قصة تحرر شقيقتيَّ من قمعي… تسقط الذكورية والديكتاتورية وأنا

الخميس 31 أكتوبر 201906:11 م

القصّة لا تختلف كثيراً عن يوميات الذكور في بيوتنا العربية، ما الذي يجمع عادةً بين أخ وأخته في منزل واحد؟ سوف أجيب: "التسلّط".

كنت أحدث نفسي عدة مرات، كي أقتنع أنا أولاً بضرورة فرض سلطتي على أختيّ، التوأم هبة وآلاء، بداية من النخوة والغيرة، وصولاً إلى الرغبة في "اصطحابهما إلى الجنة"، كانت أسبابي متعددة للقيام بواجبي داخل الأسرة -أو ما اعتقدت أنه واجبي- إذ أقوم بتحديد مواعيد نزولهما وعودتهما إلى المنزل، وماذا يجب أن تفعلا بين هذا وذاك، كذلك أتأكد من صحبتهما خارج جدران منزلي وزنزانتهما، وبطبيعة الحال ما هو الزي اللائق الذي سوف ترتديانه، عادات شبه يومية أقوم بها ولم أمعن النظر في تأثيرها عليهما أو على علاقتي بهما.

وبعد كل تلك السنوات والتغيرات، أجد نفسي أتصفح مواقع الأخبار لمتابعة مستجدات قضية قتل إسراء غريب على يد أفراد أسرتها، وأفكّر كثيراً بإخوتها الذكور، وبخوف أني ربما كنت لأصبح مثلهم… وإن لم أصبح مثلهم، لكني كنت سأواصل قمع شقيقتيّ بدافع "النخوة والغيرة".

عدة خطوات سبقت المساواة التي أؤمن بها الآن بيني وبينهما، خطوات طردت الكثير من أفكار التسلط ورحبت بأفكار جديدة من التسامح والمعرفة، سأقول إن الخطوة الأولى لا بد وأن تكون ثورة 25 يناير، حينها وبعد أن قمنا بخلع حسني مبارك قمت بدوري بالتمهيد لثورة أخرى لخلع ديكتاتور آخر يعيش داخل عقلي، فمع كل تلك المفاهيم المستجدة بالنسبة لي، لم أجد حرجاً في السير عكس أي طريق سبق وبدأت فيه،.

في الثورة كنت أبلغ من العمر 21 عاماً ولا أفقه الكثير مما يقوله السياسيون والثوار، لم أكن أعرف عن المساواة إلا أنها فرصة العيش الكريمة المتكافئة بين الغني والفقير والأبيض والأسمر، ولكن بعد ترتيب المفاهيم الجديدة التي استقبلتها، من عدالة اجتماعية تخص الفقراء ورفض للتنمر والعنصرية يخص ذوي البشرة الداكنة، وجدتني أبحث عن صاحب أكثر احتياج لتلك المساواة، وبنظرة سريعة حولي، رأيت فتيات يشاركوننا التظاهر والركض بعد فض التظاهر، والاجتماعات والتوعية وفعاليات الشارع، عرفت أنهن الأنسب لتخصيص مطالب المساواة لهن في الوقت الحالي على الأقل.

يومياً كنت أعود إلى المنزل قادماً من ندوة تتحدث عن الحرية أو مسيرة تنادي بالمساواة والكرامة، ولم أفطن باكراً إلى أنني أعيش بشخصيتين، ثائر خارج المنزل وطاغية داخله، أحكم شعباً من فردين لم ألتفت إلى مطالبه يوماً، شقيقتيَّ "هبة وآلاء".

يومياً كنت أعود إلى المنزل قادماً من ندوة تتحدث عن الحرية أو مسيرة تنادي بالمساواة والكرامة، ولم أفطن باكراً إلى أنني أعيش بشخصيتين، ثائر خارج المنزل وطاغية داخله، أحكم شعباً من فردين لم ألتفت إلى مطالبه يوماً، شقيقتيَّ.
أصبحت الأخ الذي تعرفان أنه يستطيع استيعاب أي شيء تريدان قصه عليّ ومناقشتي فيه، فكانتا تأتيان إلي بالأخبار طوعاً، وهكذا سقط داخل أروقة عقلي، مبارك والدين والديكتاتور أنا، وأصبحنا ثلاثتنا أحراراً، أنا وشقيقتيّ.

في الحديث عن تاريخ شخصي هام، تحديداً في فترة الدراسة الثانوية، أستعيد كثيراً جملة قالتها لي والدتي، كانت على وشك تغيير الكثير من أفكاري وقلب نظام الحكم داخل منزلي، في تلك الفترة كان أبي هو "الشرطي السيء" الذي نخاف منه طوال الوقت، ولعبت والدتي دور الشرطي الجيد الذي يعقد معنا الصفقات، معظمها تتلخص في مشاهدة التلفاز مقابل المذاكرة بجد، إلا أنها كانت شرطية فاسدة أيضاً، ولكنه الفساد الرقيق العطوف، إذ قررت اقتطاع جزء من الوقت المخصص للدراسة وضمه إلى وقت التلفاز لنستمتع أكثر، وعندما سألتها عن ذلك قالت: "حياة الناس قصيرة يا ولاد، وأنا أخاف أسرق منكم حياتكم وماتعيشوهاش"، ربما أخطأت في تقليل وقت الدراسة ولكنها أصابت بلا شك في تلك الجملة التي لا أستطيع نسيانها أبداً، أتذكرها وأنا أُدير مجموعتي في العمل، وبالطبع تذكرتها وأنا أنظر إلى شقيقتيّ اللتين سرقت من حياتيهما بضع سنوات.

وهكذا أصبحت أستعيد تلك الجملة في كل مرة لاح لي شبح التسلّط، كنت أقول لنفسي إنني مازلت أتعلم تلك المفاهيم الثورية، وأنني أثناء ذلك لن أسرق من عمر هبة وآلاء المزيد، لذا سوف أطبق ما تعلمته حالاً، هما حرتان مثلي تماماً… تدرسان ثم ستعملان، وكما أقوم بشراء مستلزمات المنزل فهما تؤديان دوريهما داخل المنزل في أعمال الترتيب مثلاً، فما المانع أن تصبحا جمهوريتين مستقلتين عن مملكتي؟ ثم بعد ذلك بدأت تتلاشى من عقلي القيم الدينية الهدامة التي تضيّع كل مكتسبات المرأة في الحرية -من وجهة نظري-، فخلعت هذا الرداء وألقيته بجانب رداء الديكتاتور، واتبعت رسولاً جديداً، قد تكون والدتي هي رسولنا وجملتها القصيرة هي الرسالة بأكملها، أو ربما شقيقتاي لعبتا هذا الدور دون دراية منهما.

كيف أشعر الآن؟

في المقام الأول أشعر بالحرية، في الحقيقة بت أعتقد أن السجان لا يشعر بالحرية إلّا بانتهاء عقوبة المسجونين أنفسهم، الآن لا يستوجب عليّ لعب دور الشرطة والمخابرات والقضاء في علاقتي مع شقيقتيَّ، وإنما أصبحت الأخ الكبير الذي تعرفان أنه يمتلك من سعة الصدر الكثير، ويستطيع استيعاب أي شيء تريدان قصه عليّ ومناقشتي فيه، فكانتا تأتيان إلي بالأخبار طوعاً، وهكذا سقط داخل أروقة عقلي، مبارك والدين والديكتاتور أنا، وأصبحنا ثلاثتنا أحراراً، أنا وهبة وآلاء.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard