مظاهر اللاتاريخية في وعينا... عن تصورنا للتاريخ كظواهر مفتَّتة ومنفصلة

الأربعاء 30 أكتوبر 201901:33 م

صورة الغرب في وعينا صورة مزدوجة: الغرب الغازي المعتدي في وجه منها، والغرب النموذج والمثال الذي نتعلم منه في وجهها الآخر. وازدواجية صورة الغرب هذه، تُنتج ازدواجية أخرى في تصوراتنا عن تراثنا، وهو زادنا الحضاري الذي نفتخر به في مواجهة ضعفنا الواقع أمام الغرب.

هذه الازدواجيات جعلت تعاملنا مع الغرب ومع تراثنا انتقائياً يُخرج الظواهر والأشخاص والأفكار عن سياقاتها، ليخلق حالة من اللاتاريخية في تعاملنا مع تراث الغرب ومُنجزه ومع تراثنا وأرصدته داخل وعينا. التاريخ هنا مُفتت، عبارة عن وحدات منفصلة، غير متصلة، كل وحدة منه، هي وحدة كاملة في ذاتها.

تصوّر قديم

تصور التاريخ كظواهر مفتَّتة منفصلة ليس ابن لحظة تحديثنا في القرنين الماضيين فقط، بل تعود جذوره إلى تراثاتنا القديمة. فلا تواصل بين تواريخنا قبل الوحي النبوي وبين فترة الوحي، بل لا تواصل بين ما أسميناه "العصر الجاهلي" وبين عهد الوحي، وكأن البشر الذين عاشوا الفترتين انتقلوا من ليل إلى نهار، وتحوّلوا إلى كائنات مختلفة تماماً بين ليلة وضحاها، وكأنه لم تكن هناك صلاة ولا حج ولا صدقات وأضحيات ولا حروب ولا زواج ولا طلاق ولا دفن موتى قبل الوحي.

تُصبح الجاهلية وفق هذا التصوّر، لحظة كاملة في ذاتها، منفصلة عن لحظة الوحي وقَطَعت معها بسكين حاد، وتكون لحظة الوحي النبوي هي الأخرى لحظة كاملة في ذاتها منفصلة عما قبلها، بل والأعجب أنها أصبحت منفصلة عما بعدها أيضاً، فما بعدها لحظات كلما ابتعدت عنها هي لحظات هبوط ونزول عن لحظة الفضل والكمال، "لحظة الوحي" التي هي النموذج الكامل المثالي المتعالي، الخارج عن الزمان والمكان.

نفس الشيء حدث بين لحظة الخليفتين أبي بكر وعمر ولحظة الفتنة، وفي لحظة سطوة حكم الأمويين، ولحظة العباسيين، إلخ. يصبح التاريخ تاريخ أسر منفصلة أو تاريخ مدن منفصلة أو تاريخ أفراد منفصلين، أو تاريخ فرق ومذاهب منفصلة: نُتف وفتافيت.

بل إن لحظتنا الحديثة خلال القرنين الماضيين هي الأخرى أصبحت في علاقتها بما قبلها وما بعدها، علاقة تجاور، لا تواصل فيها.

ففي بلد كمصر يتم التعامل مع فترة سلطة محمد علي باشا الكبير (1769 - 1849) وكأنها مُنفصلة تماماً عما قبلها، وليست امتداداً لها، وكأنها نور الحداثة والتحضر وما قبلها الجاهلية والتخلف. نتغنى بمذبحة القلعة التي نصبها محمد علي لما يقرب من ألفين من قادة عسكر المماليك، ولا ندرك استمرارية ما قبل فترة حكم محمد علي في فترة حكمه، وأن كثيراً من القادة العسكريين في جيشه كانوا من أبناء المماليك، القدامى ومماليك جدد شركس وأرناؤوط جلبتهم الأسرة الحاكمة.

محمد علي باشا في جلسة في مجلس المشورة

بل حين أتى ضباط يوليو الأحرار رسموا صورة لما قبل زمن سلطتهم بأنه "العصر البائد"، عصر الفساد وكأننا مرة أخرى ننتقل من ظلام إلى نور. وكرد فعل هناك مَن يقدّمون ما قبل سلطة منظومة يوليو على أنه كان عصر الليبرالية والحرية والديمقراطية والمدنية، قبل السلطوية العسكرية لنظام دولة يوليو، متغاضين عن الجهل والمرض والفقر، ومتفاخرين بصور ومشاهد الأحياء التي كان يسكنها الخواجات وأشياعهم من المصريين "الغز" والأعيان من المصريين.

حتى داخل دولة يوليو ذاتها، يسوِّق حكم السادات أنه ضُحى جديد للديمقراطية والحرية يختلف عن الدولة الأمنية الناصرية خلال فترتي سلطة الخمسينيات والستينيات.

لا ظلام بدون نور

نعيش وكأننا ثقافة تولد كل فترة، لحظات تاريخها تخرج من عدم وتختفي فيه. بل حين يؤرخ مفكر كبير كأحمد أمين (1886 - 1954) لتاريخنا الثقافي والذي بدأه بفترة الوحي، تصبح عناوين أجزاء كتابه "ضحى" و"ظهر" و"يوم". وحين يكتب فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة زكي نجيب محمود (1905 - 1993) "شروق من الغرب" يرد عليه إمام المسجد والداعية محمد الغزالي السقا (1917- 1996) بـ"ظلام من الغرب"، فيظل تاريخنا هكذا، حركة بين ظلام ونور، أو ليل ونهار، منفصلان يلغي أحدهما وجود الآخر، لا يولد كل منهما من الآخر.

أما في الواقع، فلا وجود لظلام بدون نور ولاليل بلا نهار، ولا جاهلية بلا إسلام ولا دولة محمد علي بدون ما قبلها ولا دولة ضباط يوليو الأحرار بدون دولة أسرة محمد علي. لكن يظل قائماً السؤال: لماذا يتم التعامل مع تاريخنا هكذا؟

"لا تواصل بين تواريخنا قبل الوحي النبوي وبين فترة الوحي، بل لا تواصل بين ما أسميناه ‘العصر الجاهلي' وبين عهد الوحي، وكأن البشر الذين عاشوا الفترتين انتقلوا من ليل إلى نهار، وتحوّلوا إلى كائنات مختلفة تماماً بين ليلة وضحاها"
"حين يؤرخ أحمد أمين لتاريخنا الثقافي، تصبح عناوين أجزاء كتابه 'ضحى' و'ظهر' و'يوم'. وحين يكتب زكي نجيب محمود ‘شروق من الغرب' يرد عليه إمام المسجد والداعية محمد الغزالي السقا بـ'ظلام من الغرب'. يظل تاريخنا هكذا، حركة بين ظلام ونور أو ليل ونهار منفصلان يلغي أحدهما وجود الآخر"

كنت وأنا تليمذ أقرأ مقرر التاريخ عن تاريخ مصر القديمة "الفرعوني" أو تاريخ المسلمين (التاريخ الإسلامي) أشعر بملل من رتابة الحكي. الأحداث عبارة عن قدر، والأسباب والنتائج محددة وواضحة كأنها ثوابت دين لا تتغير. بل حتى في التاريخ الحديث، كنا نحفظ أسباب الحملة الفرنسية على مصر كعقائد دينية، ثابتة ومُحددة تنقل إلينا ولا نفكر فيها.

حتى في حصة الإنشاء والتعبير التي كنت أحبها لأنني يمكن أن أُخرِج فيها شيئاً مما في داخلي، كان الأستاذ فتحي الطنطاوي الذي كان يعطي لكل تلاميذ قريتنا تقريباً درساً خصوصياً بعد المدرسة في مزرعة الدواجن التي بناها من أموال الدروس الخصوصية، كان يجعلنا نحفظ عشرين موضوع تعبير، من موضوعات تعبير كتاب سلاح التليمذ، لنكتب واحداً منها في الإجابة على سؤال التعبير في امتحان الشهادة الابتدائية. لن يخرج موضوع سؤال التعبير عن واحد من الموضوعات العشرين التي حفظناها. كنا نحفظ كل شيء وليس فقط أسباب ونتائج الحملة على مصر.

حين قُرر علينا في المرحلة الثانوية كتاب عن تاريخ العالم الحديث، بعبارة أخرى "تاريخ الثورات الأوروبية" شعرت بالتاريخ كشيء آخر. التاريخ صراع بين البشر والكون والمجتمع. لحركة للإنسان دور وفاعلية فيها، بخلاف تاريخنا.

وحين اشتريت كتاباً عن "تاريخ الإسلام" ليس من كتب المقررات المدرسية، وجدت عالماً آخر من الصراع والغدر والكراهية والمجد والظلم، تاريخ بشر بما للبشر من صفات، فأدركت أو شعرت بأن التاريخ صورة مرسومة في وعينا عن التاريخ، صورة تتغير من عصر لعصر، بل من مجتمع لمجتمع، حسب اهتمامات المعاصرين وتحدياتهم، أكثر من اهتمامات وتحديات وسياقات القدماء.

لكن ظل السؤال في ذهني قائماً: لماذا تاريخنا مُفتت وعبارة عن نُتف كل منها كامل في ذاته منفصل عما سبق وما لحق؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard