مشهدان من لبنان... أسئلة كثيرة وانتصارات صغيرة

الاثنين 4 نوفمبر 201907:57 م

مشهدان على الساحة اللبنانية.

مشهد ليلي، بالأمس، عكس رجوع الزخم إلى صفوف الثورة، فعادت الأصوات صادحةً بشعارات ضد السلطة مجتمعة وضد رأس المال وضد وزير الخارجية المُقال جبران باسيل، رداً على تجمع المناصرين لرئيس الجمهورية في محيط القصر الجمهوري وخطاب باسيل، صهره، فيهم.



ومشهد نهاري، اليوم، تخلله قطع للطرق إثر الدعوة إلى اثنين العصيان المدني، وجدل متصاعد بشأن جدوى ذلك، لا سيما بعد انتشار فيديوهات لإشكالات مع مواطنين "مظلومين" تُسدّ الطرق في وجوههم، والتسويق لرواية الدخول المشبوه لأطراف سياسية تحاول الاستفادة من قطع الطرق لتأليب الناس بعضهم على بعض وجرّهم للاصطدام.


من واظب في الأيام الماضية على النزول إلى الشارع، كان يمكنه ببساطة أن يدرك كيف عادت الروح إليه بقوة، ليل الأحد. غصّت ساحتا رياض الصلح والشهداء في وسط المدينة بالمتظاهرين. وانتشرت فيديوهات كثيرة من الجوّ تظهر اكتظاظهما، وأشخاصاً يرفعون قبضاتهم وينيرون السماء.


للمرة الأولى بدت الأعداد بهذه الأهمية، كما لو كانت محاولة لنسف تظاهرة السلطة. عاد الحديث عن لعبة الشارع والأرقام. حديث عن شارع في وجه شارع، ثم رد بزاروب (زقاق) في وجه شارع، نسبة إلى حشد خجول لمناصري الرئيس مقارنة بما استطاعت الساحتان، ومعهما مناطق لبنان، حشده في ما سُمي "أحد الوحدة".

في الساحة، كان البعض يقول "شكراً لتظاهرة بعبدا"، لأنها كانت مستفزة على مبدأ كيف تتظاهر السلطة ضد شعبها وبما قاله باسيل عن براءته من الفساد وتصويبه على مسؤولية الآخرين. ومن هنا كانت هذه التظاهرة حافزاً إضافياً لتزخيم الشارع.

شعارات "يسقط رأس المال" و"عهدك (نسبة لعهد رئيس الجمهورية) جوّع الكل"، و"يسقط النظام" و"ثورة ثورة" عادت بقوة أكبر. عائلات مع أطفالها تتجوّل في المكان منذ الثالثة ظهراً، موعد الدعوة.

"شبح الفراغ" كان على هيئة رجل يتجوّل موصلاً رسالته إلى السلطة التي تستخدم "الشبح" كأداة تهويل لم تثبت قدرتها على سدّ ذاك الفراغ، فيما ترتفع مشانق لممثلين قرروا تجسيد شخصيات كـ"الطائفية" و"حرب الـ1975 الأهلية".


تمر سريعاً مجموعة كبيرة من الشبان ترفع علماً طويلاً للبنان وهي تصرخ "ثورة، ثورة"، بينما كانت مجموعة أخرى من "ألتراسات" لبنان توجه رسالة لـ"شهداء ألتراس الأهلي"، منشدةً "ثورة وحدي ما بتموت، من مصر لبيروت".


الخيم المنتشرة في المكان تستضيف محاضرين، وجلسة في الهواء الطلق لعرض حلقة "يسقط حكم الفاسد" المتضمنة مجموعة من التحقيقات الاستقصائية عن فساد مسؤولين كبار في الدولة. 

مشهدان على الساحة اللبنانية... واحد ليلي عكس عودة الروح للساحات، وآخر نهاري شهد جدلاً محتدماً حول جدوى قطع الطرقات والتسويق لرواية استغلال أطراف سياسية لها
وسط جدل متصاعد حول إقفال متظاهرين الطرقات في لبنان، والتحذير من ورقة تلعبها السلطة لتأليب المواطنين على بعضهم... جرى تناقل دعوة "لشل المرافق العامة والحيوية"، مع إشارة إلى اعتبارها كـ"بديل من قطع الطرق"

كان قد رافق ذلك تظاهرة نظمتها نسويات انطلقن من منطقة المتحف إلى ساحة رياض الصلح، رفعن فيها إلى جانب مطالب الثورة، قضايا النساء ومعاناتهن بفعل القوانين والسلطة الذكورية في لبنان، فأكدن أن أية حكومة جديدة ستتشكل يجب أن تضمن وجود العنصر النسائي بالمناصفة، فضلاً عن إقرار قوانين أبرزها حق المرأة اللبنانية المتزوجة من أجنبي إعطاء جنسيتها لأولادها وبناتها ، وقانون المدني للأحوال الشخصية. 


التحيات للمناطق كانت حاضرة، أبرزها لطرابلس التي شهدت ليلة السبت حضوراً جذب الأنظار إليها. كذلك حضرت النبطية التي وجهت رسالة تأكيد على مسار الثورة، فتظاهر أبناؤها مجدداً بعدما كان جزء منهم قد تعرض للترويع على يد مناصرين لحزب الله وحركة أمل، فيما استمرت التهديدات وبعض فيديوهات الاعتذارات المهينة التي أُجبر متظاهرون على تسجيلها. 

صور، وكفرمان، وبعلبك، وزحلة، ومناطق أخرى شاركت كذلك في "أحد الوحدة" ولو بشكل أقل.

و"بكرا إضراب عام، حنسكر الشوارع" و"يا عمال ويا طلاب بكرا في عنّا إضراب"... ترتفع الشعارات بين المتظاهرين مع انتشار دعوات لعصيان مدني يوم الاثنين تُقفل فيه المؤسسات والطرق بدءاً من الرابعة صباحاً. يتناقل المتظاهرون الدعوة مع شرح لأسباب إقفال الطرق.

لقد استقالت الحكومة الثلاثاء الماضي، ولا رغبة جدية في بدء الاستشارات. قيل لهم إن لقاء سيتم اليوم بين باسيل ورئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري، وسمعوا عن اقتراح "حكومة تكنوسياسية" تجمع ذوي اختصاص مع سياسيين. وبعد 18 يوماً في الشارع، لا بوادر حل جاد في الأفق.

وفي مكان غير بعيد عن وسط المدينة، المعروف بـ"البلد"، وهو اسم يعتبر المتظاهرون أنهم استردوه من "سوليدير" التي سرقته بعدما تولت إعمار الوسط الذي جعلته حكراً على قلة قليلة، يلتقي متظاهرون على جسر فؤاد شهاب المعروف بـ"الرينغ".


يقفلونه بالتوازي مع إقفال طرق أخرى في العاصمة وفي المناطق. ويعود الجدل محتدماً حول جدوى إقفال الطرق وسط تسليط وسائل إعلام وحسابات مواقع تواصل اجتماعي الضوء على "حساسيات" في صفوف المواطنين، بين مؤيد للقطع وآخر "متضرّر"، تهدد بالانفجار.

ها هو فيديو لفتاة تصرخ في وجه أحدهم يرتدي ملابس تعكس هويته الإسلامية، في منطقة خلدة على طريق الجنوب، مهددة بأنها ستمر مهما كلّف الأمر، وهي تصيح أن والدتها في المستشفى.


ينتشر الفيديو سريعاً ويشاركه العشرات، منددين بالقطع وبـ"الزعران" في الشوارع. يتحدثون عن دخول "تيار المستقبل" (حزب سعد الحريري) و"الاشتراكي" (التابع للزعيم الدرزي وليد جنبلاط) و"القوات" (التابع للزعيم المسيحي سمير جعجع) على الخط، مهوّلين باستخدام هؤلاء قطع الطرق لغايات سياسية وفتنوية.



يقول آخرون لاحقاً إن الفيديو يعود لأول أيام الثورة، وأن الشخص الذي ظهر فيه قد اعتُقل، فينتشر فيديو ثان لإشكال في منطقة الشيفروليه، وتكثر الآراء الرافضة قطع الطرق، مستفيدة من إشكال هنا وآخر هناك.

الذين يرفضون ورقة قطع الطرق، ليسوا وحدهم المناصرين لأحزاب السلطة والرافضين تماماً كل التحركات، بل كذلك أشخاص من أنصار الثورة الذين يرون أن لا داعي لها في الوقت الراهن لا سيما أن لا مطلب محدداً يصاحبها، وينصحون بتغيير التكتيك لسحب إمكانية استغلال ذلك لضرب الثورة.


في غمرة هذا النقاش، برز حرص كثيرين على التأكيد أن إقفال الطرق موجه ضد السلطة مجتمعة وليس ضد من هم في الشارع، مستعيدين الشعار الذي رُفع منذ اليوم الأول "منسكّر الطريق حتى تفتح بوجهك". في المقابل، علت أصوات مؤكدة أن الـ"كلن يعني كلن" تضم كذلك "المستقبل" و"الاشتراكي" و"القوات".

وجرى تناقل دعوة "لا لإقفال الطرقات نعم لشل المرافق العامة والحيوية"، مع إشارة إلى اعتبارها كـ"بديل من قطع الطرق، من شأنه أن يُخرج ثورتنا من رتابة تكرار المشهد نفسه، هذا فضلاً عن أنه يفوت على أعضاء العصابة الحاكمة فرصة اختراق الثورة بزعرانهم وإلحاق الأذى بسمعة الثورة".

على خط مواز، انتشرت دعوات خاصة بشركتي الاتصالات الوحيدتين في لبنان "Mtc" و "Alfa" تحت عنوان "المواصلات مفتوحة/الاتصالات ممنوعة"، في دعوة لـ"تسكير الشركتين" يوم غد الثلاثاء لأن لديهما "أغلى كلفة وأسوأ خدمة"، ولدفع الفواتير بالليرة وليس بالدولار.


لاحقاً، خرج وزير الاتصالات محمد شقير ليعلن قرار إلزام شركات الخليوي بيع البطاقات المدفوعة سلف بالليرة اللبنانية وبحسب سعر الصرف الرسمي للدولار الأمريكي الصادر عن مصرف لبنان. 


تنتشر دعوات مختلفة، ومشاهد من هنا وهناك، ويبقى الثابت أن لا قيادة واضحة للثورة، وهي مسألة ينقسم من يناقشونها في الفضاء العام على اعتبارها عاملاً إيجابياً من جهة إذ تسد على السلطة الطريق لإجهاضها و"شرائها" بوزير أو ممثل كما تم الطرح، وعاملاً سلبياً من جهة ثانية بعد انتهاء اللحظة الانفعالية وضرورة البحث عن تكتيكات من جهة أخرى.

ما هو واضح في المدى المنظور هو ببساطة استكمال ما انطلق في 17 تشرين الأول/ أكتوبر، وعدم إمكانية العودة إلى الوراء، سواء بالنسبة إلى الثوار أو بالنسبة إلى السلطة المأزومة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard