"إسرائيل ترحب بكم"... معاناة فلسطينيي غزة في حاجز "إيرز"

الاثنين 4 نوفمبر 201905:25 م
Read in English:

Welcome to Israel: Palestinians’ Ordeal at the Erez Crossing

دون سابقة إنذار، استيقظت ريهام على صوت رنَّة هاتفها النقال في الثالثة فجراً، فأجابت فوراً على اتصال هاتفي مفاده "أنّ سلطات الاحتلال الإسرائيلي وافقت على تصريحها بعد انتهاء إجراءات الفحص الأمني التي استغرقت 60 يوماً، وعليها التوجه للمعبر لتتمكن من الحصول عليه والسفر".

حينها قفزت عن سريرها، وهرولت لتوضيب حقيبتها، معلنة سفرها دون أي تفاصيل لمراسيم الوداع المعتادة، فالوقت لا يسعفها لذلك، خطفت نفسها بعد أن ألقت نظرة وداع أخيرة على والدتها، تاركة خلفها حنينها، وذكرياتها الجميلة، ونزلت للتاكسي منطلقة لمعبر بيت حانون "إيرز" شمال قطاع غزة.

ريهام صلاح (29 عاماً) فتاة فلسطينية، حصلت على منحة لدراسة الإنتاج الإعلامي والعلوم السياسية في رومانيا، أصرَّت على تحقيق حلمها في الحصول على الماجستير رغم كابوس المعابر.

"البوت واللاب توب والكاميرا  ممنوعات"

"إسرائيل ترحب بكم" هذا ما وجدته يستقبلها لحظة دخولها صالة المعبر بعد أن حصلت على أوراقها وتصريحها من نقطة (5،5) حيث توجد السلطة الفلسطينية، لكن لم تمرّ على تلك "اليافطة" مرور الكرام، فكانت أقسى ما شاهدته عيناها، فالمشهد لوحده كافٍ بأن يذكّرها بوطنها المغلوب على أمره، وإنذارها بالاستعداد للعراقيل التي ستواجهها، شردت بخيالها لبرهة وحدثت نفسها متسائلة: "ماذا لو تبدلت هذه اليافطة بـ(فلسطين ترحب بكم)، بالطبع كانت ستوفر علينا الكثير من العناء".

ولم تكمل حتى قاطعها صوت الضابط الإسرائيلي منادياً اسمها، فقد جاء دورها للتفتيش، كبداية أشار بسبابته نحو حقيبتها، يبدو أنها تضم قائمة من المحظورات بالنسبة له، رغم أنها لم تضع فيها سوى حاجياتها الأساسية وبعض الأحذية، فالشتاء في رومانيا قارس، إضافة لكاميرا و جهاز حاسب آلي محمول، أخذ يلقي في أغراضها واحدة تلو الأخرى خارج الحقيبة ومنعها من اصطحاب كل من اللابتوب والكاميرا، والذين يشكلان أهم ما لديها كونها تحتاجهما لعملها ودراستها، لم يكتف بذلك إذ إنه في نهاية المطاف أخبرها بالعبري، "يحظر إدخال حقيبتها بسبب نوعها… عجلات جرار".

"إسرائيل ترحب بكم" أقسى ما رأته عيناها، ذكّرتها بنكبة 1984، وفكرت لبرهة: "ماذا لو تبدلت هذه اليافطة بفلسطين ترحب بكم؟"
"حقيبتي، وكاميرتي، ولاب توبي من المحظورات في معبر "إيرز"، وجعلوني أوقع على تعهد بعدم العودة لغزة إلا بعد 6 أشهر"

تقول ريهام: "كانت هذه اللحظة كفيلة لتعيدني لمرحلة الصفر"، داهمها اليأس والنحيب، ماذا عساها فاعلة فلا مزيد من الوقت أمامها، والحافلة امتلأت بالمسافرين.

" الاغتراب قدر ملاصق للفلسطيني أينما حل".

يبدو أن الاغتراب قدر ملاصق للفلسطيني أينما حلّ، هذا ما شدَّدت عليه ريهام حينما أكملت حكاية سفرها لرصيف22 قائلة: "بعد أن رفض الضابط الإسرائيلي إدخال حقيبتي معي للسفر ألقتيها بالخارج، وسرت حاملة أغراضي في "صرّة صغيرة"، تذكرت حينها ما حدث لأجدادي في نكبة 1948، فبدأت بالبكاء بشكل عفوي، حتى جاءني أحد المسافرين معي، وهوَّن عليّ بأن هنالك حل يكمن في شراء حقيبة بلاستيك مخصصة لمن يتكرر معهم نفس مشكلتي، واتفق معي مسافر أجنبي أن يحمل اللابتوب والكاميرا معه، حتى خروجنا من نقاط التفتيش".

"الخروج مهمة مستحيلة"

تقول ريهام: "فكرة خروجي من غزة كانت أشبه بالمهمة المستحيلة، حصلت على تصريح للسفر بعد أن تمَّ رفضي لأربع مرَّات من قبل الاحتلال الإسرائيلي، تحت مُبرِّرات واهية "دواعٍ أمنية"، كنت أصارع الزمن فموعد الدراسة اقترب، جميع الزملاء بدؤوا الدراسة وبقيت أنا، ولم يكن بوسعي السفر عبر معبر رفح الجنوبي، فرقمي تخطى الآلاف، هذا يعني أن دوري على معبر رفح سيتأخر ربما أكثر من سنة، كذلك ليس لدي المال الكافي لدفع تنسيق، لذا قررت المغامرة بالسفر عبر معبر إيرز، رغم علمي المسبق بالعراقيل التي ستواجهني، لكنني رفضت الاستسلام، وأجبرتني سلطات الاحتلال على توقيع تعهد عدم العودة لغزة سوى بعد ستة أشهر، مقابل السماح لي بالسفر للدراسة".

شعوران متناقضان عاشتهما ريهام أثناء رحلة سفرها، أولهما تعاستها على الحدود والمعبر، والاستخفاف بعقلية الاحتلال الإسرائيلي كونه منعها من اصطحاب "بوتها" المفضل، فأي خطر كان سيشكل هذا "البوت" على أمن اسرائيل؟

يعيش السكان في قطاع غزة عزلة تامة، يفصلهم عن العالم الخارجي معبران، الأول معبر رفح البري جنوباً، والخاضع للسيطرة المصرية، والثاني بيت حانون/ إيرز شمالاً، تسيطر عليه سلطات الاحتلال الإسرائيلي.

ومع بداية التسعينيات اشترط الاحتلال الإسرائيلي على المواطنين الغزيين المسافرين عبر "إيرز" الحصول على تصاريح تصدرها لهم وفق سياستها، وعقب استلام حركة حماس الحكم في القطاع في حزيران \يونيو 2007، شددت قيود الاحتلال عليه بشكل مضاعف، مشترطين خضوع التصريح للفحص الأمني لإصداره.

مريض سرطان "مرفوض أمنياً"

لا يختلف الحال كثيراً بالنسبة لرأفت شعباني، في العقد الخامس من عمره، مرَّ شهران كاملان ولا يزال ينتظر "التحويلة الطبية" ليتمكن من السفر للعلاج في الخارج، في إحدى مشافي القدس المحتلة، إذ لم يشفع له كونه مريضاً بسرطان القولون للموافقة على تحويلته، بعد أن تم رفضه ثلاث مرات متتالية من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي، في كل مرة يتوجه للشؤون المدنية في قطاع غزة للاستفسار عن سبب المنع، يتم إخباره وفق تصريحات سابقة من سلطات الاحتلال الإسرائيلي أنه "مرفوض أمنياً".

ويحتاج رأفت لتلقي جرعات الاشعاع الكيماوي مرة كل 15 يوماً، لكن مر 60 يوماً دون علاج، ما ينذر بخطر شديد على صحته نفسياً وجسدياً، بسبب المماطلة والمنع على معبر إيرز.

"ما يعيشه مرضى السرطان بغزة مناف لما جاء في الأديان السماوية والقوانين وكافة الحقوق"، هكذا عبّر عن حالته المأساوية، مضيفاً في تصريحات لرصيف22، "لا يكفي ما نتحمَّله من عذابات على معبر إيرز، تتمثل في قسوة إجراءات التفتيش من قبل الضباط الإسرائيليين، والابتزاز، مُنعنا اصطحاب الغذاء وبعض الأدوية، تحديداً المراهم، كذلك شواحن بطاريات الهاتف، يتم حرماننا من العلاج بسبب دواع واهية لا صحة لها سوى ممارسة ضغوطات علينا".

وترافق رأفت زوجته في رحلة علاجه كون عمرها يزيد على الـ50 عاماً، وما دون ذلك العمر لا يسمح لهم.

الهدف عزل غزة عن العالم

وتفرض السطات الإسرائيلية مزيداً من القيود أمام أصحاب التصاريح من (الطلاب، المرضى، التجار، الحالات الإنسانية، الموظفين الدوليين، أصحاب التأشيرات) وشملت منع وتأخير إصدار تصاريح لهم والمماطلة في فترة الفحص الأمني، لفترة زمنية من 6الى 9 شهور، والتشديد على العاملين في المؤسسات الدولية الإغاثية والإنسانية، ما ساهم في إعاقة جزء من عملها في غزة.

وفي السنوات الأخيرة أضافت قائمة جديدة من المحظورات أمام أصحاب التصاريح، فمنعتهم من اصطحاب الحقائب ذات العجلات أو الإطار ومستلزمات النظافة، الحواسيب، الأجهزة الالكترونية، شواحن الهواتف النقالة، الأطعمة، مساحيق التجميل للسيدات، وبعض أنواع الأحذية.

تاجر فلسطيني لم يفصح عن اسمه، بيّن أن حاله ليس أفضل كثيراً، فالاحتلال الإسرائيلي يتعمَّد غالباً تأخير إصدار التصاريح كنوع من المماطلة والتسويف فقط، وحتى يتغلب على معوقات التفتيش التي قد تواجهه على معبر إيرز، يسافر "بـطوله دون أن يحمل أي حقيبة"، على حد تعبيره، فقط يصطحب أوراقه الرسمية والتصريح.

"أسير حافي القدمين، لآخذ صندوقي بعد انتهاء التفتيش، الذي قد يستمر وفق مزاج الضابط الإسرائيلي".

وشرح التاجر لرصيف22 آلية سفره على المعبر قائلاً: "عند بداية دخولي صالة المعبر يتم وضع ما أرتديه من حزام جلد حول وسطي، حذائي الذي أرتديه، محبسي، هاتفي النقال، وأي أغراض أخرى داخل صناديق لفحصها، ثم يتم عرضي أمام جهاز يصدر أشعة زرقاء، تظهر كافة تفاصيل جسدي حتى النخاع الشوكي، وأسير حافي القدمين، لآخذ صندوقي بعد انتهاء التفتيش الذي قد يستمر ساعات قليلة أو أكثر، وفق مزاج الضابط الاسرائيلي، ثم يأتي دور فحص أوراقي، وتصريحي خلف شباك زجاجي".

وبيّن التاجر أنه غالباً ما يحتاج لارتداء بدلة رسمية أثناء اجتماعه مع أصحاب الشركات التجارية في الداخل المحتل، فيضطرّ لشرائها من أسواقهم، رغم أن ثمنها مضاعف.

مُنسِّقة وحدة المساعدة القانونية بمركز الميزان لحقوق الإنسان في غزة، ميرفت النحال، أكَّدت أنَّ ما تقوم به سلطات الاحتلال الإسرائيلي من تقييد لحريَّات المسافرين عبر معبر إيرز، هو انتهاك مباشر لحقِّهم في التنقل، والذي كفلته لهم كافة الأعراف والمواثيق الدولية.

وأشارت النحال أن سلطات الاحتلال تمنع إصدار التصاريح لبعض المرضى بذريعة أنهم ذوي قرابة عائلية لحماس، وهذا معيار مرفوض قانونياً، فالعقوبة شخصية ولا تمتد للآخرين، كما أن هنالك بعض حالات مرضية من جرحى مسيرات العودة، يتم حرمانهم من تلقي العلاج كعقاب لمشاركتهم في مسيرات العودة الكبرى، دون أي محددات للقانون الدولي الإنساني، مبينة أن هنالك تقييدات على التجار، والطلبة، والحالات الإنسانية أيضاً.

وعن التداعيات السلبية لمثل هذه الانتهاكات بحق الفلسطينيين، أوضحت النحال أنَّ لها انعكاسات سلبية وتحرمهم من أهم حق وهو التنقل، التعلم، لمّ الشمل، وتؤدي لتقطيع أواصر العائلات، وعزل الفلسطيني عن العالم، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، والمجتمعية، والصحية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard