"أجرح نفسي وأشعر بالرضا"... نساء يعشن تأثير أول "لمسة" تحرّش

الأحد 27 أكتوبر 201904:06 م

أثارت قضية الطفلة جنة وتعذيبها على يد جدتها لوالدتها، الرعبَ في قلوب المصريين، وفي البعض ذكريات وقائع تحرش تعرضن له في الصغر، مما خلف أثرا في قلوبهن، نادرا ما يُمحى.

وترجع الحكاية إلى ضم الطفلة جنة إلى حضانة جدتها بعد انفصال والديها، وقد أثبت الطب الشرعي تعرّض الطفلة جنة إلى التعذيب، وأشار تقرير الطب الشرعي إلى وجود حروق نارية من الدرجتين الأولى والثانية في مناطق حساسة، أدى إلى تشوّه أعضاء الطفلة التناسلية، وأضاف التقرير وجود آثار عض بأسنان بشرية.

وتوجهت أصابع الاتهام إلى الجدة، خاصة بعد اتهام خال الطفلة باغتصابها أكثر من مرّة، فما كان من الجدة إلا تعذيب الطفلة في أعضائها التناسلية للتستر على جريمة ولدها.

"سأكون أما ديكتاتورية وجبانة"

تقول رقية، اسم مستعار (29 عاماً) تعمل في المجال الإعلامي وتسكن في القاهرة، أنها تعرّضت للتحرش الجنسي وهي في عمر السابعة، أثناء ركوبها الأتوبيس مع والدها، أحدهم وضع يده فوق يدها، ونظر لها "نظرات سيئة"، ثمّ لمس يديها بحميمية، محاولاً مسك ذراعها.

وتستطرد رقية قائلة لرصيف22: "لقد تعرضت لموقف أسوأ من ذلك، فعندما كنت في الخامسة من عمري، وأثناء جلوسي في مقعد الأتوبيس، أتى رجل كبير، وتخين، ولابس جلابية زرقا، تعمد لزق عضوه الذكري في كتفي، وكلما حاولت الابتعاد زاد من قربه، وفي النهاية ندهت على ماما، فمشي".

لا تزال رقية تشعر بتأثير تلك الاعتداءات عليها حتى هذه اللحظة، فهي لا تريد الإنجاب خوفاً من تعرّض أطفالها لهذه الاعتداءات، مضيفة أنها إذا أنجبت ستكون أماً ديكتاتورية، وشكاكة، وجبانة، بالإضافة إلى تضييق الخناق على أولادها. تقول رقية: "أخشى من المواصلات العالمة، وأرتجف من الزحام، رغم محاولاتي لتخطي الأزمة".

"إلى الآن أتذكر لحظات التحرش الجنسي التي حدثت لي في صغري، ولا أستطيع نسيانها، لدرجة أنني أحلم بهؤلاء الأشخاص قد تحرشوا بي مرة أخرى"
تقول رقية أنها إذا أنجبت ستكون أماً ديكتاتورية، وشكاكة، وجبانة، بالإضافة إلى تضييق الخناق على أولادها، خوفاً من أن يتعرضوا للتحرّش

وتحكي رنا المأمون علي (22 عاماً)، طالبة جامعية من الخرطوم، قصتها لـرصيف22: "إلى الآن أتذكر لحظات التحرش الجنسي التي حدثت لي في صغري، ولا أستطيع نسيانها، لدرجة أنني أحلم بهؤلاء الأشخاص قد تحرشوا بي مرة أخرى".

تأثير التحرش تجاوز مرحلة الأحلام، وبلغ درجة أذية نفسها، وتلذذها بذلك، تقول رنا أنها لامت نفسها كثيرا، ووصلت إلى مرحلة أذية النفس "self harm"، وجرحت نفسها، الأمر الذي منحها شعوراً بالرضا.

وتتابع رنا أن علاقاتها الاجتماعية قد تأثرت بصورة سلبية نتيجة هذه الاعتداءات، وكذلك ثقتها في نفسها، بجانب خوفها الكبير من تعرض الأطفال لمثل هذه الحوادث، مؤكدة أنها تلقت جلسات "psychotherapy"، ورغم أن الأمور بدت ترجع إلى طبيعتها، إلا أنها تستعيد ذكريات حوادث التحرش في طفولتها، إذا تعرضت لحوادث مماثلة في المواصلات أو الجامعة.

وتضيف المأمون أنها عرفت الآن، بعد أن كبرت، أن التحرش ليس خطأ منها، ويجب عدم لوم الطفل إذا لم يحك ما تعرض له من تحرش، لأنه في النهاية يكون مضطرباً، وشددت على ضرورة طلب "الضحية" للمساعدة، وأن يعرف أن الخطأ ليس خطأه.

"والدتي محت آثار التحرش"

تجربة نيرة (27 سنة) اسم مستعار، صحفية  من صعيد مصر، تختلف عن سابقتها، حيث امتلكت الشجاعة بأن تخبر والدتها، وامتلكت والدتها الحكمة بأن تتصرف بطريقة تزيل آثار الاعتداء.

تقول نيرة لرصيف22 أنها تعرّضت لحادثة تحرش وهي في عمر العاشرة، حيث أوقفها غريب في الشارع طالباً منها مساعدته في ربط إطار عجلته، وإذا به يتحسس جسدها الصغير، مما أصابها بحالة من الارتباك والخوف.

وتضيف نيرة أن حالة الخوف زادت مع وصولها إلى المنزل لاعتقادها أنها ارتكبت جرماً ستعاقب عليه، إلا أن والدتها لم تعاقبها أو تشعرها بأن الخطأ منها، ولكنها حاولت أن تخفف من حدة الموقف، وإزالة ارتباك طفلتها الصغيرة.

وتؤكد نيرة أنها لم تنس تلك الحادثة وتشعرها بالسوء والارتباك والخوف كلما تذكرتها، لكن تصرّف والدتها محى كل أثر سيء لهذه الحادثة.

يعلق هاني جهشان، مستشار أول للطب الشرعي بالأردن، والخبير في حقوق الإنسان والوقاية من العنف، لرصيف22، أنَّ عواقب العنف الجنسي عديدة منها: الحمل غير المرغوب فيه، الإيدز، والتهاب الكبد الوبائي. بالإضافة إلى العواقب الوخيمة التي تصيب الصحة النفسية للضحية منها: اضطراب ما بعد الكرب، الاكتئاب، الرهاب الاجتماعي، القلق، إساءة استخدام العقاقير، والسلوك الانتحاري.

أما على المدى الطويل، يكمل جهشان، قد يشتكي ضحايا العنف الجنسي من الأعراض النفسية كالصداع المزمن، التعب، اضطرابات النوم، الكوابيس، استرجاع ذكرى الواقعة، الغثيان المتكرر، اضطرابات الأكل، آلام الحيض، والمعاناة من صعوبات في الحياة الجنسية. مضيفاً أن الضحايا يحاولون عادة تغيير نمط حياتهم، والبعض قد يواجه مصاعب في أدائه الوظيفي في العمل، أو المنزل، أو المدرسة. وقد تظهر أعراض الرهاب، مثل الرهاب من الزحام أو الرهاب من البقاء وحيداً.

"كراهية الجنس وتشنّج المهبل"

يلفت جهشان النظر إلى احتمالية حدوث خلل في الوظائف الجنسية أو تغيير في الحياة الجنسية للضحية، كالكره الشديد للجنس، واسترجاع وتذكر منظر الاعتداء أثناء ممارسة الجنس، المعاناة من مرض تشنج المهبل، واضطرابات التمتع الجنسي.

وتشير سهير لطفي، أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في مصر لرصيف22، أن التحرش والعنف الجنسي ضد الأطفال يؤثر على التركيبة الأنثوية والذكورية في سن الطفولة، ما يعمل على تدميرها أثناء فترات النمو والنضج، بجانب تدمير هوية النوع عند الأطفال، والتي تعتبر جزءاً أساسياً في تركيبتهم الإنسانية.

"يحرم الطفل من أن يكون زوجاً صالحاً، أو زوجة صالحة، بسبب تخريب تكوينه البيولوجي".

موضحة أن تدمير الطفل ينعكس في المستقبل على المجتمع والدولة، فنتيجة لتلك الاعتداءات يحرم الطفل من أن يكون زوجاً صالحاً، أو زوجة صالحة، بسبب تخريب تكوينه البيولوجي، والتي تنعكس بالضرورة على خصائصه الثقافية والفكرية والاجتماعية، ما يجعله عرضة للعلاج من الجانبين الطبي والنفسي.

وختمت لطفي كلامها محذرة: التحرش والاعتداء الجنسي على الأطفال يضرب بقسوة على المنظومة الأخلاقية للمجتمع.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard