عصور من التكتم والسرية... صورة الموحدين الدروز ومستقبل تاريخهم

الأحد 3 نوفمبر 201904:58 م

إن تاريخاً من السرية أحاط بطائفة الموحدين الدروز وديانتهم وممارساتهم مما جعل البحث في هذا الملف أمراً غاية في الصعوبة، لشحِّ المراجع والتكتّم على التفاصيل. ورغم العقبات التي قد تواجه البحث إلا أن عدداً من الدراسات المقدّمة باللغة الإنكليزية تعود لتاريخ الطائفة منذ بداية الإسلام، أو تكتفي بسبر تاريخها المعاصر، ليشكل بعضها مصادر في غاية الأهمية، وبخاصة أعمال أسامة مقدسي ومايكل بروفينس.

ومع هذا نجد أن أصوات الدروز تنأى عن المصادر التوثيقية في كل الحقب التاريخية، ما جعل كتّاب تلك الدراسات يلجؤون إلى الأرشيف البريطاني والفرنسي والعثماني، أو إلى الوثائق الموجودة في دول جاورت معاقل الطائفة. وحتى في ظل توفر النصوص المقدسة للطائفة عن طريق الإنترنت، تبقى السجلات المدنية غير متاحة للباحثين. ولهذا السبب تُستبعد التجربة الدرزية من الدراسات التي تعنى بمنطقة شرق المتوسط والتي يشكل الدروز جزءاً حيوياً من نسيجها.

ما هي المراجع التي كوّنت صورة الدروز في الجزء الناطق باللغة الإنكليزية من العالم؟ كيف تناولت أصولهم وطقوسهم السرية وتاريخهم الحديث وعلاقتهم بإسرائيل ودورهم القومي؟ فيما يلي نقدم قائمة بأهم تلك الدراسات بحسب الموضوعات التي تناولتها.

أصول الدروز وديانتهم الباطنية

بقي كتاب البروفيسور اللبناني الأمريكي فيليب حتّي "أصول الدروز وديانتهم: مع مختارات من نصوصهم المقدسة" (1982)، المرجع الأساسي في تاريخ الدروز طوال القرن العشرين بسبب ندرة الدراسات في هذا الملف. حتّي، الذي ولد في لبنان (1978-1886)، وأصبحت له مكانة أكاديمية رفيعة في أمريكا، عمد إلى نشر ما زعم أنه من النصوص المقدسة للدروز (من مكتبة جامعة برينستون) في أولى صفحات كتابه. كما يوثق الكاتب نصوصاً مقدسة للطائفة من المكتبة الفرنسية الوطنية.

ويزعم حتّي أن الإرث العربي للدروز يقصد التشويش على أصولهم الفارسية، شارحاً أن أول من قبل الدعوة الدرزية (سكان وادي التيم في أقصى جنوب البقاع)، هم جماعة من المهاجرين الفرس إلى المنطقة. ويبدو أن هذه النتيجة الجوهرية في الكتاب تستند على مجرد تكهنات، كما يجتر الكتاب الادعاءات المسيئة التي قدمها المستشرقون في القرن التاسع عشر. ورغم عدوانية الكاتب وفقدان كتابه للمصداقية والأمانة، إلا أنه بقي المرجع الأشهر عن الطائفة لعقود.

ظل كتاب فيليب حتّي "أصول الدروز وديانتهم" المرجع الأساسي في تاريخ الدروز طوال القرن العشرين، رغم الادعاءات المسيئة التي يتبناها والأصول "الفارسية" للدروز التي يزعمها بناء على تكهنات لا أساس لها 

إن تاريخاً من السرية أحاط بطائفة الموحدين الدروز وديانتهم وممارساتهم، ما جعل البحث في هذا الملف أمراً غاية في الصعوبة، لشحِّ المراجع والتكتّم على التفاصيل... هنا أهم ما نشر عنهم

"الدروز: دراسة جديدة لتاريخهم وعقيدتهم ومجتمعهم" 1984

ومن وجهة نظر أخرى أكثر تعاطفاً مع الطائفة، تقدم ابنة الطائفة المؤرخة اللبنانية نجلاء أبو عز الدين في كتاب "الدروز: دراسة جديدة لتاريخهم وعقيدتهم ومجتمعهم" (بريل، 1984)، دراسة لأصولهم العرقية بالاستناد إلى دراسات تحليلية لشكل الجمجمة وحجمها كطريقة لبحث الفروقات العرقية بين الجماعات البشرية، والتي كانت خبطة في الدراسات العلمية للأعراق في 1930. تستند الكاتبة بشكل كبير على ما قدمه كارلتون كون في كتابه " الأعراق الأوروبية، العرق الأبيض والعالم الجديد" (1939).

تعطي الدراسات الجديدة للحمض النووي نتائج مثمرة أكثر عن بداية وصول الدروز إلى شرق المتوسط وكيفية تفاعلهم مع شعوب المنطقة. وبغض النظر عن ثغراته، يبقى كتاب أبو عز الدين من أغنى المراجع عن تاريخ الدروز، نظراً لعمقه المعرفي عن موضوع البحث.

"الدروز" 1988

أما لتتبع تاريخ الموحدين منذ بدايته فيقدم المؤرخ روبرت بيتز رواية لكامل تاريخهم في كتابه "الدروز" (طبعة جامعة يال، 1988). ولو أن الكاتب اعتمد في دراسته على هيكلية متجانسة من الأبحاث الدقيقة لكانت من أهم الدراسات على الإطلاق في هذا الملف، إلا أن ما قدمه عن الدروز، وبالأخص عن عقيدتهم، لم يثرِ موضوع البحث.

يرتكز بيتز في دراسته للدروز المعاصرين بشكل أساسي على دمج تجربة المجتمعات الإسرائيلية مع اللبنانيين والسوريين من الشركاء لهم في العقيدة. وفي مراجعتها للكتاب التي نشرت في المجلة العالمية لدراسات الشرق الأوسط، تذكر ليلى العماد أن نية الكاتب في تصحيح التوصيف غير الدقيق الذي تقدمه وسائل الإعلام لم تتحقق، بل ازداد الأمر غموضاً وتعقيداً بعدم تقديمه لأدلة أو حسمه لمسائل يطرحها مثل "عبادة العجل".

"الدروز وعقيدتهم التوحيدية" 2006

وفي نظرة مختلفة لعقيدة الدروز كجزء من المعتقد الإسلامي، يطرح الكاتب أنيس عبيد في كتابه "الدروز وعقيدتهم التوحيدية" (جامعة سيراكوس، 2006)، موضوع سرية العقيدة والعواقب التي واجهت أبناء العقيدة بسببها، بالأخص الجالية الدرزية في أمريكا الشمالية والتي تشكل برأيه احتمالية لإصلاح ديني.

تاريخ الدروز الحديث

إن من أكثر الأعمال دقة وتماسكاً عن تاريخ الدروز هو ما قدمه البروفيسور قيس فيرو في كتابه "تاريخ الدروز" (بريل، 1992). بدلاً من العودة ألف عام في بحثه عن الموضوع كما فعل من سبقوه، يركز فيرو في تحليله على الفترة الحديثة، موضحاً ديناميكية تاريخ الجماعات الدرزية في منطقة شرق المتوسط. وبشكل رئيسي، يمكن اعتبار هذا العمل سرداً تاريخياً يؤكد على تنوع تجربة طائفة الموحدين الدروز على حسب موقعها الجغرافي وطبقتها الاجتماعية والاقتصادية.

يستند الكاتب في مصادر بحثه على ما تقدمه سجلات الأرشيف في بريطانيا وفرنسا، وما نشر من مصادر عربية. ولأنه من دروز إسرائيل، لم يتمكن فيرو من الوصول إلى السجلات المحلية في كل من سوريا ولبنان. وبشكل عام فإنه لا يمكن الوصول لهذه السجلات تحت أي ظرف، الأمر الذي يبّين سبب اعتماد الكاتب على وثائق استعمارية ليصبح بذلك المؤرخ الحداثي الأول لطائفة الدروز.

الصراع الطائفي في تاريخ الدروز

فيما يشبه تأريخاً للبنان الحديث، يلقي أسامة مقدسي في كتاب بعنوان "ثقافة الطائفية: الجماعة، التاريخ، والعنف في لبنان خلال القرن التاسع عشر من الحكم العثماني" (طبعة جامعة كاليفورنيا، 2000)، نظرة على النزاع الطائفي الذي اندلع بين الدروز والموارنة في جبل لبنان بين 1840-1860، نتيجة لتدخل الأوروبي والعثماني. وعلى عكس المظهر الذي يتم ترويجه للطائفية كصراع قبلي وحشي، فإنها في الحقيقة ظاهرة حديثة بحسب مقدسي.

وبينما لعب كثير من الدروز دوراً في هذه الأحداث التي يؤرخها الكاتب، تبقى أصواتهم غائبة من الوثائق التاريخية التي يقوم عليها الكتاب. فيستند مقدسي على وثائق استعمارية وكنسية مسيحية، ويعترف بأن غياب المصادر الدرزية يعدّ من نقاط الضعف في كتابه.

وتقدم قبل مقدسي الكاتبة ليلى فواز سرداً تاريخياً للصراع نفسه في كتابها "ذريعة للحرب: النزاع المدني في لبنان ودمشق في 1860" (طبعة جامعة كاليفورنيا،1994). تؤكد فواز في كتابها أن رؤية الأزمة الدرزية المارونية كنزاع مذهبي بين الإسلام والمسيحية أو كصراع طبقي هو عبارة عن "فشل في إدراك التحولات السياسية في المنطقة وتزايد ضغط القوى الاستعمارية في تلك الحقبة".

علاقة الدروز بإسرائيل

تقدم الإنكليزية ليلى بارسونز، بروفيسورة في التاريخ والدراسات الإسلامية، سرداً مفصلاً عن قرار جماعي اتخذته القيادات الدرزية بفلسطين بعدم الاشتراك في المقاومة ضد القوى الإسرائيلية، في كتاب "الدروز بين فلسطين وإسرائيل بين عامي 1947-49" (مكميلان، 2000).

وفي الوقت ذاته ترفض كل وجهات النظر التي حللت هذا الحدث في تاريخ الدروز على أنه تحالف مع الصهيونية على أسس القرابة التاريخية بين الديانتين، الدرزية واليهودية، منذ بداية الطائفة. ومن جهته يستند الباحث أمير خنيفس إلى مصادر درزية في أطروحته لدراسة علاقة الدروز بإسرائيل في كتابه "إسرائيل والنشاط السياسي للدروز: بين الولاء والعنف" (جامعة لندن، 2015).

ويذكر الكاتب أن الولاء الذي أظهره الدروز للحكومة الإسرائيلية الناشئة في العقود الثلاثة الأولى، كان تطلعاً منهم لخلق فرصة لتطور المجتمع الدرزي في إسرائيل، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، وسعياً للحصول على الحماية كجماعة دينية. ويضيف أن التغيير الذي طرأ على نشاطهم السياسي ليتخذ شكلاً أعنف ومقاوماً للسياسات الإسرائيلية، كان بعد اتجاه السياسة الإسرائيلية لتشكل تهديد لوجود الدروز ضمن أراضيها.

الدروز الثائرون والقومية السورية

في دراسة بعنوان "الثورة السورية الكبرى ونشوء القومية العربية" (تكساس، 2005) يؤرخ الكاتب مايكل بروفينس للمقاومة التي بدأت عام 1925 ضد الاستعمار الفرنسي.

وإذ يخصّ الكاتب سهل حوران في تحليله يشرح أسباب بداية الثورة في مناطق الدروز، وبالنسبة له فإن الثورة تخطت الطائفية والطبقية لتكون ناتجة عن شعور قومي سوري ألهم المقاومة المسلحة للاحتلال، رافضاً بذلك ما لفقته الوثائق الاستعمارية عن انشقاق حاصل بين الصفوف الدرزية ومؤكداً أن القوى الاستعمارية هي من أثارت النعرات في القرى الخاضعة لها.

وكذلك يقدم دانيال نيب دراسة عن الثورة السورية في كتابه "سوريا المحتلة في ظل الانتداب الفرنسي: التمرد وتشكيل الأرض والدولة" (طبعة كامبريدج، 2012). يسلط الكاتب الضوء على ثورة سلطان باشا الأطرش في جبل الدروز في السويداء والتي رفض الدروز من خلالها تسهيل مرور القوى الفرنسية عبر أراضيهم، ووفروا شبكات اتصال بدمشق لتنتقل الثورة منها إلى كل بقاع الأمة السورية.

وفي كتاب "صناعة الأسطورة وبناء الأمة: التمرد الطويل في جبال لبنان" (جامعة طوكيو، 2009)، يشير اللبناني عبد الرحيم أبو حسين، أستاذ في دائرة التاريخ والآثار في لبنان، أن المقاومة المسلحة للدروز ضد العثمانيين بدأت منذ القرن السادس عشر، على عكس الروايات التاريخية التي صورت العلاقات الودية بين زعامات الدروز والدولة العثمانية. وبحسب الكاتب فإنهم خاضوا تمرداً طويلاً في سبيل الاستقلال امتد من 1515 وحتى 1697.

كما يدرس الكاتب وثائق دفتر المهمة العثماني ضمن سياقها التاريخي في كتابه "لبنان والإمارة الدرزية في العهد العثماني" (توريس، 2004)، مبيناً تفاصيل عن إدارتهم لمناطق حكمهم وأهمية لبنان لهم ومطامحهم في المنطقة.

الجالية الدرزية في أمريكا

في كتابها "الدروز في أمريكا"، تستند الكاتبة كاثي جابر ستيفنسون إلى وثائق تاريخية بالصور والسرد في تقديم تفاصيل عن الجالية الدرزية في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد نجد في مذكرات روبرت لي حمدي بعنوان "بائع الخضار" (2015)، مثالاً عن هذه الجالية ومهنها، لكن بعيداً عن استخدام المذكرات مرجعاً للدارسين في هذا الموضوع قد تساعد في تشكيل صورة عن الجالية اللبنانية في أمريكا بالعموم وتاريخ الرأسمالية والعائلة والجندرة.

صورة المقالة هي خلوات البياضة، وهي مركز علمي مرموق لدى الدروز.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard