"من المعيب بقائي في المنزل"... ثائرات العراق يملأن ساحات التظاهر

الخميس 31 أكتوبر 201902:46 م

بالقرب من جسر الجمهورية الرابط بين ساحة التحرير حيث نَصب جواد سليم والمنطقة الخضراء التي تضم مقارَّ حكومية وبعثات دبلوماسية، وقفت زينب محمد ومعها فتيات أخريات وهنّ يحملن الأدوية وعبوات البيبسي لمساعدة المتظاهرين الذين يتعرّضون لإصابات أو يعانون من ضيق في التنفس بسبب استنشاق الغاز المسيل للدموع.

لا تقف زينب (22 عاماً) في منطقة آمنة. على العكس. تقف في منطقة يحتدم فيها الصدام بين قوات مكافحة الشغب والمحتجين، وتبقى في الساحة الشهيرة منذ الصباح حتى الليل للمشاركة في الانتفاضة الشعبية.

زينب محمد (الأولى على اليمين) مع مجموعة متظاهرات

تقول لرصيف22: "هذه أول مرة أشارك في التظاهرات. كانت لدي رغبة كبيرة في أوقات سابقة، لكن ظروفاً خاصة منعتني. لكنّي الآن خرجت للمشاركة مع بقية العراقيين لأنني تعبت من أوضاعنا السيئة. كل ما أريده هو وطن نشعر فيه بأمان".

تريد الشابة العزباء المشاركة في تغيير الأوضاع في العراق نحو مستقبل أفضل "لي ولأطفالي المستقبليين"، وتضيف: "لا أريدهم أن يروا ما رأيناه من أوضاع صعبة وحروب ومشاكل ومعاناة".

زينب هي واحدة من آلاف العراقيات اللواتي يشاركن في الحراك الاحتجاجي الذي تشهده البلاد منذ الأول من تشرين الأول/ أكتوبر. للمرة الأولى تكون مشاركة النساء بهذا الحجم الكبير. ففي التظاهرات السابقة كانت مشاركتهنّ تقتصر على حضور النخب منهنّ أو فقط اللواتي ينشطن في منظمات المجتمع المدني.

ملاك جاسم (19 عاماً) أيضاً تشارك للمرة الأولى في حراك احتجاجي. كان والدها يرفض أن تنزل إلى الشوارع في أوقات سابقة. هذه المرة قررت ألا تخبره. تقول لرصيف22: "رأسي مرفوع بين إخوتي المتظاهرين، هذه ثورة سيسجلها التاريخ وسيسجل أن النساء وقفن إلى جانب الرجال في هذه المرحلة الصعبة".

تحث ملاك العراقيات على مشاركة أوسع في الحراك. تعتقد بأن الدعاء للمتظاهرين غير كافٍ، لأن ظرف المحتجين يزداد صعوبة كل يوم. "نحن نقترب من الموت أكثر بسبب العنف ضدنا"، تقول وتضيف: "في التاسع والعشرين من هذا الشهر وعندما كانت قوات مكافحة الشغب تطلق الغاز المسيل للدموع، كدت أن أصاب برأسي لولا لطف الله".

ملاك جاسم

تعتبر الشابة العراقية أن "المشاركة النسائية كبيرة، والمرأة العراقية في هذه الثورة كانت محاربة في الخطوط الأمامية وقائدة تطلق الهتافات وسط الدخان ومنقذة ومسعفة، وكانت جزءاً كبيراً من صوت هذه الثورة".

وتتابع: "رفعنا شعارات كثيرة منها ‘صوت المرأة يفجر ثورة’ و’نريد وطناً’ و’نازل آخذ حقي'، و’أموت شهيد ولا أعيش مذلول’".

طالبت ملاك ومَن معها بإسقاط النظام السياسي الحالي. يعتقدن أن بقاءه يعني سجناً للعراقيين. لا ترغب الفتاة التي لم تصل إلى ربيعها العشريني الحديث في السياسة أكثر من حديثها عن مشاهد ساحة التحرير. تقول إنها "فخورة" بما يحدث هناك من تعاون بين النساء والرجال.

"أتظاهر لأنني بحاجة إلى وطن أكوّن فيه عائلة، وطن لا أُظلم فيه أنا وأطفالي. أريد وطناً تعود إليه شقيقاتي من الغربة لنعيش سوية دون خوف أو قلق. أتظاهر لأنني أرى معيباً بقائي في المنزل بينما إخوتي الشباب في التظاهرات"... العراقيات يملأن ساحات التظاهر
تشارك الشابة العراقية ملاك للمرة الأولى في حراك احتجاجي. كان والدها يرفض أن تنزل إلى الشوارع في أوقات سابقة. هذه المرة قررت ألا تخبره. تقول: "هذه ثورة سيسجلها التاريخ وسيسجل أن النساء وقفن إلى جانب الرجال في هذه المرحلة الصعبة"

تعلّق: "لا توجد كلمات تصف شجاعة الشباب وخوفهم علينا، كل يوم أدخل إلى ساحة التحرير وأسمع هتافات تشيد بدورنا في إسعاف الشباب. كثيرون من الشباب صاروا أصدقاء لي ومثل إخوتي. كنت أسعف المتعرّضين لقنابل الدخان المسيلة للدموع في الخطوط الأمامية".

بدورها، تسعى مآب (31 عاماً) إلى حث النساء على المشاركة أكثر في التظاهرات لدعم المتظاهرين ورفع معنوياتهم. ما يحدث، برأيها، "لا يتعلق بفئة محددة، بل هو حراك لكل العراقيين الذين يريدون حياة كريمة".

مآب

الشابة التي تعمل مصورة فوتوغرافية كان دورها بالإضافة إلى التصوير ونقل الأحداث، إسعاف المرضى، وهي "فخورة بذلك". تقول لرصيف22: "شاركت في التظاهرات لأنه لا بد من تواجد العنصر النسائي دعماً للمتظاهرين. كلنا أصحاب قضية واحدة. التظاهرات سلمية من جانب المتظاهرين تماماً، أما من جانب قوى مكافحة الشغب فهي ليست سلمية إطلاقاً ويردون علينا بالعنف".

وتضيف: "هذه المرة الثانية التي أشارك فيها بالتظاهرات. المشاركة النسائية جاءت بنتيجة إيجابية مع الشباب مما ساعد على رفع معنويات باقي الشعب للخروج للتظاهر في ساحة التحرير".

تتحدث رؤى حامد (25 عاماً) عن مشاهد من "الخيال" في ساحة التحرير، وفقاً لتعبيرها. تشيد بالشباب العراقيين و"رجولتهم" في التعامل مع المتظاهرات وحمايتهن.

تقول لرصيف22: "أتظاهر لأنني بحاجة إلى وطن أكوّن فيه عائلة، وطن لا أُظلم فيه أنا وأطفالي. أريد وطناً تعود إليه شقيقاتي من الغربة لنعيش سوية دون خوف أو قلق"، وتضيف: "أشارك في التظاهرات لأنني أرى أنه من المعيب بقائي في المنزل بينما إخوتي الشباب في التظاهرات".

تتحدث عن عنف قوات مكافحة الشغب ضد المتظاهرات وتقول: "هذه القوة استخدمت العنف ضدنا بشكل كبير. نحن في الخطوط الأمامية وتضررنا كثيراً. رغم ذلك، أنا سعيدة وفخورة بما أراه وما أقوم به".

لم تقتصر المشاركة على النساء والفتيات اللواتي يعشن داخل العراق فقط، فرند الدخيل عادت من تركيا منذ الأول من تشرين الأول/ أكتوبر لتشارك في المطالبة بحقوقها. تقول لرصيف22: "خرجت أطالب بحقي وحق الخريجين وأطالب بحق الشهداء".

رند الدخيل

تروي رند أن "قوات مكافحة الشغب أعطتنا الأمان بالتقدم إلى الأمام لإسعاف الجرحى وتنظيف الساحة، لكنها اعتدت علينا فجأة. لم نتراجع ولم نخف. استمرينا في العمل من الصباح حتى الليل".

وتضيف: "رفعنا شعارات نبحث من خلالها عن حياة كريمة، ووطن آمن".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard