العم حسن "وزير ثقافة إمبابة"… أصبح بائع كتب بفضل فتاة وأصبحت كاتباً بفضله

الثلاثاء 5 نوفمبر 201912:09 م

حدثني ملاكي عن ملاكه قائلاً: "في تلك الفترة كنت يائساً تماماً ومحطماً... كدت أستسلم لمصير ظننت أنه محتوم، حتى ظهر ملاك الفرصة الأخيرة".

عم حسن رجل قعيد، مُصاب بشلل نصفي، وحين تخرج من معهد شلل الأطفال بإمبابة، وفّرت له المحافظة كشكاً لبيع السجائر.

"وأنا بكره السجاير وبيكره اللي بيدخنها"، قال مرة.

هو يؤمن بأن التدخين تدمير للصحة والمال وضياع للمستقبل، ولكن يبدو أن القدر قرر أن يختبر إيمانه، فالكشك قابع بجوار مدرسة الاتحاد بشارع الوحدة، ومصدر رزقه ودخله الأساسي من السجائر التي تُباع للطلبة...

"كنتُ كلما أقدم سيجارة لطفل أتخيلني أطلق رصاصة في قلبه"...

تملكه الإحساس بالذنب، وتطلع إلى المستقبل فلم يرَ شمساً مشرقة... وبدأت الأسئلة الوجودية تراوده، وتطارده، وتطحنه...

"لماذا جئت للحياة؟ وما هو دوري فيها؟ هل كُتب عليّ أن أكون أداة لتدمير الأجيال؟".

وفي أحد النهارات زارته فتاة، كانت في حدود العشرين، وسألته: "عندك كتب أو روايات؟".

فأوضح لها أنه لا يبيع غير السجائر.

مع الوقت فرغ الكشك من السجائر وأصبح أول كشك في إمبابة لبيع وتبادل وتأجير الكتب للأطفال

في عصر اليوم التالي عادت الفتاة مجدداً وهي تحمل بين ذراعيها صندوقاً قدمته له، كان الصندوق يعجّ بالكتب، وكانت الكتب تتضمن سلسلة "رجل المستحيل" لنبيل فاروق وروايات عبير وملف المستقبل لأحمد خالد توفيق، بالإضافة إلى روائع الأدب العالمي التي أُعدت إلى الناشئين.

لم يكن لدي عم حسن المال الكاف. غير أن الفتاة أصرت على ترك الكتب وأكدت له بأنها ستعود في الغد لتحصيل الفلوس.

وجاء الغد ولم تأتِ الفتاة، وحضر بدلاً منها زبون وسأل عن سجائر، فأخبره عم حسن بأنه لا يوجد سجائر.

" فيه كتب"..

وعرض عليه أن يشتري الكتاب بنفس سعر السجائر فوافق. وجاء آخر وآخر، واستمر العرض واستمرت الموافقة حتى نفدت الكمية.

سقط عم حسن في حيرة... فمن جهة، لم تظهر الفتاة ولم تطالب بمستحقاتها. ومن ناحية أخرى اعتاد الطلبة على الكتب فأدمنوها كما أدمنوا السجائر من قبل، وراحوا يتساءلون عن الأعداد الناقصة...

"لم أكن أعرف ما يتوجب عليّ فعله، ولكن بعد تفكير طويل ومضن اتخذت الطريق الصحيحة".

وعليه اتجه عم حسن إلى الفجالة بوسط البلد، واشترى من الكتب ما يلزمه.

مع الوقت فرغ الكشك من السجائر وأصبح أول كشك في إمبابة لبيع وتبادل وتأجير الكتب للأطفال.

وكنت أنا واحداً من هؤلاء الأطفال، وكنتُ أيضاً مدمناً على حكايات أبي. كنتُ أقول له: "جائع"، فيتساءل هو بهدوء: "تعرف مين اللي لبس أمه وركب أبوه وأكل من بطن الميت حي وشرب ماء ولا من الأرض ولا من السماء؟".

دائماً كانت لديه افتتاحية مدهشة، قادرة على محو جوعي وإثارة فضولي، فأجدني كالمسحور أجلس إلى جواره متسائلاً: "مين؟"، ليبدأ في قص حكاية.

كان أبي حكاءً مدهشاً، وكان يُطعمنا الحكايات، غير أنه توقف عن الحركة/ الفعل/ الحكي. تحوّل إلى شجرة ضخمة بلا ثمار.

وكان عليّ أن أجد بديلاً لحكايات أبي، كنت بحاجة ملحة إلى جرعة من الإبداع والخيال فأخبرني صديقي – وقتها كنا في الابتدائية- عن عم حسن الذي من خلاله اكتشفت عالم الروايات... تلك الحكايات الشيقة التي نسجتها العقول المبدعة من الواقع والخيال أصبحت حياتي الحقيقية.

كان عليّ أن أجد بديلاً لحكايات أبي، كنت بحاجة ملحة إلى جرعة من الإبداع والخيال فأخبرني صديقي عن عم حسن الذي من خلاله اكتشفت عالم الروايات... تلك الحكايات الشيقة التي نسجتها العقول المبدعة من الواقع والخيال، أصبحت حياتي الحقيقية.
كنت أقول للعم حسن: "بفضلك أصبحت كاتباً"... وأنا أقدم له كتبي، اغرورقت عيناه بالدموع، إنها دموع الفرحة، وربما النصر. ثم قال وهو يشير إلى الكتب: "من أجل هذا أعيش".

حين أخبرني عم حسن عن ملاكه، تذكرت رواية لسعيد نوح معنونة بـ"ملاك الفرصة الأخيرة"، وكانت تحكى عن ملاك مهمته الرئيسية تحويل المسار الحياتي لناس كادوا أن يفقدوا معنى وجودهم في اللحظات الأخيرة. تعجبت لاستخدام عم حسن للتعبير نفسه... كانت الفتاة ملاكاً للعم حسن، فانتزعته من مصير ظن أنه محتوم، ووضع قدمه على طريق كان يرغب به، ولم تتسن له الفرصة.

وكان عم حسن بالنسبة لي ملاكي الخاص، فقد انتزعني أيضاً من حياة متخبطة وطريق ممهد نحو الفساد والجريمة ووضعني في العالم الذي كنت أصبو إليه...

كنت أقول له: "بفضلك أصبحت كاتباً"...

وأنا أقدم له كتبي، اغرورقت عيناه بالدموع، إنها دموع الفرحة، وربما النصر. ثم قال وهو يشير إلى الكتب: "من أجل هذا أعيش".

وأضاف أيضاً: "تلك هي اللحظة الأسعد في حياتي".

أما عن اللحظة الأسوأ في حياته على الإطلاق، كانت حين طلب منه رجال الحيّ أن يخفي الكتب ويضع عوضاً عنها علب السجائر وأغلفتها، لأن المحافظ سيمر من شارع الوحدة، والكشك مُرخص لبيع الدخان وليس الكتب.

"تلك هي اللحظة الأسوأ في حياتي فعلاً... كنت أضع بوسترات السجائر فوق صور كتّاب عظماء، كانت يدي ترتعش وقلبي يرتجف كأنني مُقدم على جريمة، بل كنت أرتكبها بالفعل".

ذاع صيت عم حسن، وكتبت عنه الجرائد والصحف المصرية، ولقّب بـ"وزير ثقافة إمبابة" وهو لقب لم يعتز به كثيراً، فقد كان يشعر أن دوره في الحياة أعظم وأهم من الألقاب والمناصب، لذلك فضل أن يبقى "جندياً مجهولاً" يقدم خدماته في الخفاء... وهذا ما تفعله الملائكة دوماً.

واليوم رحل عم حسين عن الدنيا، تاركاً كشكه مفتوحاً لمن أصابه إدمان القراءة ويبحث عن جرعة إبداعية تشبع عقله وخياله..

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard