الحرب المتجمدة في مصر

الأربعاء 30 أكتوبر 201901:30 م
Read in English

فيما تظهر مصر في قاع بركان يفور، وإن كان خفياً، فإن آخر ما يطرأ على الذهن هو أن يكون كل شيء متجمداً! ولكن، هذا بالضبط هو حال الشأن المصري: حرب متجمدة. التفرُّع العنيف في الطريق السريع للوجود المصري منذ انقلاب يوليو 2013، بدأ عند نقطة شهدت فيها البلاد مذابح مختلفة الحجم والأثر، تتوجها المذبحة الأم في إراقة الدماء، "رابعة". مفترق الطرق هذا جمدنا جميعاً عند نقطة فوضوية على طريق الأزمة في منطقة الصراع.

عبد الفتاح السيسي مغرم بترداد أن تدخله المحسوب، هو والجيش، جنّب مصر حرباً أهلية. الرئيس، وأقولها بلا تحفظ، يكذب. لقد طها السيسي للمصريين وجبة في إناء مبطَّن بسم الزرنيخ. هل سمعت عن الحرب الباردة؟ مصر القائمة بالفعل هي نسخة من سحابة الفطر الشهيرة التي تتبع الانفجار النووي. لقد استحالت مصر إلى ثلاث أمم تبدو كأمة واحدة. لا تتحدث أي من تلك الامم إلى الأُخرى، تنظر كل منها إلى الأخرى نظرة متشككة، بينما يحوم فوق رؤوسها طمع في السيطرة والإخضاع يتجاهل الجميع الحديث عنه. دولة كاملة يرسم شعبها وأجهزتها لوحة تجسد تعبير "الهدوء الذي يسبق العاصفة" ويزيد من اضطرابها هذا الانقسام الثلاثي.

لدى بعض المحللين ميل طبيعي للحذر البالغ، النابع من الأطر السياسية التي تميل إلى التحفظ والحيطة. وعلى الرغم من أنهم حافظوا طويلاً على نظرتهم التي ترى أن مستقبل مصر لا يحمل أي جديد، إلا أن المحللين غيروا من نظرتهم تلك خلال الأسابيع الاخيرة. أحد هؤلاء، د. عز الدين فشير، قال: "الدكتاتورية في مصر تجلس على سحابة من الخوف، يرقد تحتها برميل من البارود". من هذه النقطة، يحتاج الوضع القائم إلى مزيد من الكشف والتحليل. الحاجة باتت ماسة إلى مسح جديد للموقف بعيداً عن معايير القياس التقليدية.

هنا يصبح الغوص في عين عاصفة "مصر المنقسمة إلى ثلاثة أمصار" ضرورة لا رفاهية. ورغم الفشل التام في تحويل التظاهر السلمي إلى سلاح مُهدِّد فإن نسمة الحرية التي استنشقها الناس في عدة محافظات في 20 أيلول/ سبتمبر المنقضي، وبخاصة في التظاهرة التاريخية في السويس الثائرة في 21 سبتمبر، ألقت بحجر في البركة الراكدة. "مصر السيسي تنهار" هو الهاشتاغ الأكثر رواجاً على الشبكات الاجتماعية لدى كتابة هذه السطور.

في العادة، يُنظَر إلى إرهاب الدولة والقمع والفشل الاقتصادي والحكم الذي يصُّم الآذان عن الناس وانهيار نظم الرعاية الصحية والتعليم، باعتبارها أسباب التململ العام الحالي. وقلما يذكر أحدٌ الانقسام الأهلي باعتباره سبباً لهذا الغضب المكتوم، بل ينظر إليه باعتباره عرضاً جانبياً لكل ذلك.

وكما تقضي المتلازمة التحليلية، فإن هذا الوضع تجتمع فيه الخطورة والضخامة.

في بعض العناصر، يمكننا أن نُرجع هذا الانقسام إلى ثلاث أمم إلى السنة الوحيدة التي حكم فيها محمد مرسي. عندما ألقى مرسي خطابه الأول في 24 حزيران/ يونيو 2012، حاد عن طريقه بشدة كي يشمل الجميع بكلمته، فقد خاطب المسلمين والمسيحيين على السواء، الرجال والنساء، العجائز والشباب، الأمهات والآباء، العمال والفلاحين.

الخطاب بدا وكأنه شامل لا يميز بين المصريين، وأنا أشدد هنا على "بدا". المسلمون قبل المسيحيين، الرجال قبل النساء، الكبار يقودون الطريق عوضاً عن الشباب، هذا الترتيب ليس لي، ولكنه ترتيب بالغ الدلالة. الأكثر إثارة للقلق، إنه كان بمثابة تنبؤ أو تمهيد لما ينتظر مصر في الأشهر التالية من تلك السنة الفارقة. خلال تلك الأشهر الأولى، حاول مرسي، منطقياً، أن يشكل تحالفات سياسية مع الجيش والقضاء اللذين عوَّل عليهما لحماية نطاق سيطرته.

هنالك رقصة مترنحة قاتلة بين "مِصرَيْن": مصر الإسلامية، ومصر المدنية... ولكن في خلفية المشهد تقف مصر ثالثة: مصر العسكرية
ليس هنالك مصر واحدة بل ثلاثة أمصار منعزلة بعضها عن بعض، وفاقدة الثقة في كل المفاهيم السياسية المستقرة، وغير قادرة على إدراك المسارات الإيدولوجية الحاكمة لوضع أمة بات الحوار فيها حلماً، بينما الإجماع الوطني محض سراب

ولكن، خلال هذه المحاولات، بات هناك أمران بالغي الجلاء: إن الدولة العميقة كانت تعمل ضده، وإن مرسي،  بسذاجة، كان يجذّف عكس التيار الذي صنعه بنفسه، عندما اتخذ مسلك الدكتاتورية الذي جعل البعض يلقبونه بفرعون القرن الحادي والعشرين.

عندما سقطت ندف الثلج الأولى في أوروبا والولايات المتحدة في بدايات كانون الأول/ ديسمبر من ذلك العام، أشرقت شمس القاهرة على السلطات المطلقة التي سعى إليها مرسي، وهذا ما أثار الاقتتال أمام القصر الرئاسي. كان هناك قتلى وجرحى، بينما انخرط مؤيدو مرسي ببلطجة في تعذيب معارضيه على أرض القصر الرئاسي، وتولَّد انقسام قبيح بين الإسلاميين من جهة، وتحالف فضفاض يضم العلمانيين والليبراليين على اختلاف أطيافهم من جهة أخرى، لتضم ذاكرة الأمة ذكرى قبيحة من تبادل الاتهامات وانعدام الثقة، صارت بعد ذلك منهجاً. ربما كانت الحجارة هي السلاح الذي اختاره المتشاحنون يومذاك، لكن هذه كانت مجرد بروفة أخيرة للقبح الآتي.

ولكن تسارع الأحداث واشتداد الاتهامات لحكم مرسي لـ"شعبه" قاد البعض للحكم على عهد مرسي بكونه يتسم بالجهل وانعدام الكفاءة والتطرف. كان التركيز على رقصة مترنحة قاتلة بين "مِصرَيْن": مصر الإسلامية، ومصر المدنية، مصطلحان نستخدمهما هنا فقط للتمييز اللغوي الموجز.

لكن مصر أخرى مشؤومة كانت تتلاعب بالجميع من وراء الستار: "مصر المتعسكرة". في النهاية، هذا المعسكر الثالث الذي يمكن أن نسمّي المنتمين إليه بـ"السيساويين" لالتصاقهم الذي لا يتزحزح بالسيسي، سيتمكن من الوصول لحكم المشهد كله، عندما تسلق السيسي نحو أعلى مراتب القيادة.

الرجال الذين تحكموا تاريخياً بأذرع السلطة وقواها المختلفة كانوا حاضرين لتحريك الغافلين كعرائس الماريونيت، وليّ عنق التاريخ المصري مرة أخرى ليتسق مع رغباتهم المكيافيلية. منذ عهد أول رئيس مصري معاصر "محمد نجيب" الذي أصر في 1954 على أن مكان الجيش هو الثكنات، ودفع ثمناً غالياً لإيمانه هذا، بتمضية حياته أسير جدران بيته. منذ ذلك الحين، فإن هؤلاء الممسكين بالسلطة يصرون على أن تظل مستقرة بين مخالب الجيش.

لا شيء تغير منذ عام 1954، خرج ناصر وبعد عقود جاء السيسي ليمثل مؤسسة مريضة بطمع الحكم. سواء كان المرء إسلامياً أم علمانياً، لا يتطلب الأمر درجة عالية من الذكاء لفهم أن حركة "تمرُّد" على عكس كل ما بدت عليه، لم تكن يوماً نتاجاً طبيعياً للغضب الشعبي، وإنما كانت أداة في يد الرجال أصحاب البنادق، وذراع الدولة العميقة للوصول إلى أعماق المجتمع. بعد 6 أسابيع فقط من الانقلاب، تعاظم الشك: هل خلق الجيش ضغطاً من الشارع عبر تمرد حتى يصل إلى مبتغاه؟ البعض توصل لاحقاً إلى دلائل على أن تمويل تمرد ومده بالدعم اللوجيستي جاءا من الدولة العميقة وحلفائها في الخليج.

المضحك أن الجهة التي داومت على الصراخ ضد تدخلات "الأيدي الخفية" في الشؤون الداخلية المصرية، هي التي طوَّعت الأيدي الخفية لكي تخلخل الاستقرار وتنتهي إلى إطاحة رئيس الدولة. لا يعني هذا أن الكراهية ضد مرسي وخلفه الإخوان المسلمين كانت بلا أسس حقيقية، بل كانت هناك أسباب واقعية. ولكن لن نحيد عن الإنصاف إذا رأينا أن تلك القوى نفخت في النيران المشتعلة بالفعل، ووقفت تنتظر حصد الثمار.

في 3 تموز/ يوليو 2013، مع إطاحة مرسي من قصر الرئاسة، صارت أمة واحدة ثلاث أمم. وبالتدريج، ومع تتالي المذابح، هؤلاء من الذين لم يتمكنوا من الانخراط في تبرير إراقة الدماء المصرية في سبيل وهم الاستقرار، عزلوا أنفسهم عن هؤلاء الذين خلطوا عن عمد أو خطأ بين الجوع للسلطة وفرض العسكريين للهدوء.

من هنا، صار لدينا معسكر من القوميين المتشددين الذين وقفوا بحسم مع السيسي. وتحديداً بعد مذبحة رابعة. تشكلت مجموعة ممن ينتمون إلى التيارات التقدمية الليبرالية، كانت المذبحة هي نقطة الفراق التام بينهم وبين الكتلتين الأخريين، كتلة الإخوان المسلمين الذين تظاهرت تلك المجموعة ضدهم، وكتلة العسكريين الذين لا تزال تلك المجموعة ترفضهم إلى اليوم. وأخيراً، وبوضوح فإن المعسكر المصري الثالث يجمع كل الذين يميلون للإسلام السياسي، وبينهم وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين.

تلك الأمصار الثلاثة، كما يمكننا أن ندعو تلك الحالة من التشظِّي، تبقى منعزلة بعضها عن بعض، وفاقدة الثقة في كل المفاهيم السياسية المستقرة، وغير قادرة على إدراك المسارات الإيدولوجية الحاكمة لوضع أمة بات الحوار فيها حلماً، بينما الإجماع الوطني محض سراب.

كي نفهم كيف تتهدد تلك الحرب المتجمدة مستقبل مصر، فإن حوارنا لا بد أن يمتد. بعض النقاشات لا يمكن تعجله. وفي هذه المسألة لا يوجد طرف بريء.

نلتقي الأسبوع المقبل لتكملة حوارنا…

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard