خمس سنوات مرّت ولغز اختفاء صحافييْن تونسييْن في ليبيا مستمر

الثلاثاء 5 نوفمبر 201903:32 م

في 8 أيلول/ سبتمبر 2014، توجه الصحافيان التونسيان سفيان الشورابي ونذير القطاري في ليبيا لإنجاز تحقيق صحافي لصالح قناة تلفزيونية تونسية خاصة. الآن، وبعد أكثر من خمس سنوات على ذلك، لا يزال مصيرهما غامضاً، وتتعدد الروايات بشأنه بين احتجازهما من قبل ميليشيات وبين مقتلهما على يد عناصر تنظيم داعش.

يعُدّ معاوية الشورابي والد سفيان الأيام ممنياً نفسه بكشف مصير ابنه المختفي. منذ آخر مكالمة هاتفية بينهما، يوم اختفائه، لم يهدأ له بال ولم يترك طريقاً إلا وسلكها لاستعادة ابنه حياً أو ميتاً كما يقول لرصيف22.

معاوية الشورابي، والد سفيان

اتصل الوالد بكل مؤسسات الدولة، ومن بينها وزارة الخارجية، وكانت له لقاءات مع الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي كما اتصل بسفارات كل من أمريكا وتركيا وفرنسا في تونس وبمنظمات الصليب الأحمر الدولي وهيومن رايتس ووتش لطلب المساعدة، غير أن كل مساعيه باءت بالفشل.

تقصير الدولة

يروي الشورابي لرصيف22 أن "كل الأطراف التي توجهتُ إليها أبدت حماساً وتشجيعاً معنوياً ولكن النتائج الملموسة على أرض الواقع لم تتحقق، وللأسف لم تؤدِّ الدولة التونسية دورها على أكمل وجه وكان الأجدر بها أن تبادر بصفتها الرسمية بالتعامل مع السفارات وليس أنا".

ينتقد بشدة عدم تشكيل الحكومة التونسية منذ حادثة اختطاف الصحافيين لجنة مختصة في التحقيق في حالات الاختطاف والاختفاء القسري، تضم موظفين رفيعين من وزارات الخارجية والعدل والداخلية بإشراف رئاسة الحكومة، لافتاً إلى أنه طالب السلطات المعنية بتشكيل هذه اللجنة.

سفيان الشورابي

وتطوعت عدة شخصيات سياسية وإعلامية تونسية وأوروبية وأنشأت لجنة مدنية مقرها فرنسا نظراً لوجود أطراف ليبية مهمة مقيمة في باريس، لدعم جهود أسرة الشورابي في البحث عن ابنها سفيان، وهي تحقق خطوات ملموسة، وفق مصدر تحفظ عن ذكر التفاصيل نظراً إلى حساسية الملف.

وأكد المصدر امتلاكه معطيات عن حيثيات إيقاف واحتجاز سفيان ونذير وقرائن تفيد بأنهما لا زالا على قيد الحياة من خلال بعض الاعترافات الرسمية والموثقة والتي اطلع عليها بنفسه.

خطوات ارتجالية

في نيسان/ أبريل الماضي، توجه وفد تونسي إلى مدينة بنغازي الليبية لمواكبة تحاليل على عيّنات لجثث قيل إن 2 منهما تعودان للصحافيين المختطفين. ولكن النتائج أثبتت غير ذلك.

يشدد معاوية الشورابي على أن الدولة التونسية لم تحرّك ساكناً منذ صدور تلك النتائج وأنها لم تتعامل بجدية منذ بداية الأزمة مع ملف اختطاف واختفاء مواطنيها في ليبيا، باستثناء بعض الخطوات التي وصفها بالارتجالية مثل إجراء وزير الخارجية المقال خميس الجهيناوي لقاءات مع مسؤولين ليبيين في تونس، ويقول: "لا يمكن معالجة ملف دولي بهذه الخطورة والحساسية بتحركات غير مدروسة".

يطالب الوالد الدولة التونسية بدليل مادي يحسم الجدل حول الروايات المتعددة والمتناقضة القائلة بمقتل ابنه والتي تداولتها مصادر إعلامية ليبية "مشبوهة"، حسب وصفه، في انتظار لقائه المرتقب مع رئيس الجمهورية التونسية المنتخب قيس سعيّد لتجديد طلب تكوين لجنة مختصة بلف الشابين.

مأساة مستمرة

بدورها، تعيش سنيّة بالرجب، والدة الصحافي نذير القطاري مأساة مستمرة منذ خمسة أعوام. وإيماناً منها بأن ابنها لا زال حياً يُرزق من خلال المعطيات التي تحصلت عليها إثر زيارتها ليبيا سنة 2016 ولقائها عدة أطراف على صلة بالقضية، تواصل تحركاتها لكشف مصيره.

الصحافي نذير القطاري

نفّذت سنيّة تحركات ووقفات احتجاجية تطالب فيها السلطات التونسية باستعادة نذير ورفيقه. وعلى عكس صمت الدولة التونسية، كما تؤكد، وصل صوتها إلى وزير الخارجية الفرنسي السابق جان مارك إيرولت الذي تعهد في مراسلة رسمية بالكشف عن مصير الصحافيين، وطالب وزير الخارجية التونسي المقال خميس الجهيناوي بمنحه الضوء الأخضر للتدخل.

دعم أجنبي

تقول بالرجب القنصل العام الفرنسي قال للجهيناوي خلال لقاء جمعهم وحضرته هي: "لم تطلب منا أبداً المساعدة، لو طلبت ذلك منذ حادثة الاختطاف لتدخلنا".

تتواصل حالياً الجهات الفرنسية مع سنيّة وشقيقها المحامي سمير بالرجب وتمدهم بآخر المعطيات بخصوص قضية ابنها، وامتنعت الوالدة عن الإفصاح عن معلومات نظراً لحساسيتها وتأثيرها على سير الأبحاث والتحقيقات.

قال وزير خارجية تونسي أسبق إن قضيتهما "في صميم صدارة اهتمامات الدبلوماسية التونسية"... ولكن أكثر من خمس سنوات مرت ومصير الصحافييْن التونسييْن المخفيين في ليبيا سفيان الشورابي ونذير القطاري ما زال مجهولاً
"كأني بالدولة التونسية تخجل بملفهما وكأنها تتسول الحلول بخصوص مواطنيها المفقودين"... هكذا يصف رئيس جمعية التونسيين العالقين بالخارج تحركات السلطات التونسية لكشف مصير الصحافييْن التونسييْن المخفيين في ليبيا سفيان الشورابي ونذير القطاري

تعيب سنيّة على الدولة التونسية تسليمها منذ البداية بمقتل ابنها استناداً إلى "مسرحيات متناقضة" روتها أطراف ليبية متداخلة، معتبرة أن تونس لم تحسم في هذا الملف "لأنها تتعامل مع حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دولياً ولأن المشير خليفة حفتر الذي يحتجز نذير وسفيان يستغل هذه الورقة للضغط على تونس للاعتراف به"، حسب تقديرها.

تدويل القضية

تنتظر بالرجب لقاءً مرتقباً مع الرئيس قيس سعيّد آملة أن يساعدها على حل لغز اختفاء ابنها وإعادته إلى أحضانها باعتباره "رجل قانون وحقوقي وإنساني"، وفق تعبيرها.

يشار إلى أن عائلتي الصحافييْن طالبتا في أيار/ مايو الماضي بتدويل قضية ابنيهما بسبب عجز مؤسسات الدولة التونسية بوسائلها الدبلوماسية وعلاقاتها الخارجية عن تحقيق نتائج مهمة وواقعية.

شقيقة سفيان الشورابي هو على يمين الصورة التي تحملها

دور الدولة

كان وزير الخارجية التونسي المُقال خميس الجهيناوي قد شدد في تصريح سابق لوكالة تونس إفريقيا للأنباء الرسمية بأن "ملف سفيان ونذير في صميم صدارة اهتمامات الدبلوماسية التونسية" وبأنه "أصبح اليوم قضائياً بامتياز بإشراف وزارتي العدل والداخلية".

وكان قد التقى كلاً من رئيس حكومة الوفاق الوطني الليبية فايز السراج في طرابلس يوم 11 حزيران/ يونيو 2018 والمشير خليفة حفتر في مدينة بنغازي يوم 16 تموز/ يوليو 2018، إضافة إلى لقائه المدعي العام الليبي في تونس.

وأكد خلال هذه اللقاءات عمل تونس مع كل الأطراف الليبية على كشف مصير الصحافيين، وأعلن إرسال بعثة أمنية إلى مدينة بنغازي الليبية لاستقاء المعلومات حول مصيرهما، في إشارة إلى الفريق الخاص بفحص التحاليل الجينية.

تحركات غير جدية

تحركات السلطات التونسية وصفها رئيس جمعية التونسيين العالقين بالخارج محمد إقبال بالرجب بغير الجدية وقال لرصيف22: "كأني بالدولة التونسية تخجل بملف نذير وسفيان وكأنها تتسول الحلول بخصوص مواطنيها المفقودين".

يرى بالرجب أن على الدولة التونسية تقديم أدلة دامغة على صحة رواية مقتل سفيان ونذير وانتقد تعللها بأن الوضع الأمني المتوتر في ليبيا يمنعها من التحقيق في الملف وإحراز تقدم فيه.

وأرجع فشلها في الحسم في القضية إلى عدم تكوينها لجنة رسمية مختصة تهتم بمتابعتها.

وأضاف أن أطرافاً ليبية تستغل هذا الملف في إطار مزايدات سياسية للضغط على السيادة التونسية نظراً للانقسام السياسي الداخلي في ليبيا، ودعا الدبلوماسية التونسية إلى "التحرك بصورة جدية وعدم الرضوخ لأي ضغوطات".

فريق مختص

يؤيد الناشط في المجتمع المدني والمتابع لقضايا التونسيين المفقودين والعالقين في الخارج منصف العبيدي موقف بالرجب، مستشهداً بدوره بعدم قيام الحكومة التونسية بأي خطوة منذ صدور نتائج التحاليل الجينية في نيسان/ أبريل الماضي.

ويقول لرصيف22 إنه كان على وزارة الخارجية التحرك العاجل وتكليف فريق فني وتقني يذهب إلى ليبيا لمتابعة ملف الصحافيين ويتابع عن كثب التطورات ويتواصل مع جميع الأطراف ولا يعود إلا بمستجدات ملموسة وواقعية وموثقة ونهائية.

كما انتقد استناد الخارجية في تعاملها مع القضية على معلومات مستقاة من الإنترنت وتسليمها بصحتها واكتفائها بإرسال وفد وحيد تكفل بفحص التحاليل الجينية.

وتابع: "تونس تستمع ولا تفرض بخصوص ملف سفيان ونذير وهذا الإشكال. عليها كدولة أن تحترم سيادتها وتتعامل مع الحكومة الليبية المعترف بها دولياً وتتجاوز تخوفاتها غير المبررة. كان عليها التدخل وبحزم بمجرد الإعلان عن اختفاء الصحافيين".

وتتهم عائلتا الشورابي والقطاري المشير خليفة حفتر باختطاف واحتجاز ولديهما استناداً إلى اعترافات ومعطيات ومعلومات وصلتهما.

اتهامات باطلة

في مقابل ذلك، يفنّد الناشط والمحلل السياسي الليبي المقيم في تونس عز الدين عقيل هذه الاتهامات ويقول إن "شخصية مدنية ليبرالية كحفتر لا يمكن أن تحتجز أو تقتل شخصيتين محسوبتين على التيار المدني الليبرالي".

وذكّر بأنه كان قد صرح منذ البداية بأن الصحافيين التونسيين قتلا على يد عناصر تنظيم داعش باعتباره كان من بين أعضاء الخلية التي شكلتها القناة التلفزيونية التونسية الخاصة التي كان سفيان ونذير يعملان فيها، للبحث عنهما والتحقيق في أسباب اختفائهما، استناداً إلى معطيات حصل عليها خلال عملية البحث والتقصي عنهما.

وعلى عكس سنيّة بالرجب، يؤكد عقيل أن أمير حرب محسوب على التيارات الإسلامية السياسية في ليبيا كان مسؤولاً على منطقة الهلال النفطي هو مَن اختطف واحتجز الصحافيين، بعد علمه باعتزامهما إنجاز تحقيق عن مهربي النفط.

ويضيف المحلل الليبي لرصيف22: "وقع الشابان في مأزق خطير جداً وفي أيادي مافيات تهريب كبرى تضم حتى جهات من دول خارج ليبيا".

من جهة ثانية، يرى المتحدث أن الحكومة التونسية لم تصل إلى قرائن وأدلة حقيقية تساعدها على اتخاذ أمر قاطع بشأن المختطفين، و"ظلت مترددة بين الأخبار المتناقضة التي تارة تؤكد مقتلهما وطوراً تنفي ذلك".

ضحية الانقسام الليبي

وكذّب عقيل الرأي القائل بأن خليفة حفتر يستغل هذا الملف كورقة ضغط سياسية على الحكومة التونسية، وأفاد بأن "الموقف التونسي الرسمي كان دائماً متوازناً بين جميع الأطراف الليبية وهو أمر يعيه الجيش الليبي بقيادة حفتر ما يجعل تونس قادرة على لعب دور إيجابي لحل الخلافات الداخلية الليبية".

يرى عقيل أن الوصول إلى رأي بات وقاطع بشأن سفيان ونذير صعب لأنهما ضحية من ضحايا الانقسام والصراع في ليبيا.

وفي تصريح لا تُخفى دلالاته السياسية، يعتقد أن المسألة "بحاجة إلى عودة سيادة وهيبة الدولة في ليبيا وإلى عودة السلطة أو الحكومة المركزية غير المخترقة في البلاد التي تستطيع فرض نفوذها والتحقيقات وملاحقة كل مَن لهم علاقة بأي جريمة من هذا النوع ارتكبت في ليبيا".

وتحيي تونس يوم 8 أيلول/ سبتمبر من كل عام اليوم الوطني لحماية الصحافيين، وهو يوم وافق عليه الرئيس الراحل السبسي، استجابة لمقترح ائتلاف الجمعيات الوطنية والدولية الساعي إلى كشف حقيقة اختفاء سفيان ونذير.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard