ما بين "بيلا تشاو" و"لا كاسا دي بابيل"... نشوة المقاومة في الثورات العربية

السبت 2 نوفمبر 201906:00 م

كصحافية، أتابع عن كثب الثورات في لبنان والعراق والتي جعلت الخريف ساخناً بالاستقالات والتغيرات التي لم تتوقف منذ تسع سنوات، مثّلت الحراكات العربية. بداية من تونس في أواخر 2010، حتى لبنان والعراق والجزائر الذين ما زالوا يكافحون من أجل العدالة والحرية.

يا رفيقة، احمليني بعيداً، وداعاً أيتها الجميلة، وداعاً أيتها الجميلة، وداعاً أيتها الجميلة، وداعاً، وداعاً

يا رفيقة، احمليني بعيداً، لأنّني سأموت، وإن متّ، كمقاوم

وداعاً أيتها الجميلة، وداعاً أيتها الجميلة، وداعاً أيتها الجميلة، وداعاً، وداعاً

إذا متّ كمقاوم، فعليكِ دفني، ادفنيني أعلى الجبال، وداعاً أيتها الجميلة، وداعاً أيتها الجميلة، وداعاً أيتها الجميلة، وداعاً، وداعاً

ادفنيني أعلى الجبال، تحت ظل وردة جميلة.

هذا جزء "مترجم" إلى العربية من الأغنية الإيطالية الشعبية "بيلا تشاو" والتي تُعدّ من التراث الإيطالي، حيث تم تبنيها كنشيد للمقاومة المناهضة للفاشية واستخدمها الثوار الإيطاليون بين عامي 1943 و1945، أثناء المقاومة الإيطالية ضد القوات النازية التي كانت تحتل إيطاليا، كما تم استخدامها بعد ذلك كترنيمة لمناهضة الفاشية ورمز للمقاومة والبحث عن الحرية.

تاريخ الأغنية - التي لا يُعرف مؤلفها ولا ملحنها تحديداً حتى الآن- يعود إلى ما قبل حقبة الأربعينيات من القرن الماضي، حيث يرجع البعض أصلها إلى العاملات في حقل الأرز في أواخر القرن التاسع عشر، واللواتي تغنين بنسخة مختلفة منها، كاحتجاج على ظروف العمل القاسية في حقول الأرز في شمال إيطاليا.

شعور ما يختلط بداخلي حين أشاهد مسلسل La casa de papel، وكذلك حين أشاهد فيديوهات من التظاهرات في الشوارع العربية، فأشعر بالدراما الشعبية تجسّد المقاومة في أبهى صورها.

حينما شاهدت النسخة العراقية من الأغنية والتي أنتجها "كروب ما بعد الظلام المسرحي" ونشرها عبر يوتيوب، في الخامس والعشرين من أكتوبر، شعرت وكأن العالم أصبح يتحدث بشفرة الدراما، ففي النسخة العراقية من "بيلا تشاو" تأخذ كلمات الأغنية منحى الشكوى من الضيق والفقر ونهب الحقوق.

الأغنية الرمز برزت مرة أخرى بعد أن مثلت الهوية السمعية لمسلسل La cas de papel أو "بيت من ورق"، والذي تدور حكايته حول مجموعة من المتمردين يسرقون مطبعة نقود إسبانية. لكن أحد أبطال العمل "البروفيسور" يظهر كلص ظريف بالغ الذكاء، هدفه الأساسي كسر أنف النظام والسرقة من أجل تحقيق العدل لمجموعته التي ذاق كل فرد فيها المرَّ في حياته.

فهل أصبحت الأغنية رمزاً يتناقله المقاومون عبر البحار والحدود... أم أنها مجرّد عدوى فنية ستزول بعد زوال فيروس الثورات -الملهم- والمستمر لنحو عقد كامل حتى الآن.

قصور في الدراما وفيض في الثورات

هل تنسخ الدراما أو السينما ما يراه صناعها في الواقع، أو تسجله مخيلتهم لإرهاصات مستقبلية قريبة؟ أم أن الدراما تصنع أحياناً نموذجاً يحتذى به في الواقع؟

لكلا النظريتين ما يؤيدها أو ينفيها، على سبيل المثال، أصبح قناع فيلم الخيال العلمي V for Vendetta في بعض الحراكات العالمية والعربية، رمزاً لمحاولة تغيير الواقع السياسي، ففي هذه الحالة انتقلت عدوى القناع من السينما إلى الشارع. وفي حالات أخرى، مثل في فيلم "الجوكر" الذي أحدث ضجة ونجاحاً، يُعتقد أن مشاهد الشغب ضد قوات الأمن في نهاية الفيلم تأتي كنتيجة لما شوهد من اضطرابات وتظاهرات حول العالم، وهو ما يؤيد النظرية الثانية.

شعور ما يختلط بداخلي حين أشاهد مسلسل La Casa de Papel، وكذلك حين أشاهد فيديوهات من التظاهرات في الشوارع العربية، فأشعر بالدراما الشعبية تجسّد المقاومة في أبهى صورها.
يبقى السؤال، من يحرك مشاعر الآخر: الشارع يلهم الصناعة، أم أن الصناعة أحياناً تمنح دفعة للأفكار وتخلق لها مخرجاً إلى النور؟ وهل تستطيع الدراما العربية المبتورة أن تنفي هؤلاء اللصوص الباحثين عن العدالة إلى الأبد؟

أما عن الدراما العربية، فقد كانت تقدم تلك الثيمة "الروبن هودية" فيما قبل 2011، في أعمال درامية وسينمائية كثيرة، ونذكر منها القصة الأشهر قصة أدهم الشرقاوي، وكذلك قصة علي الزيبق المصري، القصة التي قدمت في عمل درامي مصري عام 1995 و نسخة سورية عام 1967، وتم إعادة إنتاج نسخة جديدة منها عام 2011، والتي تحكي قصة فساد يشترك فيها كل أطراف السلطة، ابتداء من الخليفة وانتهاء بالعسس.

قصة اللص الشريف الذي يسعى إلى تحقيق قيمة العدل والمبنية على أساس أن الجزاء من جنس العمل، فكما تسرق السلطة أقوات الناس وأحلامهم، يسرق الزيبق، ممثل الناس، السلطة التي استولت على الثروات بالبطش،

وهنا يحضرني من الحراك في لبنان فيديو شاهدته أثناء الحراك في أكتوبر 2019، حيث يظهر بعض المتظاهرين يوزعون حلوى قد استولوا عليها من محلات يملكها أحد رموز السلطة.

ويذكرني بمشهد من في مسلسل Le casa de papel حينما قامت المجموعة المتمردة - السارقة- بإلقاء النقود من المناطيد على الناس في الشوارع لكسب ثقتهم وإيصال رسالة البروفيسور، العقل المدبر في المسلسل، بأن السرقة من الأنظمة الظالمة ليست بسرقة، خاصة إذا لم تقترن بأذى أبرياء آخرين.

المشهد الذي يتكرر كلما تحركت الشعوب ضد حكام ينعمون بالثروات بينما يقومون بتجويع شعوبهم. فقد رأينا نفس المشهد في عام 2011 في مصر، أثناء نهب وإحراق مقرات الحزب الوطني الحاكم آنذاك في جمعة الغضب وما تلاها من تبعات.

وبالرغم من أن الدراما العربية تكاد تخلو في السنوات الأخيرة من ثيمة اللص الذي يسرق لتحقيق العدل، إلا أنها ما زالت متمسكة بفكرة اللص الظريف، أو أن تعمل على أنسنة اللصوص كي تكسب تعاطف المشاهدين.

نجاح تلك التيمة في مسلسلات مثل Le casa de paple والذي حقق أكثر 32 مليون زيارة خلال سبعة أيام فقط من بداية عرضه، يجعلها ثيمة ملحمية قديمة-حديثة، لم يعف عليها الزمن.

فروبن هود ليس هو الشخص الذي تريد السلطات العربية الهشة أن تقدمه على شاشات تحكم السيطرة عليها، وخاصة إذا كانت المنطقة على صفيح ساخن، حتى لو كان المواطنون جوعى لمنتج فني ملهم.

لكن هناك محاولات محدودة، تجسدت على سبيل المثال في فيلم "القرد بيتكلم" المصري، من بطولة أحمد الفيشاوي وعمرو واكد وريهام حجاج، ويحكي عن أخوين لصين يتكاتفان ضد كل سلطة تحاول التلاعب بهما، لإخراج والدهما من السجن، إلا أن الفيلم الذي خرج إلى النور عام 2017 لم يحظ بالرواج الكافي.

ولكن يبقى السؤال... من يحرك مشاعر الآخر: الشارع يلهم الصناعة، أم أن الصناعة أحياناً تمنح دفعة للأفكار وتخلق لها مخرجاً إلى النور؟ وهل تستطيع الدراما العربية المبتورة أن تنفي هؤلاء اللصوص الباحثين عن العدالة إلى الأبد؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard