للمرة الأولى في حياتي... وعدتُ خالتي بأن أزور العراق

الأربعاء 30 أكتوبر 201903:18 م

علاقتي بالعراق معقّدة، فعلى هذا الجانب أنا نصف عراقي من ناحية أمي، وعلى الجانب الآخر لم أرَ العراق في حياتي، سوى في حكايات أمي وعلى شاشات التلفاز، وفي الروايات والأغنيات الحزينة. واليوم #العراق_ينتفض فأحسّ بمشاعر غريبة متناقضة، بسبب قصتي الطويلة والمعقّدة مع العراق.

منذ طفولتي كان العراق دائم الحضور في بيتنا، لهجة أمي المحببة وسيرتها كمناضلة شيوعية، حكايات عائلتها التي لم تجتمع بها أمي مذ غادرت البلاد سنة 1979، هرباً من إعدامات صدام حسين والتي راح ضحيتها خالي -شقيق أمي- في سنة 1980، أغنيات فؤاد سالم وياس خضر وناظم الغزالي وفرقة الإنشاد، قصائد مظفر النواب، ورحلات الحزب الشيوعي العراقي في سوريا.


يُقال إن في كل عائلة عراقية مأساة، إذ لا يخلو بيت عراقي من فَقْد، وفي عائلتنا فَقْد كبير. تنحدر أمي من مدينة كربلاء، إحدى عواصم المسلمين الشيعة، ولدت وترعرعت في تلك المدينة، ومازال بيت عائلتها هناك. أختها -خالتي- تعيش في كربلاء مع عائلتها، كربلاء التي تنتفض اليوم في وجه الظلم والفساد والطائفية.

غادرت أمي، العربية الشيعية، العراق والتقت بأبي، السوري الكردي السني، في واحدة من دول الاتحاد السوفيتي. تزوجا. أنجبا أطفالاً. عادا إلى سوريا وعاشا فيها. قتل رجال المجرم صدّام حسين أخاها ومن ثم مات أبوها -جدّي- قهراً على ابنته الهاربة وابنه الذي أُعدم. لم تضع أمي الورود على قبر أبيها وأخيها.

يُقال إن في كل عائلة عراقية مأساة، إذ لا يخلو بيت عراقي من فَقْد، وفي عائلتنا فَقْد كبير

انقطع الاتصال بينها وبين العائلة خوفاً. لم تكن وسائل التواصل الاجتماعي موجودة في الثمانينيات والتسعينيات. لم تعرف أمي شيئاً عن أُختيها وعائلاتهن، واحدة تعيش في كربلاء والأخرى في بغداد. لم تعرف أمي شيئاً عن أمها حتى سنة 2002، حين زارت خالتي وزوجها بيتنا في الشام. التقت أمي بأحد أفراد عائلتها للمرة الأولى، وكان كثير من البكاء حاضراً، ومن ثم، وبعد سقوط نظام صدام حسين ودخول القوات الأمريكية للعراق، زارت أمي أهلها. زارت أمي العراق ورأت مدينتها للمرة الأولى بعد أربع وعشرين سنة. زارتها وبقيت فيها شهوراً طويلة، وأصدرت فيها مجلة أصداء الثقافية.

بعد سنتين، خلال انتخابات البرلمان العراقي سنة 2005، وخلال الصراع الدامي في العراق، قُتلت خالتي التي تعيش في بغداد، بصاروخ أحد الإرهابيين الذي فجر سيارة العائلة وهي متجهة نحو مركز الاقتراع. كان الهدف عرقلة أول انتخابات برلمانية عراقية حرة، وكانت خالتي وابنها من بين ضحايا ذلك اليوم. قُتلت خالتي وابنها على الفور، وأصيب باقي أفراد العائلة إصابات بليغة. ماتت جدتي بعد ذلك بسنة قهراً على أولادها وبلادها، جدتي التي نجت من قصف صدام الكيماوي وحملاته الإجرامية على الشيعة خلال فترة حكمه.

عرفتُ أفراد عائلة خالتي الكربلائية في فترات متقطعة، خالتي وزوجها أولاً سنة 2002، وبعد ست سنوات زارت خالتي وزوجها دمشق مجدداً مع ثلاثة من أولادها، وفي سنة 2012 تعرفت على رابع وخامس الأبناء في بيروت، أما باقي أفراد العائلة البغدادية، فعرفتهم عن طريق موقع فيسبوك.

مشاعري نحو العراق مختلطة معقّدة. أحب العراق وأحلم أن أزوره يوماً، لكنني أكره الفساد والطائفية والإرهابيين وحكام العراق. في هذه الأيام مع ثورة شباب العراقيين في وجه كل من شوّه اسم العراق أصبحت أحب العراق أكثر. وأنا أشاهد مقاطع الفيديو القادمة من هناك، وأنا أتابع أخبار العراق عن كثب، أحس بالعراقي الصغير في داخلي يفرح، أحس بنفسي أقرب إلى عائلتي العراقية أكثر من أي وقت مضى. للمرة الأولى في حياتي، وعدتُ خالتي منذ أيام قليلة بأن أزور العراق في أقرب فرصة ممكنة.

لم تعرف أمي شيئاً عن أمها حتى سنة 2002، حين زارت خالتي وزوجها بيتنا في الشام. التقت أمي بأحد أفراد عائلتها للمرة الأولى، وكان كثير من البكاء حاضراً، ومن ثم، وبعد سقوط نظام صدام حسين ودخول القوات الأمريكية للعراق، زارت أمي أهلها. 

شجاعة الشابات والشبان العراقيين النادرة، ووقوفهم في وجه الجبروت الإيراني وأذرعه العراقية، واصطفافهم في وجه زعماء الطوائف وميليشياتهم، يبشرنا بمستقبل مختلف عما عرفناه عن عراق الحروب والدكتاتورية والموت والأسى والفساد والسرقة. 

اليوم وبعد أن حدث ما حدث في العراق، فإن قيام ثورة مدنية تنادي بالعلمانية ونبذ الطائفية وطرد الفاسدين يشبه المعجزة. ففي بغداد التي كادت داعش أن تسيطر عليها منذ سنوات قليلة، تخرج مظاهرات بمئات الآلاف تنادي بصوت واحدة: "هذا وعد.. هذا وعد، بغداد ما تسكت بعد/ سنة وشيعة هذا الوطن ما نبيعه". في العراق الذي شهد في سنوات 2005 - 2009 أعنف العمليات الانتحارية، والتي كانت تتم على أساس طائفي، يخرج شبانها الشجعان في كربلاء، معقل الشيعة، ويهتفون: "لا سنية ولا شيعية بدنا دولة علمانية"... والله إن هذه لمعجزة!

شجاعة الشابات والشبان العراقيين النادرة، ووقوفهم في وجه الجبروت الإيراني وأذرعه العراقية، واصطفافهم في وجه زعماء الطوائف وميليشياتهم، يبشرنا بمستقبل مختلف عما عرفناه عن عراق الحروب والدكتاتورية والموت والأسى والفساد والسرقة. هذه الثورة تبشرنا بعراق جديد، عراق حرّ ديمقراطي لا يخاف الظلم. حتى وإن لم تصل هذه الثورة إلى مبتغاها في المدى القصير، فإن ما زُرع في نفوس أحرار الساحات خلال الأيام الماضية لن يستطيع أي حاكم طمسه بعد الآن، مهما طغى وتجبّر. العراق اليوم ينبعث من جديد، عراق جديد لم نعرفه قبلاً، عراق حرٌّ وحرٌّ وحرُّ.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard