"الأربعون" أو الفتية الذين آمنوا بربهم... كيف أصبح مغاربة أولياء في مصر؟

السبت 9 نوفمبر 201906:19 م

يقدّس المصريون أضرحة ومقامات أولياء الله لنيل كراماتهم ويتخذونهم وسيلة للتقرب إلى الله. وللأولياء غير المصريين مكانة كبيرة في مصر، خاصة إنْ جاؤوا من المغرب.

تنتشر في مدن ومحافظات مصر مقامات وأضرحة تُعرف بمقام أو ضريح "سيدي الأربعين"، وأشهرها ذلك الموجود في السويس، المدينة المطلة على البحر الأحمر والتي كانت قديماً بوابة عبور للقادمين من المغرب وأوروبا إلى مكة لأداء شعائر الحج.

يتناقل رواد مسجد "سيدي الأربعين" في السويس روايات تتحدث عن أن "سيدي الأربعين" هو رجل صالح جاء من المغرب للحج ومات في السويس. ولكن شيخ الطريقة السمانية الصوفية سيّد مندور يحكي لرصيف22 رواية أخرى مفادها أن هذا الاسم مشتق من 40 فرداً صالحاً جاؤوا من المغرب للحج، وماتوا جميعاً في موقع الضريح الحالي في السويس ودفنوا هناك.

شخص أم مجموعة؟

تحتوي كل محافظة في مصر على مقام أو أكثر يحمل اسم "الأربعين"، وهي غير مرتبطة بشخص واحد، حسب الباحث في الصوفية مصطفى زايد الذي يشير إلى وجود مقامات باسم محمد الأربعين وأحمد الأربعين، وكلها تُنسَب إلى الأربعين الصالحين الذين جاؤوا من المغرب.

عن انتشار هذه المقامات في مدن ومحافظات يُستبعد مرور قوافل حج منها، يقدّر رئيس الطريقة السمانية أنها "مقامات رؤية"، غير مدفون فيها جسد، إذ "ربما رآهم شخص في المنام وبنى لهم مقاماً".

بخصوص المقام القائم في السويس، ينفي زايد وجود دلائل ترجّح إحدى الروايات على الأخرى، فهو إما مقام عبد الله الأربعين، أو مقام 40 شخصاً، وربما كان عبد الله الأربعين آخر مَن ماتوا من الأربعين شخصاً، ولذلك كان أكثرهم شهرة.

مقام عبد الله الأربعين

كل عام، في العاشر من شهر شعبان، يحتفل أهل السويس والمدن الساحلية وسكان المحافظات المحيطة بصاحب الضريح، ولكن سيرته ليست شهيرة جداً.

عام 2001، بدأت وزارة الأوقاف عملية تجهيز لمسجد الأربعين في السويس، وشارك الدكتور كمال البربري، وكيل وزارة الأوقاف السابق في المحافظة، أفراد المجموعة التي عملت على ترميم وتجديد المسجد.

كان من ضمن تلك التجهيزات نقل الجثث من مقبرة إلى أخرى، داخل نطاق المسجد، ووضع الجثث في مقام وسط المسجد، وتم الكشف عن أن عددهم أكثر من واحد وفيهم الكبير والصغير، حسبما قال البربري لرصيف22.

يتمسك البربري برواية أنهم 40 فرداً، ويعتقد أنهم ماتوا في السويس بسبب وباء انتشر في ذلك الوقت، وعقب ذلك احتار الناس في أسمائهم وأخبارهم، وما كان معروفاً عنهم إلا رحلتهم للحج فدفنوهم في مكان إقامتهم، وبعد اختلاف الناس في أمرهم أطلقوا عليهم اسم "عبد الله"، أي أن اسم شخص واحد يصف 40 فرداً.

خلال عملية النقل، لم تحدث اختبارات لتحليل الجثث والتعرف على تاريخ دفنها التقريبي، ما دفع البعض إلى نسبها إلى الحقبة الرومانية، إلا أن البربري يؤكد أن المجموعة المسؤولة عن النقل اكتفت بالملاحظة البصرية، ويعتقد أن تاريخ الدفن لا يزيد عن 400 عام.

"فتية آمنوا بربهم"

يشبّه سيد مندور "الأربعين" بأصحاب الكهف الذي ذكروا في سورة "الكهف" القرآنية، فهم مجموعة رجال صالحين، ماتوا خلال رحلتهم للحج، مستشهداً بآية من سورة الكهف: {ابنوا عليهم بنياناً ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجداً}.

ويردّ زايد سبب قدسية مقامات أولياء كثر إلى وجود جسد مدفون غير متحلل، إذ يذكر أن كل جسد يوجد وهو غير متحلل يعتقد أنه لولي من أولياء الله، "فالمتوارث أن الأرض لا تأكل أجساد الأولياء".

ويذكر الباحث في الشأن الصوفي قصة لا يمكن التحقق منها عن عثور مواطنين داخل مدينة الخانكة في محافظة القليوبية، على جثة لم تتحلل بعد، أثناء عملية حفر، ويقول إنهم أطلقوا عليه اسم "الأربعين"، وبنوا له مقاماً، ونسبوه إلى المجموعة التي ماتت خلال رحلتها لزيارة الرسول.

وسيط للوصول إلى الإله

فكرة انتشار مقامات الأولياء تم توارثها من المصريين القدماء. يقول أستاذ الأدب الشعبي سميح شعلان لرصيف22 إن "المصريين دائماً يرون ضرورة البحث عن وسيط للوصول إلى الإله، وهذا ما يعكسه وجود ضريح شهير في كل محافظة".

"المصري لا يثق بأن قدراته الخاصة توصله إلى الله، ويشعر بالحاجة إلى وسيط جيّد، ففي الفكر الجمعي لا يستطيع مواطن عادي الوصول إلى عمدة القرية دون وسيط، لذا يرافقه شخص له علاقة جيدة بالعمدة ليكسر الرهبة، ودور الولي مشابه لذلك إذ يوصل المؤمن بالله"
ظهرت عند المصريين القدماء فكرة الولي الذي يمثل الآلهة المحلية التي يلجأ إليها الناس لتوصيل رغباتهم إلى إله الدولة الرسمي، سواء رع في الدولة القديمة أو آمون في الدولة الحديثة، وتطور الأمر مع دخول الإسلام إلى أضرحة الأولياء

وظهرت عند المصريين القدماء فكرة الولي الذي يمثل الآلهة المحلية التي يلجأ إليها الناس لتوصيل رغباتهم إلى إله الدولة الرسمي، سواء رع في الدولة القديمة أو آمون في الدولة الحديثة، وتطور الأمر مع دخول الإسلام إلى أضرحة الأولياء.

ويفسر شعلان ذلك بأن المصري لا يثق بأن قدراته الخاصة توصله إلى الله، ويشعر بالحاجة إلى "وسيط جيّد"، وكثر من المجتمعات تميل إلى ذلك، ويفسر الظاهرة بأنها نتيجة الخوف من الحاجز، ففي الفكر الجمعي لا يستطيع مواطن عادي الوصول إلى عمدة القرية بشكل مباشر دون وسيط، لذا يرافقه شخص له علاقة جيدة بالعمدة ليكسر حاجز الخوف والرهبة، ودور الولي مشابه لذلك إذ يوصل المؤمن بالرسول والرسول يصله بالله.

تنوع الروايات التي قيلت عن "الأربعين" يفسره شعلان بأنها كلها شفهية ولم توثَّق، وحينما تنتقل من شخص إلى آخر تزيد وتنقص حسب هوى ورغبة الراوي الذي يطوّعها حسب احتياجاته ويعيد صياغتها حتى يتم قبولها.

ويضيف شعلان لرصيف22: "الأربعين ليسوا مثل بعضهم في القدرات والكرامات لذلك حصر البعض الرواية الشعبية في شخص واحد يملك الكرامات وهذه الرواية وجدت ميلاً أكبر لدى العموم".

"الشيخ البعيد سره باتع"

يقول شعلان إنه بحسب الموروث الشعبي فإن الشيخ البعيد "سره باتع"، أي عميق، وله قوة أكثر من الشيخ القريب، ففي مخيلة الوعي الجمعي الشعبي، عبد الله الأربعين جاء من المغرب وقطع كل هذه المسافات الطويلة قاصداً تحقيق مشيئة الله.

للرقم أربعين دلالات في الفكر الشعبي. يذكر الكاتب أحمد أمين، في كتابه "العادات والتقاليد والتعابير في الثقافة المصرية"، أن هناك "اعتقاداً بأن روح الميت تبقى بجوار الجثة وهي في البيت قبل الدفن لا تفارقها، ولا يصح إدخال السمك ولا الفاكهة في بيت الحزن إلا بعد الأربعين".

وذكر أن "كل جمعة يذهب أهل الميت إلى مقبرته ومعهم الخوص والفاكهة والفطير أو الشريك وهكذا إلى يوم الأربعين".

ويرتبط الرقم أربعين بمعتقدات شعبية كثيرة. يروي أمين "أن مَن أراد أن تخدمه الجن فإنه يصوم أربعين يوماً في خلوة لا يأكل إلا خبز الشعير والزبيب الأسود، ولا يأكل إلا كل أربع وعشرين ساعة، ثم يتلو العزائم ويستحضر بها الخادم الأول عبد أسود في يده حجر أحمر، وعزيمته يا بنوح دردموخ أجيبوا بحق سمعاط وشموع برهوت برهين أسحيم. وتقرأ ألف مرة وكذلك بقية الخدام الأربعين".

وفي الأمثال الشعبية ذكر رقم أربعين متأصل، فيقول أحدهم إذا شاهد شخصاً يشبه آخر يعرفه "يخلق من الشبه أربعين"، وهنالك قصة "على بابا والأربعين حرامياً".

وعن شيوع عدد كبير من الأضرحة باسم "سيدي الأربعين" في أرياف ومدن مصر، يقول الكاتب جمال الغيطاني، في كتابه "منتهى الطلب إلى تراث العرب": "معظم هذه الأضرحة مجرد نُصب رمزية خالية، نصب رمزية لشيء أعمق وأكبر يستقر في وجدان الشعب المصري، متصل بمكانة أوزوريس الفرعون، أو الحسين في عصرنا الإسلامي".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard