"الدولة تخلّت عنّا والنّاس تحبنا"... شاعرية النقش على النّحاس في الجزائر

الثلاثاء 29 أكتوبر 201905:42 م

في حي "رويسو" الشعبي، وسط مدينة الجزائر العاصمة، بين المباني العتيقة التي تعود بعضها إلى الحقبة العثمانية، تنتشر المحلات المختصة ببيع الأثاث القديم، وجدنا المنطقة تعجّ بالمارة، وأصوات مقارع النحاس والخشب تلاعب الآذان، وعند مدخل أحد المحال برزت زهريات كبيرة ذات لون أصفر ساطع، بعضها تعرّض للخدش، وأخرى سقطت أجزاء منها.

استقبلنا رجل أتى الشيب على كامل شعره ولحيته، وكأنه خارج من صفحة كتاب تاريخ، يداه وملابسه مزينتان بالصدأ، وعلامات التعب بادية على وجهه، اسمه جمال.

جمال، رجل لا يتجاوز عمره الخمسين عاماً، ورث مهنة النقش على النحاس منذ سنة 1988، نقلها عن والده الشيخ الطاعن في السن الذي كان يجلس أمام باب المحل.

يقول جمال لرصيف22، إنه يحرص على جمع أكبر عدد ممكن من التحف المصنوعة من النحاس، ثم يعيد لها بريقها، وجمالها الذي كانت عليه من قبل، وفي بعض الأحيان يُدخل عليها تعديلات كبيرة تواكب النحاس المعاصر، ثم يقوم ببيعها بثمن مرتفع عن الذي اشتراها به، ويشير إلى أن زبائنه يقصدونه من مختلف جهات الجزائر، إضافة إلى بعض السياح الأجانب، وحتى ممثلي السفارات الأجنبية بالبلاد.

يقول جمال إن بعض الأواني النحاسية التي جمعها منقوشة بزخارف مختلفة يعود أصلها إلى تركيا.

"مداعبة المطرقة والمسمار"

تُعدّ حرفة النقش على النحاس من أبرز الفنون الحرفية في الجزائر، ويقول خبراء إنها وفرت فرص عمل عديدة السنوات الماضية للعديد من الحرفيين في أسواق النحاس في عدة مناطق، أبرزها محافظة قسنطينة، وعنابة، وميلة، وسطيف، والقصبة العتيقة، التي لا تزال مُحافظة على تُراث الجزائر وخصوصيته، رغم قلة الأيادي التي تبدو وكأنها تتحدى الزمن للحفاظ على ما تبقى من هذه الحرفة.

بشغف كبير تحدث بلال بن شريف، شاب جزائري في بداية العشرينيات من محافظة قسنطينة (430 كلم شرق الجزائر العاصمة) عن خبايا وأسرار أقدم حرفة يدوية لا تزال متخفية داخل الشوارع العتيقة لمدينته، وهي حرفة "النقش على النحاس".

يحكي بلال لرصيف22 حكايته مع مهنة "مُداعبة المطرقة والمسمار" كما يسميها، وتجربته التي تخطت العشرين عاماً، كان يتكلم وفي صوته بحّة من الحنين لتلك الأيام التي تعلَّم فيها الحرفة على يد والده.

واستطاعت حرفة النقش على النحاس استقطاب أنظار الأوروبيين، حيث نجح حرفيو محافظة قسنطينة، شرقي الجزائر، سنة 2015، في الظفر بدعم من الاتحاد الأوروبي لدعم الحرف التقليدية بإفريقيا
تسير حرفة النقش على النحاس، كحرف تقليدية أخرى، نحو الزوال، بسبب اجتياح المنتوجات الصينية للأسواق المحلية، وارتفاع تكلفة الإنتاج وصعوبة تسويقه في الأسواق المحلية.

يقول بلال إنه امتهن صناعة النحاس منذ أن كان في الثامنة عشر من عمره، وورثها عن والده الذي برعت أنامله في صناعة أشياء ذاع صيتها في الجزائر، وبعضها تخطى الحدود.

يحكي بلال متذكراً خطواته الأولى في تعلم الحرفة، أن والده كان يشجعه على الدراسة والحصول على شهادة جامعية، إلا أن إصراره الطويل وملاحظته لاهتمام بلال بالمهنة، دفعاه إلى التنازل عما كان يحلم به لابنه، وأقحمه في هذا العالم، هنا بدأت الرحلة مع النحاس.

يتفنن بلال في صناعة أجود التحف المصنوعة من النحاس مثل: المصابيح والسكريات و"السينيات" التي يُجسِّد عليها رموزاً لها علاقة بالتراث الجزائري، كالزخرفة الإسلامية، وأصبح بمرور الوقت "رسّاماً"، يبتكر رسومات، وينثرها بطريقة مميزة على أوجه "السينيات".

واشتكى بلال من المصاعب التي تعترض طريقه، ونظرائه في تلك الحرفة، وتمنعه من المضي قُدماً، خاصة نقص المادة الأولية مقارنة بالسنوات الماضية وارتفاع تكلفتها، فقد كان يتم إحضارها في سنوات الثمانينيات والتسعينيات من محافظتي جيجل، وقسنطينة، والآن يتم استيرادها من طرف "الخواص" الذين يتحكمون بأسعارها، وبحسب بلال، فإن المادة الأولية تستورد عادة من تركيا، التي تصنف في خانة أكبر الدول الصناعية المصدرة لهذه المادة، إضافة إلى إسبانيا التي تُعتبر أيضاً من أقدم مناطق إنتاج هذه المادة في أوروبا.

ويُشدِّد بلال على أنَّ مهنة النحاس هو عمل يكسب منه رزقه، وكذلك جزء لا يتجزأ من حياته، فهو يسعى للحفاظ على أهم الكنوز التي تركها الأجداد، ووجه بلال نداءً إلى الشباب العاطلين عن العمل بتعلُّم حرفة الأجداد والحفاظ على التراث.

"محافظات الجزائر وفية للنحاس"

يقوم بلال بن شريف بصناعة الأواني النحاسية من النوع الثقيل، مستعملاً في ذلك صفائح نحاسية ذات لون بني قاتم، ثم يقوم برسم أشكال هندسية مختلفة عليها، مستخدماً بعض الأدوات اليدوية التي كان الأجداد يستعملونها في وقت سابق، كالعصا والمطرقة والمسمار.

ولازالت عدة محافظات جزائرية وفية لهذا الموروث، على غرار منطقة "القصبة العتيقة" التي لازالت تُحافظ على هذا الإرث التاريخي، وأيضاً قسنطينة، عنابة، وسطيف شرقي البلاد.

وعن أكثر مبيعات قطع النحاس، يشير الحرفي بلال إلى أن "السينيات" وأواني الشاي بكل أشكالها وأنواعها هي الأكثر مبيعاً، وتليها الأطباق و"المهراس" الذي لا تستغني عنه أغلب العائلات الجزائرية، وفق تأكيده.

ومع ذلك، وكغيرها من عديد الحرف، تسير حرفة النقش على النحاس، كحرف أخرى مثل صناعة الفضة وغيرها، نحو الزوال، بسبب اجتياح المنتوجات الصينية للأسواق المحلية، وارتفاع تكلفة الإنتاج وصعوبة تسويقه في الأسواق المحلية.

النحاس يهرّب

يعلق العضو في جمعية حماية المستهلك، فادي تميم، بخصوص نقص المادة الأولية للنحاس، في تصريحات لرصيف22: إن الجزائر تعتمد بنسبة كبيرة في توفير مادة النحاس على الاسترجاع (جمع القطع والأسلاك النحاسية من خلال التفتيش في القمامات والمزابل والمفرغات العمومية، وإعادة تحويلها إلى نحاس في المراكز المتخصصة)، ودُعم هذا الإجراء بقانون يمنع تصدير هذه المادة.

ويستدرك تميم قائلاً إن الموضوع لازالت تعتريه الكثير من النقائص، أبرزها "مافيا التهريب"، التي تعيث في هذا المجال فساداً، بتهريب هذه المادة عبر الحدود الشرقية والغربية، إضافة إلى ذلك، يشير تميم إلى تضييق السلطات الأمنية على استرجاع هذه المادة، بسبب اعتماد بعض المسترجعين غير الشرعيين على تخريب الممتلكات العامة للكهرباء أو الاتصالات للحصول على هذه المادة.

ولفت تميم أيضاً إلى عدم توفر أي دعم لمثل هذه النشاطات من قبل الدولة، كتوفير مناطق صناعية خاصة بممارسة هذه الحرفة.


النقش على النحاس يستقطب الأوروبيين

واستطاعت حرفة النقش على النحاس استقطاب أنظار الأوروبيين، حيث نجح حرفيو محافظة قسنطينة، شرقي الجزائر، سنة 2015، في الظفر بدعم من الاتحاد الأوروبي لدعم الحرف التقليدية بإفريقيا، ويتمثل المشروع في وضع برنامج تكويني خاص للحرفيين، مدعوم من قبل الاتحاد الأوربي وبإشراف وزارة السياحة، ويستفيد الحرفيون الجزائريون من دورات تكوينية داخل وخارج الجزائر، يشرف عليها مختصون في الرسم والنقش، وأيضاً في تعلم استخدام آخر مستحدثات التكنولوجيا لصناعة المنتجات النحاسية.

ويكمن الهدف من هذا البرنامج بالدرجة الأولى، في حماية هذه الحرفة العريقة من الاندثار، والترويج لها عالمياً بخلق أقطاب تجارية، وبيع هذه السلع في السوق العالمية كمنتجات حرفية راقية تتماشى مع العصر الحالي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard