لماذا علينا أن ننتقد الشعراوي باستمرار؟

الاثنين 4 نوفمبر 201903:38 م
Read in English

بمجرّد نشر خبر يفيد بأن الإعلامية أسما شريف منير وصفت "الشعراوي" بأنه "متطرّف"، عرفتُ أن هناك عاصفة بانتظارها وسيل هجوم، بداية من الانتقاد وحتى التكفير، وكنت أتوقع أنها ستعتذر وهذا ما حدث، فالأزمة بدأت حين طلبت أسما ترشيح شيوخ تستفيد منهم، وطرح عليها أحد متابعيها على حسابها بموقع "فيس بوك" الشيخ الشعراوي، فأجابته أنها تابعته وهي صغيرة ولكنها حين نضجت اتضح لها أن له آراء "متطرفة"، ثم بدأت العاصفة وانتهت باعتذار الإعلامية.

توقعي لم يكن من قبيل التنجيم، لكنه التكرار لكل من اقترب من الشعراوي. منذ عام تحدثت مع صديق لي عن الشعراوي، وأخبرته وقتها في محاولة لتلطيف كلماتي "أني مختلف مع بعض آرائه"، ليهاجمني صديقي ويتهمني بأنني لا أفهم شيئاً وغير مؤهل للحكم على "مُجدّد الدين"، وأخيراً ختم هجومه بـ"ده كلام ملحدين"، وقتها فقط لعنت نفسي لأني لم أقل له إن الشعراوي له آراء متطرفة يستحق أن يعاقب بسببها، ومن وقتها فضّلت أن لا أجتهد في تلطيف كلماتي طالما التهم جاهزة.

وقبل تفسير هجوم وتكفير كل من اقترب من الشعراوي، علينا أن نسأل كيف أصبح الرجل "أسطورة" وتحوّل إلى "قديس"؟ 

وقبل تفسير هجوم وتكفير كل من اقترب من الشعراوي، علينا أن نسأل كيف أصبح الرجل "أسطورة" وتحوّل إلى "قديس"؟ فالشيخ المولود في 1911 وتدرج في المناصب حتى تولى وزارة الأوقاف 1976، وإنجازه تفسير معاني القرآن الكريم، لم يختلف عن غيره، لكنه تميّز بطريقة التبسيط والشرح باللغة العامية ما جعله يحظى بشعبية كبيرة، وكان السؤال هل يقترب من الخطوط الحمراء للسلطة أم لا؟

والحقيقة لم يقترب الشعراوي طيلة حياته من الخطوط الحمراء للسلطة بل ودعمها في أحيان كثيرة، فإثر انتقاد السادات على خلفية اتفاقية "كامب ديفيد" وقف الرجل تحت قبة البرلمان 1978 وقال: "السادات لا يُسأل عما يفعل"، وهي مقولة لا تنطبق سوى على الله عز وجل.

وفي عصر مبارك، لم يكن هناك سوى لقاء شهير قال فيه موجهاً كلامه لمبارك: "إن كنت قدرنا فليوفقك الله وإذا كنا قدرك فليعنك الله على أن تتحمل"، وهي جملة عدّها دراويش الشعراوي كلمة حق أمام سلطان جائر رغم أنها عادية!

البعد عن الخطوط الحمراء وتدعيم السلطة كانت كافية لأن ترد السلطة الجميل للشعراوي، فدفعت به إلى قنواتها الحكومية في وقت لم يكن متاحاً سواها وفي مواقيت متميزة، مثل برنامجه في تفسير القرآن قبل الإفطار في شهر رمضان ليدخل كل بيت وتعتاده الأعين، ومن هنا بدأت حالة التقديس التي استمرّت حتى بعد وفاته عام 1998.

ففي عام 2003 تم إنتاج مسلسل "إمام الدعاة" الذي حوّل الشعراوي إلى "نبي" لا يخطئ، بجانب أن المسلسل شهد عودة الممثل حسن يوسف للتمثيل، ما ضاعف من نسبة مشاهدته وتم اعتماد لقب "إمام الدعاة" على محمد متولى الشعراوي… والأسطورة اتخذت مكانها.

منذ ذلك الوقت أصبحت جملة "ده الشعراوي قال" الفيصل في أي موضوع جدلي، لذلك حين أرادت السلطة بعد 30 يونيو 2013 التأكيد على الهوية المصرية لم تجد سوى الشعراوي بمقطعه الشهير "إنها مصر"، لتستخدمه وهي على يقين أنه لن يراجعها أحد.

حين تصنع أسطورة يصعب التخلص منها، وحين يظهر التقديس يصبح الانتقاد صعباً، وهذا ما حدث، فبات مطلوب منك ألا تعترض على فرحة الشعراوي بنكسة 1967، لأنه إذا انتصرت مصر فإن هذا يعني انتصار الشيوعية، الشيخ يرى أن موت الآلاف وضياع الأرض أهون بكثير من اعتناق مذهب سياسي!

كما بات من الصعب أن تعترض على "فنكوش" البنوك الإسلامية التي تفاخر الشعراوي إنه أول من وضع بذرتها، أو تتساءل عن مصلحته في حثِّ المواطنين على إيداع أموالهم في شركات توظيف الأموال التي تولى هو رئاسة إحداها وتبيّن نصب تلك الشركات.

في ظل الأسطورة أيضاً، عليك أن توافق على قتل كل مسلم قرر أن يغيّر دينه، وتقبل أن ملايين المسلمين يستحقون القتل لأنهم تاركو صلاة، ففي فتواه فإن تارك الصلاة عن كسل يُستتاب ثلاثة أيام ثم يُقتل، أليس هذا برجل يجب أن نحاسبه وأن يقف في التاريخ بجوار شيوخ التكفيرين؟ أن الكلمات التي خرجت منه في بضع دقائق تُسيل دماء الملايين!


كما عليك أن توافق أن المرأة لا تخرج إلا للضرورة، وأنه من غير المسموح لها الخروج للتنزه مثلاً، هذا غيض من فيض بعض أفكار الشيخ الشعرواي.

ورغم أن تلك الآراء يسهل التوصل إليها، لكن في ظل حالة "التقديس" المحيطة بالرجل، لا أحد يجرؤ على قول إنها آراء متطرفة، الكثيرون يخافون نعم، فللشعراوي سحره وأتباعه، وللتطرف جذور في أرضنا، لذلك فالاقتراب منه بمثابة لعب بالنار، لكن هناك دائماً من تجرأ ليكشف زيف "الأسطورة" ويعيده إلى مكانه البشري، حدث ذلك مع الشعراوي بداية من تسعينيات القرن الماضي في كتاب " أفكار مهددة بالقتل" لإبراهيم عيسى، ثم توالت الانتقادات من كتّاب ومفكرين، التحذير من خطورة الرجل وأفكاره التي لا تختلف كثيراً عن أفكار أي تيار إسلامي يتاجر باسم الدين حاضرة طوال الوقت.

حين تصنع "أسطورة" يصعب التخلص منها، وحين يظهر التقديس يصبح الانتقاد صعباً، وهذا ما حدث، فبات مطلوب منك ألا تعترض على فرحة الشعراوي بنكسة 1967، لأنه إذا انتصرت مصر فإن هذا يعني انتصار الشيوعية، الشيخ يرى أن موت الآلاف وضياع الأرض أهون بكثير من اعتناق مذهب سياسي!

القضية ليست في انتقاد الشعراوي وهو يستحق، لكن انتقاد كل من على شاكلته من الذين تم تقديسهم وبات الاقتراب منهم خطاً أحمر، ونحن نعاني من آفة التقديس، فقائمة القديسين تضم شيوخاً وأصحاب مذاهب وأمراء وسلاطين وسفاحين أيضاً!

والآن عرفنا كيف تشكّلت الأسطورة وخطورة الاقتراب منها، علينا أن نقول هل لم يصب الشعراوي؟ بالطبع أصاب، هل لم يخطئ؟ بالطبع أخطأ، هل هو قديس؟ بكل ثقة لا، هل له آراء متطرفة توردنا المهالك بكل ضمير مستريح؟ نعم، وإذا كان سؤال دراويشه لماذا تنتقدون الرجل على الدوام فهو في النهاية أصاب وأخطأ؟ أقول وقد اتفقنا بفضل الله على بشريته، ولماذا تلك الغضبة من انتقاده؟! وهنا مربط الفرس.

القضية ليست في انتقاد الشعراوي وهو يستحق، لكن انتقاد كل من على شاكلته من الذين تم تقديسهم وبات الاقتراب منهم خطاً أحمر، ونحن نعاني من آفة التقديس، فقائمة القديسين تضم شيوخاً وأصحاب مذاهب وأمراء وسلاطين وسفاحين أيضاً، وكل هؤلاء لا مساس بهم وغير مسموح انتقاد أفكارهم، تلك أزمتنا، لذلك فمن العيب أن نرى عملية تقديس أخرى تمر أمام أعيننا ونقف مكتوفي الأيدي... إن كارثة تقديس شخص هي أن ما يقوله يصبح صحيحاً حتى لو أخطأ وكل ما يفتي به حلالاً حتى لو خالف العقيدة نفسها.

لذا، فالرافضون لانتقاد الشعراوي هم الرافضون لانتقاد غيره، هم الذين سيشهرون في وجهك سيف الإرهاب الفكري ويباغتونك بأسئلة "أنت دارس إيه؟" و"أنت لا تصلح لمناقشة شيخ" "ده زمن الرويبضة"، لكن مع كل معركة من تلك المعارك التي يجب ألا تتوقف لحظة، هناك كسر لهالة التقديس.

وفي وسط المعركة، هناك من لم يقع في الفخ، وتلك المعارك تمثّل له مادة للفهم، وإدراك أن الشخص محور المعركة، سواء الشعراوي أو غيره، هو مجرد شخص، له مريدون وله معترضون.

أتخيل المشهد لو صمتنا، لو لم نقل إن هناك أفكاراً ترسّخ الإرهاب ولا تتفق مع القرآن، لو سكتت كل الأفواه… ماذا سيكون الموقف؟ ستترسخ صورة التقديس، ستزيد الأساطير، بهذا النقد الواجب استمراره نحن نقول إن هؤلاء بشر، وأننا لن نضطر إلى دراسة كل فروع الفقه لكي نقول إن هناك رأياً لا يعجبنا، ولن نضطر للحصول على شهادة دينية لانتقاد شيخ، وأخيراً لن نشعر بالحرج ونحن نصف من نراه متطرفاً بأنه متطرف، فنحن باقون ونتجدد باستمرار.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard