"قطاع طرق" بيروت المنتشون بالثورة على جسر الرينغ

الثلاثاء 29 أكتوبر 201904:23 م

بيروت، 27 أكتوبر 2019

نمشي بخطوات متسارعة ونابضة نحو الوسط. نعيد مشاهد الأمس في خيالنا. فخيالنا بات ملكنا، لا رقابة عليه. رقابة شخصية كانت أم اجتماعية أم قانونية. أعيد تكرار تلك اللحظة التي تلاقت عيوني صدفةً بعيون صديقٍ لي ممدد على رصيف الرينغ، من الجهة التي تفصل بين الجسر والطريق الذي يؤدي إلى الخندق الغميق. عينان منتشيتان باللحظة، وبسمة عريضة لا تتفوه بكلمة، وجسد مستسلم للهذيان الجماعي.

وقال لي: "نظرتُ في عينيه وسمحت لجسدي أن يعيش الاصطدام دون خوف، دون أن يخضع لمنظومة الدفاع الغريزية".

اقتربت من صوته لأشعر أكثر بذبذباته.

قال لي: "كنا مفترشين الأسفلت وسط الشارع بأجسادنا، نقطع الطريق بوجه الطاقة المسممة التي كانت تخنق بيروت حيةً. اقتربت دراجة نارية جنبنا، يعتليها رجلان مصممان على خرق الحاجز الجسدي المسالم، فخرقاه".

وجهه يشع بلون الدماء الذي يتدفق بغزارة في جبينه وخديه.

قال لي: "حاولت أن أوقف حركة دراجته برجلي، فامتدت يدٌ نزولاً نحو جسدي، تمسكت بقميصي، وسحبتني على الإسفلت. يدٌ أخرى أخرجت عصا للضرب، ورُفعت بوجهي. نظرت في عينيه. حدقت بهما. قلت لهما أني لا أخاف. وإذ رمين فتيات بأجسادهن عليّ لحمايتي. فتركاني أرضاً وأكملا طريقهما".

نظر إليّ بهذيانٍ لذيذ، مرتعشٌ بالانتصار الذي حقّقه.

وقال لي: "أظن أنه لم يبرحني ضرباً لأني نظرت في عينيه. رآني. عرفني. دخل فيّ. كل ما رأيته أنا، كائنٌ أقرب من الآلة، لا علامة للحياة في عيونه. لكنه رآني".

صديقي، مثل عدد من الأصدقاء، ينضم لمجموعة قطاع الطرق الذين استفزوا عدداً لا بأس به من الكائنات الداعمة للنظام الآلي السوريالي. هو "الأزعر" الذي سيؤدي بالمدينة إلى الخراب. فليكن الخراب، فلنحرق المدينة بشرارة الأمل، لعل في رمادها، نبتكر الفجر النقي.

قد تحولنا إلى قطاع طرق، إلى حارقي نفايات وسط الشوارع، نحمل سلاحاً فتاكاً بوجه الآلات التي استنسختها الأنظمة الحاكمة من جينات رأسمالية قاهرة، عيوننا. فالشارع للشعب الذي دخل مرحلة الهذيان الجماعي، مردداً الشعارات والأفكار والأمنيات دون ملل لليوم الحادي عشر على التوالي، ليلاً نهاراً، في الشارع وفي السرير وعلى المائدة ووقت الصلاة ولحظة الجماع. الجو صوفي رومانسي حالم.

في حديقة جبران

نزلنا أسفل جسر الرينغ، ندور مع حجاج الحرية حول الوسط، ننظر في عيون بعض، نبتسم، نتحدى اختلافاتنا ونتشابك بأحلامنا. فمدينة المستقبل المزدهرة لا تبنى على أرقام 2020 و2030 و2050، ولا على رأسمالية دينية ولا على انتداب مستنسخ. هذه ليست هوية بيروت. دخلنا مدينة المستقبل اليوم حاملين معنا عقولنا وأصواتنا وأقلامنا، بكل بساطة.

الأمواج الصوتية أخذتنا نحو حديقة جبران خليل جبران، خلف مبنى الإسكوا. رمزٌ آخر للفساد "السوليديري". من هنا، دخلت ذرةٌ من ذرات الثورة مرحلة النضوج والتفكير والتخطيط. من هنا تزرع الأفكار والحقوق والأحلام، لنحصدها لاحقاً في مدينة المستقبل.

جماعات افترشت العشب في أرجاء الحديقة، داعيةً الجماهير للانضمام لحلقات الفكر والعلم. طلاب من الجامعة اللبنانية ملتفون حول بعضهم البعض، أساتذة وتلاميذ ومفكرون، يناقشون دورهم في الثورة كمواطنين وأكاديميين، ويخططون لحماية جامعة الدولة من الحزبيين والمحاصصين والسياسات الفاشلة التي عطلت دورها منذ عقودٍ، ويتشاورون حول الخطوات والاجتماعات التالية مع سائر الجامعات، لإعادة ابتكار المناهج التعليمية الهالكة التي كانت تحكمهم بالأمس.

وعلى بعد أمتارٍ، تسمعون نداءات المحامين بحقوق الثورة والثوار والثائرين عليهم، تجمّع حولهم شباب جلسوا في حلقة ثقافية كبيرة، يصغون بدقة لبنود وحقوق ودستورٍ كتب على أسس حماية المواطنين وتنظيم المجتمع. إنها إحدى مبادرات "بدنا نثور بدنا نعرف"، يعرّفون عن نفسهم بالتالي: "نحن مجموعة مواطنين غير منتسبين سياسياً، نعمل في عدة مجالات. نظراً للاحتجاجات الحالية قررنا أن نوضح لنفسنا الصورة السياسية والاقتصادية حول الحراك الشعبي".

الجلسة التعليمية العامة اليوم تحمل عنوان "أيها المتظاهرون: اعرفوا حقوقكم"، تتحاور فيها محاميات متخصصات في القانون الدولي العام وحقوق الإنسان وشقوق حقوقية أخرى. تناقشنا حول دور الأمن في حماية المتظاهرين لا تفريقهم، تحدثنا في عدم إمكانية الحكومة محاكمة آلاف الأفراد الذين انضموا لحراك "قطاعي الطرق"، فبوحدتنا في الشارع نزعزع قضاءهم الهالك.

حكينا عن الشتائم في التظاهر، على أنها بديهية وبسيطة أمام تشويه السمعة الذي طال الثوار، على أنهم عملاء وخونة. سمعنا عن حقوق العامل في الثورة وكيف لا يحق لمديره أن يخصم من راتبه... وخط ساخن لكل من يحتاج إلى نصيحة أو محامٍ.

حكينا عن الشتائم في التظاهر، على أنها بديهية وبسيطة أمام تشويه السمعة الذي طال الثوار، على أنهم عملاء وخونة. سمعنا عن حقوق العامل في الثورة وكيف لا يحق لمديره أن يخصم من راتبه... وخط ساخن لكل من يحتاج إلى نصيحة أو محامٍ.
مددنا أجسادنا أفقياً وعمودياً تحت تمثال الشهداء، نتأمّل النجوم التي أتينا منها، يعلو صوت شابة من الخيم المنتصبة في الساحة، وببحة ثائرة حساسة مجنونة تنادي بارتجال على إيقاع الإلكترو "ثورة! ثورة! هيدي الثورة جمعتنا"

"أي نظام انتخابي بعد الانتفاضة؟". "قوة النضال الشعبي اللاعنفي: أي استراتيجية وأي وسائل؟". "الصحة النفسية خلال الثورة". "نقاش عام: حول دور الجسم الهندسي في الانتفاضة الشعبية". "لقاء حواري موسع: الثورة وتحصينها مسؤوليتنا جميعاً"... كل خطوة بمجموعة وبصوت وبعلم، كل دائرة بنكهة وروح ثقافية وتربوية، فمدرسة الحياة عادت من حيث أتت، تحت الشجرة وعلى العشب وفي الهواء الطلق، فهنا نسيم الهواء يهمس كلمات جبران خليل جبران ومي زيادة ومارون عبود وميخائيل نعيمة.

هل ما زلتم خائفون من الفراغ؟ إن وقعنا في الفراغ، كما ردد بعض المحامين، فذلك لأنهم أوقعونا في الفراغ، وسنلاحقهم من محكمة لمحكمة، حتى النيل منهم.

مددنا أجسادنا أفقياً وعمودياً تحت تمثال الشهداء، نتأمّل النجوم التي أتينا منها، يعلو صوت شابة من الخيم المنتصبة في الساحة، وببحة ثائرة حساسة مجنونة تنادي بارتجال على إيقاع الإلكترو "ثورة! ثورة! هيدي الثورة جمعتنا.. هي وحدها جمعتنا.. ثورررة! مياووو".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard