هل ينهي مسلسل "بابا العرب" حضور المسيحي على الشاشة ككومبارس؟

الجمعة 1 نوفمبر 201903:43 م

لو أتيح لي في أي وقت اختيار شخصية مسيحية لعمل فني، لم يكن اختياري ليخرج عن البابا الراحل شنودة الثالث والقمص الراحل متى المسكين، فبعيداً عن قيمتهما الدينية، تضمّ حياتهما الكثير من الأحداث التي تصلح لعمل فني، هذا الرأي يوافقني عليه كثيرون، وهو ما أسهم في النهاية إلى الإعلان عن مسلسل "بابا العرب" الذي يتناول سيرة البابا شنودة الثالث.

والمسلسل، كما تم الإعلان عنه، هو من إنتاج الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر ودير الأنبا بيشوي، بتكلفة تقديرية تتراوح بين 50 و80 مليون جنيه، ويشارك في إنتاجه أقباط كثيرون فتح لهم الدير حساباً للتبرع… أما المُرشح لبطولته فهو الفنان ماجد الكدواني، وسيتم تصويره قريباً، وقد وافقت عليه الجهات الرقابية للأعمال الفنية.

ورغم أني أعرف أن اختيار البابا شنودة الثالث جاء لأسباب دينية باعتباره رمزاً وجلس على كرسي الباباوية لمدة 4 عقود، لكن الحقيقة أن "نظير جيد" - اسم البابا شنودة الثالث الحقيقي- شخصية فنية بامتياز، فهو الدارس للتاريخ الإسلامي، المُحب للشعر والكاتب والزعيم السياسي والديني، وأول "بابا" يتم عزله في صدامه الشهير مع السادات عام 1981 ضمن اعتقالات شملت كافة الرموز السياسية والدينية آنذاك، وأخيراً هو الرجل الذي عرف كيف يقود الكنيسة في عصر مبارك وحتى وفاته في 17 مارس 2012، تلك التوليفة لا ينقصها سوى الكتابة، لأن الأحداث والمدة الزمنية الطويلة نسبياً مقارنة بغيره من الباباوات الذين سبقوه، جعلا منه شخصية فنية بحد ذاتها.

مسلسل عن البابا شنودة سيبثّ عبر الفضائيات عامّة وليس فقط قنوات الأقباط، كما اشترطت وزارة الثقافة في موافقتها على عرض العمل، وخير ما فعلت. إن أهم ما فيه من النظرة الدينية والفنية، ولا أبالغ في ذلك، هو أنه منذ لحظة بثّه سيكون بمثابة حدث ينقلنا إلى مرحلة جديدة لا تشبه ما قبلها… لماذا؟ وكيف يكون ذلك؟

إن متابعة التاريخ الفني والدرامي المصري منذ بدايته، قادرة أن تجعلنا نلتقط بسهولة التوظيف السينمائي للمسيحي على الشاشة، وهنا لا أقصد النجوم المسيحين فهم كُثر بل ولهم الريادة، لكن أتحدث عن موقعه داخل أي عمل فني، وهو موقع لم يتغير كثيراً من بداية القرن العشرين وحتى الآن، فالدور محدد، يتجسّد بتكملة صورة الوحدة الوطنية وإنه لا فرق بين مسيحي ومسلم وكلنا شعب واحد ولن يؤثر فينا أحد، إلخ...

هذا التوظيف السينمائي للمسيحي لا يمكن فصله عن المناخ السياسي، فتارة عبّر عن توجّه شعب وتارة أخرى عبر عن توجّه سلطة. لنعود إلى بداية السينما المصرية بفيلم "برسوم يبحث عن وظيفة" عام 1923، وقد سبقته بأربع سنوات ثورة 1919 التي جسّدت نموذج النسيج الوطني بين المسلمين والمسيحيين، فالفيلم يحكي عن فتى مسيحي له صديق مسلم ويعانيان من البطالة، وفي مناخ ثورة 19 لم يكن من الغريب أن يتصدر الاسم المسيحي عنوان أول فيلم بمعناه الحديث في مصر.

هذا التوظيف الفني لصورة المسيحي والمتفق مع المناخ السياسي ظل هو السائد حتى قيام ثورة يوليو 195، ليبدأ من بعد هذا التاريخ نفس التوظيف الفني ولكن بأمر السلطة التي حرصت على أن يكون هناك صورة وحدة وطنية في كافة الأعمال السينمائية، وأن يقتصر دور المسيحي فقط كـ"وجه تجميلي"، ومع أول محاولة لكسر هذا السائد مثل فيلم "ليلة القدر" الذي أنتج عام 1951 وتغير اسمه ليصبح " الشيخ حسن"، وحين دفع به المنتجون للعرض تم منعه لفترة لأنه يناقش لأول مرة، قصّة حب بين حبيبين مختلفي الديانة، وتم زواجهما بالفعل رغم اعتراض الأهل.

منذ ذلك الحين ظل "الوجه التجميلي" ثابتاً وفي مختلف الحقب التاريخية، ففي فيلم "الزواج على الطريقة الحديثة" نرى المشهد الشهير لشيخ وقسيس يستقلان دراجة، وفي التسعينيات نرى تقديم نموذج المسيحي صاحب الهم المشترك مع المسلم، كما حدث في فيلم "الإرهابي" وهو الذي تكرر أيضاً في فيلم "حسن ومرقص" عام 2008.

بالتوازي مع تلك الصورة الجامدة، ظهرت أفلام على فترات رغم ما تعرضت له من انتقاد، لتكسر تلك الصورة وتتحدث عن المسيحيين باعتبارهم أشخاصاً لهم حياتهم بكل تفاصيلها، وليس دورهم في الحياة أن يقولوا إننا مصريون ونحمل نفس الهم، ففي فيلم "الراهبة" 1965، مثلاً نجد هند رستم تجسد شخصية فتاة تقوم بتقديم فقرات استعراضية في الملاهي، وحتى تنسى مأساة حبها تتجه للرهبنة.

أما فيلم "بحب السيما" الذي ظهر في عام 2004، فيمكن اعتباره أنه ثقب في الجدار، فالفيلم الذي أنتجه هاني جرجس فوزي، ابتعد عن أي صورة تجميلية، واختار أن يكون أبطاله أفراد أسرة مسيحية بالكامل تعاني من رب أسرة متشدد، يمنع ابنه من مشاهدة الأفلام لأنها حرام من وجهة نظره، ويرى الجنس خطيئة، لكنه يغير رأيه في النهاية حين يقبل على الموت، وهي الأسباب التي دعت إلى معارضة الفيلم حتى من قبل الكنيسة التي اعتبرت ذلك هجوماً على العقيدة المسيحية، رغم أن عظمة "بحب السيما" من وجهة نظري أنه تحدث عن المسيحيين كأناس من لحم ودم دون أن يكون هناك مسلمون في العمل الفني.

محاولة فيلم "بحب السيما" فتحت المجال أمام تغيير التوظيف الفني للمسيحيين في السينما والدراما، وظهرت مسلسلات وأفلام تناقش مشاكل حقيقية، مثل "واحد صحيح" وإشكالية هاني سلامة في حبه لفتاة مسيحية وما انتهى إليه هذا الحب، أيضاً ظهر فيلم "لا مؤاخذة" ليناقش الاضطهاد المستتر للمسيحيين.

 الحقيقة أن "نظير جيد" - اسم البابا شنودة الثالث الحقيقي- شخصية فنية بامتياز، فهو الدارس للتاريخ الإسلامي، المُحب للشعر والكاتب والزعيم السياسي والديني، وأول "بابا" يتم عزله في صدامه الشهير مع السادات عام 1981.

مسلسل "بابا العرب" هو "أول مسلسل كنسي" في مصر، صاحبة التاريخ السينمائي والدرامي الطويل، ما يعني أن المصريين أخيراً سيرون رمزاً دينياً مسيحياً على الشاشة له آراؤه ومعاركه، بلا تكرار توظيفه كرمز ديني يظهر مع الشيخ ليقولا: مصر للجميع!

في ظلّ تلك المعركة يأتي مسلسل "بابا العرب" كتدشين لمرحلة جديدة في التوظيف الفني للمسيحيين، فبالرغم من أن الأعمال الفنية التي تناولت رموزاً إسلامية أكثر من أن تحصى، بدءاً من صحابة النبي مثل "عمرو بن العاص" ومروراً بقضاة الإسلام وحتى الشيخ "الشعرواي"، فإن مسلسل "بابا العرب" هو "أول مسلسل كنسي" في مصر، صاحبة التاريخ السينمائي والدرامي الطويل، ما يعني أن المصريين أخيراً سيرون رمزاً دينياً مسيحياً على الشاشة له مشاكله وآراؤه ومعاركه، بلا تكرار توظيفه كرمز ديني يظهر مع الشيخ ليقولا: مصر للجميع!

تلك الخطوة التي بدأت من الكنيسة المصرية ودير الأنبا بيشوي، وقابلها غضب من بعض المسيحين ربما لأنهم يرون أن أبناء الكنيسة أولى بتلك الأموال، لكن للأسف إن لم تبدأ الخطوة من الكنيسة فلن يكون هناك بداية على الأقل لسنوات مقبلة، ورغم يقيني أن المسلسل سيأتي بصورة "تلميعية" للبابا شنودة الثالث، كعادة الأعمال الدينية المسلمة، لكن ما يجب أن نلتفت إليه في النهاية أن هذا العمل بداية لطريق جديد ربما يكسر جمود العقود الماضية، ولكيلا يجعل المسيحين مجرد هامش في الصورة الفنية.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard