وجدت لتمييع قضايا الشارع الرئيسية في وقتها، وذلك باستقدام مذيعين أصحاب خلفيات كوميدية (على حد اعتقادهم)".

‏وختم بقوله: "الخلاصة، إن وضع الإعلام الأردني رديء جداً وبعيد كل البعد عن مفهوم الإعلام الحرّ ومنحاز أكثر لأي جهة غير الشعب، وهذا الكلام واضح جداً ولا يحتاج دليلاً، وما يعانيه المواطن في يومه وليله يخالف بشكل كلّي ما يراه ويسمعه ويقرؤه في وسائل الإعلام".

"العتب على وسائل الإعلام المستقلّة"

لا تقل الصحافية هبة عبيدات حدة بموقفها، أو حتى أنها تتجاوزها أحياناً إلى وصف الحالة بأنها هنالك غياب ثقة شعبية أردنية بوسائل الإعلام، لكن مأخذها دائماً، وبحسب ما تعبر عنه باستمرار، هي حالة "الاختراق" التي تستهدف وسائل إعلامية مستقلة، فمن وجهة نظرها من الطبيعي أن وسائل الإعلام الرسمية التابعة للحكومات تمثّل صوت الحكومة والمسؤولين، لكن من غير الطبيعي ومن غير المقبول أيضاً أن يكون الإعلام المستقل غير مستقل.

وتقول الصحفية عبيدات في حديث لها مع رصيف22: "المشكلة الجوهرية تكمن في الإعلام المستقل الذي هو أساساً غير مستقل ومفهوم استقلاليته شبه مفقود، وذلك لعدة أسباب، أهمها حالة التضييق على الإعلام الأردني ككل والذي يمارس باستمرار وما تزال وتيرته مرتفعة".

فحالة التضييق تلك بحسب عبيدات: "عرّت وسائل الإعلام (المستقلة) وأفرغتها من محتواها ومضمونها وبوصلتها أيضاً التي يجب أن تلامس قضايا الشارع وهمومه، لتصبح أقرب إلى صوت الحكومات والمسؤولين منها لصوت المواطن".

مشاهد كثيرة تثبت فقدان الإعلام الأردني شيئاً فشيئاً لثقة المواطن الأردني، حالة لا تقل خطورتها عن خطورة الشرخ في العلاقة بين المواطن الأردني وحكومته، وفي حالة تلفت الانتباه أيضاً، بروز مفهوم المواطن الصحفي وبقوة واستيلائه، بالمفهوم الإيجابي للاستيلاء، على دور الصحفي الأردني المطلوب منه.

نعم هناك عتب شعبي أردني عميق على الإعلام الأردني الذي من المفترض أن توفّر منابره فضاء لإبراز صوت المواطن وألمه، لكنه ليس من النوع الذي يقول "العتب على قدر المحبة"، إنما هو عتب على قدر صدمة تضاف لمسلسل "صدمات أردنية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard