11 انتهاكاً ضربت مصداقية "إصلاحات" بن سلمان

الاثنين 4 نوفمبر 201906:28 م

"لن يكون الإصلاح في السعودية حقيقياً إذا حصل في ظل واقع مرير يُسجَن فيه الناشطون الحقوقيون، وتكون فيه حرية التعبير متاحة فقط لمن يحرِّض عليهم علناً".

هذا ما قاله مايكل بيج نائب مديرة قسم الشرق الأوسط في منظمة "هيومن رايتس ووتش" تعليقاً على تقرير نشرته المنظمة في 4 نوفمبر/تشرين الثاني، بعنوان "الثمن الفادح للتغيير: تشديد القمع في عهد محمد بن سلمان يشوّه الإصلاحات". 

يُركّز التقرير على "الثمن الفادح للتغيير"، مُعيداً القارئ إلى ما قاله بن سلمان في حوار مع بلومبرغ في أكتوبر/تشرين الأول 2018 عندما برر حملة الاعتقالات، معتبراً إياها ضرورية لتطبيق الإصلاحات في السعودية: "أعتقد أنه يوجد ثمن لكثير من الحركات التي تحدث في جميع أنحاء العالم. على سبيل المثال، إذا نظرتِ إلى الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً فقد أرادوا تحرير العبيد، وماذا كان ثمن ذلك؟ كان حرباً أهلية قسمت أمريكا بضع سنوات، قتل على إثرها الآلاف، بل عشرات الآلاف في سبيل الظفر بحرية العبيد… لذلك إذا كان هناك ثمن بسيط للإصلاحات، فإنه أفضل من تكبد خسائر يستمر أثرها طويلاً". 

في ما يلي بعض ما اعتبره بن سلمان "ثمناً بسيطاً"، كما أورده تقرير المنظمة الدولية: 

1- إعادة هيكلة جهاز الأمن (مع اعتقالات)

إنها سيطرة كاملة. هكذا يمكننا وصف ما يفعله بن سلمان في السعودية منذ توليه منصب ولي العهد وفرضه "إقامة جبرية" على محمد بن نايف، الذي لم يُعزل من منصبه كولي للعهد فحسب، بل كذلك منعت السلطات السعودية أفراد أسرته من السفر وجمّدت حساباتهم المصرفية وأصولاً أخرى.

عدا الاعتقالات التي شملت شخصيات نافذة، مباشرة بعد تعيين بن سلمان، سعى الملك ونجله إلى تغيير البنية التحتية الأمنية للمملكة وتقليل دور وزير الداخلية الذي كان كبيراً قبل ذلك، لـ"ترسيخ مكانة بن سلمان كولي للعهد". 

وبالإضافة إلى وضع النيابة العامة في تصرف الديوان الملكي، أنشأ الملك سلمان هيئة "رئاسة أمن الدولة"، التي تتولى مهمات الاستخبارات ومكافحة الإرهاب التي كانت وزارة الداخلية تتولاها.

وسجن الملك سلمان وولي العهد متعب نجل الملك الراحل عبد الله الذي كان يُسيطر على الحرس الوطني السعودي (قوة عسكرية مستقلة)، بتهمة الفساد، فأصبحت جميع أفرع القوات المسلحة تابعة للديوان الملكي.

2- إنشاء مجموعة التدخل السريع

كشفت مصادر استخباراتية أمريكية عن أمر بن سلمان بإطلاق حملة سرية ضد المعارضين السعوديين، وذلك قبل عام من مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في أكتوبر/تشرين الأول 2018.

تولى الإشراف على هذه الحملة المستشار في الديوان الملكي سعود القحطاني الذي عُزل من منصبه لدوره المزعوم في مقتل خاشقجي. وقاد القحطاني فريقاً سُمّي بـ"مجموعة التدخل السريع" التي نفذت نحو 12 عملية قبيل استهداف خاشقجي.

ويشير تقرير "هيومن رايتس ووتش" إلى أن تاريخ تشكيل المجموعة يتزامن تقريباً مع بداية حملات الاعتقال في سبتمبر/أيلول 2017. وكان القحطاني قد نشر تغريدة قبل بدء حملة الاعتقالات مباشرة قال فيها: "وتعتقد أني أقدح من رأسي دون توجيه؟ أنا موظف ومنفذ أمين لأوامر سيدي الملك وسمو سيدي ولي العهد الأمين".

اللافت قول النيابة العامة في بيان إن القحطاني كان متورطاً في عملية خاشقجي، برغم أنه ليس ضمن الـ11 شخصاً قيد المحاكمة حالياً، وأشارت وول ستريت جورنال في فبراير/شباط 2019 إلى أن القحطاني مستمر في العمل بصورة غير رسمية مستشاراً لولي العهد.

3- احتجاز من دون تهم

نشرت "هيومن رايتس ووتش" في مايو/أيار 2018 تحليلاً يستند إلى معلومات من قاعدة بيانات حول المسجونين أصدرتها وزارة الداخلية السعودية على الإنترنت، مفاده أن السلطات كانت تحتجز آنذاك 2,305 أشخاص نحو 6 أشهر من دون إحالتهم إلى قضاة، وكان هناك 1,875 محتجزاً منذ نحو عام، و251 شخصاً محتجزاً قرابة 3 أعوام قيد التحقيق، وهذا ما يعني احتجازاً تعسفياً طويل الأجل من دون تهم.

وتعارض السعودية بذلك نظام الإجراءات الجزائية الذي ينص على أن يُحتجز الأفراد من دون تهمة حداً أقصى 5 أيام، ويُجدّد الاحتجاز حداً أقصى 6 أشهر بأوامر من النيابة العامة، ثم "يتعيّن مباشرة إحالة المتهم إلى المحكمة المختصة أو الإفراج عنه".

4- أماكن الاحتجاز غير الرسمية

 في انتهاك صارخ وعلني للقوانين السعودية والمعايير الدولية، احتجزت السلطات بأمر من بن سلمان بعض المعتقلين في أماكن احتجاز غير رسمية، من بينهم معتقلو "الريتز" في الرياض (رجال أعمال بارزون وبعض أفراد العائلة المالكة، ومسؤولون سابقون وحاليون)  بين نوفمبر/تشرين الثاني 2017 وفبراير/شباط 2018.

في يناير/كانون الثاني 2018، قال ناطق باسم مجموعة "ماريوت" المالكة لفنادق الريتز: "الفندق يعمل تحت إدارة السلطات المحلية، وهو ليس بالفندق التقليدي في الفترة الحالية".

لجين الهذلول وغيرها من الناشطات السعوديات تحدثن أيضاً عن احتاجزهن في أماكن غير رسمية.

 تقول الهذلول إنها احتُجزت في "فندق"، حينما سألتها شقيقتها علياء "فندق ريتز كارلتون؟" ردت ضاحكة: لم نصل إلى مرحلة "الريتز" لكنه فندق.

وقال مصدر لـ"هيومن رايتس ووتش" إن "النساء (الناشطات السعوديات) نُقلن إلى حجرة تُدعى استراحة الضباط ( ما أسمته لجين بالفندق)، لكن موقع الحجرة غير معلوم".

5- ابتزاز مقابل الإفراج

ولفت التقرير إلى طريقة الضغوط التي مارستها السعودية على أكثر من 300 من معتقلي "الريتز" لتسليم أصول مالية إلى الدولة مقابل تخلية سبيلهم، بعيداً عن أية عملية قانونية واضحة أو معترف بها.

وتم بالفعل إبرام العديد من الصفقات، منها ما تناقلته التقارير عن أن رئيس مجموعة "إم بي سي" الشيخ وليد آل إبراهيم سلّم إدارة المجموعة إلى السلطات السعودية، ثم أُفرج عنه في يناير/كانون الثاني 2018. وكذلك حال الأمير الوليد بن طلال الذي أُفرج عنه في يناير/كانون الثاني 2018 بعدما توصل إلى تسوية مالية مع السلطات.

وأفاد مصدر مطلع على صلة وثيقة بست رجال من المحتجزين في "الريتز" بأن السلطات "ابتزت المحتجزين لإنجاز تسويات مالية عبر إكراههم باستخدام القوة، وتجميد حساباتهم المصرفية ومنع أقاربهم من السفر إلى الخارج"، مضيفاً أن البعض أُجبر على تحويل أموال من حسابات مصرفية في الخارج إلى المملكة، حتى تتمكن السلطات من مصادرتها، وأن السلطات لم تفرج عن بعض المحتجزين إلا بعد توقيعهم مذكرات تفاهم يتعهدون فيها دفع مبالغ مالية معينة. 

"إذا كان هناك ثمن بسيط للإصلاحات، فإنه أفضل من تكبد خسائر يستمر أثرها طويلاً"... كان هذا ما قاله بن سلمان في وقت سابق، لكن الثمن كان انتهاكات عديدة وثقها تقرير مطوّل لـ"هيومن رايتس"، هنا 11 انتهاكاً منها 

لم يقتصر الأمر على ابتزاز المعتقلين بالأصوال المالية، بل إن السلطات السعودية عرضت تخلية سبيل ناشطتين حقوقيتين بارزتين في منتصف 2019 إذا قبلتا الظهور في التلفزيون لنفي تعرضهما للتعذيب أثناء الاحتجاز على يد السلطات، وهو ما أكده أقارب الهذلول بقولهم في وقت سابق إن السلطات عرضت عليها تخلية السبيل وإنهاء محاكمتها إذا وقعت بياناً تدحض فيه مزاعم التعذيب، وهو الأمر الذي وافقت عليه في البداية، لكنها رفضت بعدما قالت السلطات إن عليها تسجيل بيانها بالفيديو. 

6- حظر السفر على الأقارب

يمكننا تسميته بـ"العقاب الجماعي". عدا اعتقال الشخص المستهدف، تعاقب السلطات في بعض الحالات الأقارب أيضاً، وتفرض عليهم أوامر تعسفية بحظر سفرهم خارج البلاد أو تجميد أصولهم وحصولهم على الخدمات الحكومية، وهذا حال أقارب الداعية سلمان العودة وكثيرين غيره. 

قال أحد أقارب العودة لـ"هيومن رايتس ووتش" إن السلطات السعودية "فرضت حظر سفر تعسفياً على 17 من أفراد أسرته المباشرة، بعد اعتقاله"، مضيفاً أن الأسرة لم تكتشف أوامر حظر السفر إلا عندما حاول أحد أفرادها مغادرة البلاد ورفضت السلطات السماح له بالسفر. وأوضح: "ضابط الجوازات قال لقريبه إن الديوان الملكي نفسه هو الذي فرض حظر السفر لأسباب غير محددة".

7- الإعدام لأصحاب الانتماءات المختلفة 

منذ عام 2018، بدأت النيابة العامة تطالب بإنزال عقوبة الإعدام على أفراد بسبب انتماءات أو أفكار سياسية سلمية، ومن هؤلاء سلمان العودة لصلته بجماعة إرهابية هي "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين"، علماً أن السلطات لم تُدرج الاتحاد منظمةً إرهابية حتى 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2018، أي بعد شهرين من توقيف العودة.

ومن الاتهامات الأخرى "تضامنه المعلن مع المعارضين المسجونين، ومعارضته عزل السعودية لقطر في منتصف 2017، وصلات مزعومة تربطه بالحكومة القطرية و'ارتباطه بعلاقة مشبوهة' مع نظام ليبيا السابق [القذافي]، والاعتراض علناً على استضافة السعودية للرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي و'السخرية من الإنجازات الحكومية' و'القدح بالوطنية والولاء للحكومة والبلاد'".

8- التجسس الإلكتروني على المعارضين

كشف مركز البحث الأكاديمي في كندا "سيتيزن لاب" عن معلومات لديه تفيد باستهداف الناشط السعودي عمر عبدالعزيز المقيم في كندا والتنصت على هاتفه عبر برمجية تجسس تُعرف بـ "بيغاسوس"، وهي من إنتاج شركة تقنية إسرائيلية تُدعى "إن إس أو غروب". 

وتتيح "بيغاسوس" الاطلاع الكامل على الملفات الشخصية للضحية مثل المحادثات والرسائل الإلكترونية والصور، كما يُمكن للمُستهدِف استخدام ميكروفونات الهاتف وكاميراته في التنصّت والمراقبة. 

9- التعذيب

في مارس/آذار الماضي، كشفت صحيفة "الغارديان" البريطانية تلقيها عدة تقارير إعلامية مسرّبة إثر فحص 60 محتجزاً على الأقل تعرضوا لـ "سوء التغذية، وجروح، وكدمات، وحروق"، وذلك بناءً على تكليف من الملك سلمان.

وكانت "هيومن رايتس ووتش" قد كشفت في نوفمبر/تشرين الثاني 2018 تعرّض أربع ناشطات، منهن الهذلول- خلال الاحتجاز، للصعق بالكهرباء، والجلد، والإيهام بالغرق، والتحرش والاعتداء الجنسي، والملامسة والعناق القسريين من قبل السلطات السعودية. 

وقال مصدر للمنظمة إن "الرجال المسؤولين عن إساءة معاملة النساء كانوا من الأمن السيبراني"، فيما كشف أقارب الهذلول عن وجود القحطاني أثناء التعذيب داخل مركز احتجاز غير رسمي يُدعى "الفندق" أو "استراحة الضباط".

10- اغتيال خاشقجي

تقول المنظمة إن "الجانب القمعي للسجل الداخلي لولي العهد لم يخضع للتدقيق الدولي الذي يستحقه" قبل أكتوبر/تشرين الأول 2018 حين شكّل خبر مقتل خاشقجي صدمة للرأي العام الدولي وأدى إلى تدقيق شامل في وضع الحقوق في السعودية. 

وبرغم الغضب الدولي تجاه السعودية وقيادته لربط حادثة قتل خاشقجي مباشرة بولي العهد، استمر بن سلمان في التمتع بدعم ثابت من عدد من أبرز قادة العالم، منهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي أكد أن الولايات المتحدة ستستمر في بيعها الأسلحة للسعودية، لأن "إلغاء الصفقات يعني أن روسيا والصين ستكونان المستفيدتين".

11- مسؤول عمّا يجري في اليمن

أشارت "هيومن رايتس ووتش" في تقريرها إلى أن "بن سلمان، الذي عُيّن وزيراً للدفاع في يناير/كانون الثاني 2015، يتحمل المسؤولية المطلقة عن الأساليب المسيئة التي اعتمدتها السعودية في تدخلها العسكري في اليمن خلال أربع سنوات"، خاصة بعدما تسببت هذه الحرب بحصار جوي وبحري على تدفق السلع المنقذة للأرواح.

وأضافت المنظمة: "يبدو أن طائرات التحالف بقيادة السعودية نفّذت هجمات غير قانونية استهدفت أسواقاً ومستشفيات ومدارس وجنازات، حتى أنها استهدفت حافلة مدرسية مكتظة بالأطفال".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard