يخلق هوّة عميقة بين الجنسين... عن خطاب "كراهية الرجال" ومعاداتهم

الاثنين 28 أكتوبر 201905:05 م

تحتل بلدان العالم العربي المراتب الأدنى في حقوق المرأة في الإحصائيات العالمية. رغم أن "المسوجينية"، أو كراهية النساء تأتي في الدول العربية في مضمار تراجع الحريات المدنية والسياسية والشخصية، إلا أنها ليست مقصورة عليها، فنجد تجلياتها في مجتمعات غير عربية وغير مسلمة حول العالم.

اليوم يتمّ الترويج لاصطلاح معاكس هو "كراهية الرجال" يردده بعض مناصري النسوية من النساء والرجال. ولكن، أليس ذلك واستمرارية لخطاب الكراهية الذي ينتج تمييزاً وتهديداً للحقوق المدنية وللمساواة في المجتمع؟ 

البول الذكري الطاهر

 في روايتها "مذكرات امرأة غير واقعية"، تصف الكاتبة الفلسطينية سحر خليفة مشهداً قد لا يبدو مألوفاً فقط في الماضي، بل يتم تكريسه في دراما البيئة الشعبية في السنوات الأخيرة. دار عربية، مولود ذكر، زغاريد الفرح والبخور والتكبيرات والحمد والتسبيح لهذه النعمة وسط ذهول الصغيرات وجهلهنّ:

"وفي الصباح، والدار ما زالت مخدرة برائحة الشمع وعطر الملبس والبخور، اجتمعت البنات حول القابلة وهي تفتح اللفة عن سر الفرح. وكانت قطعة لحم معجونة برضوض زرقاء وحمراء ورأس ممزوج الشعر منتفخ الملامح. ووقفنا نتدافع حتى نرى ونفهم التفسير فكانت زبيبة. عابثتها القابلة وأطلقت زغرودة فصاحت قطعة اللحم وأطلقت نافورة ماء النشاب. وهللت القابلة (كولونيا يا بنات كولونيا). وفتحنا أكفنا الصغيرة نتلقى الكولونيا ونمسح بها الرؤوس والجباه والعيون حتى دمعت".

تذكر الصحفية المصرية الأمريكية منى الطحاوي، في مقال أثار عاصفة من الجدل حول طرحه بعنوان "لماذا يكرهوننا؟"، فتوى سمعتها في إحدى القنوات السعودية، تفيد أنه في حال تبول طفل ذكر بالإمكان الصلاة بنفس الملابس دون أن ينقض الوضوء، وفي حال كان البول لطفلة أنثى توجب تغيير اللباس وإعادة الوضوء، كمثال على ارتباط المرأة بالدنس في الإسلام واعتبارها أدنى من الرجل.

كما تستبعد الطحاوي نجاح أي من الثورات السياسية ما لم يرافقها ثورة فكرية على المعتقدات الدينية. وهي بهذا تضع ثالوثاً من الجنس والدين والمجتمع لتقول إن جوهر كراهية الرجال للنساء في الشرق الأوسط: "لا يكرهوننا بسبب حريتنا كما روجت السياسات الأمريكية بعد أحداث سبتمبر، بل لا نملك الحريات لأنهم يكرهوننا".

إنّ خطر اعتبار كراهية النساء جرمٌ دون تجريم كراهية الرجال هو تنميط للرجال كمجرمين والنساء كضحايا، وإهمال حقيقة أن الإساءة لا جنس لها

اليوم يتم الترويج لاصطلاح "كراهية الرجال" الذي يردده بعض مناصري النسوية من النساء والرجال، وتنتقده بعض الكاتبات على اعتبار أن قوانين المجتمعات الذكورية تطال النساء والرجال، والحرب ضد البطريركية هي حرب الجنسين معاً 

خطاب الكراهية لا دين له، ولا عرق، ولا جنس

تقدر منظمة اليونسيف أن ضحايا جرائم الشرف من النساء يبلغن 5000 امرأة وفتاة سنوياً، معظمهن من الشرق الأوسط وجنوب آسيا، إلا أن بلداناً أخرى تظهر على القائمة مثل البرازيل، كندا، السويد، الهند وحتى الولايات المتحدة الأمريكية. وبرغم التواجد الكبير لبلدان الشرق الأوسط على قائمة الدول الأكثر تعنيفاً للنساء، إلا أن الإحصائيات تظهر أرقاماً تختلف بعض الشيء.

في دراسة أجرتها مؤسسة تومبسون للإحصائيات السنوية في العام 2018، قدرت أن واحدة من ثلاث نساء في العالم تتعرض للعنف الجنسي أو الجسدي لمرة واحدة في حياتها على الأقل، وأن ما يقارب 750 مليون فتاة تزوجن قبل سن الـ18. في مقدمة القائمة لأكثر 10 دول عدتها الدراسة خطرة على حياة النساء، كانت الهند في المرتبة الأولى بالتمييز العنصري والعنف الجنسي والجسدي وقسر العادات والتقاليد، تبعتها أفغانستان في المرتبة الثانية، ثم سوريا والصومال والسعودية وباكستان والكونغو واليمن ونيجيريا وأخيراً الولايات المتحدة الأمريكية. ومع أن هذه القوائم لا تقلل من خطر المشكلة في العالم العربي، إلا أنها تثبت أن "كراهية النساء" لا تتعلق بالعرق، وإنما بعوامل أخرى تتواجد في جميع دول العالم الثالث والمناطق المصنفة تحت خط الفقر، وخاصة تلك التي رزحت تحت الاستعمار لسنين طويلة.

يذكر ماكس فيشر في مقاله، "الجذور الحقيقية للتمييز الجنسي في الشرق الأوسط" في الأتلانتيك، أن "الميسوجينية العربية"، أو كراهية النساء، تعود لأصول تركية، بريطانية وفرنسية بسبب الاستعمار الأجنبي للمنطقة الذي عقد "صفقة بطريركية" على حد تعبيره، "الاستعمار يحكم الحياة العامة والرجال يحكمون حياتهم الخاصة، والنساء لا يحصلن على شيء".

في مقالها "هل يكره الرجال العرب النساء؟" تذهب الصحفية الإنكليزية من أصل سوداني نسرين مالك، باتجاه اضطهاد من نوع آخر تمارسه السلطات المحلية في البلدان العربية، لتردّ على مقال الطحاوي بأن كراهية النساء ليست مرضاً يحمله الرجال عند ولادتهم ولا ميراثاً من الثقافة العربية، إنما هو إضافة لما أسمته الطحاوي "خليطاً ساماً من الدين والثقافة"، نتاج للقمع السياسي الذي فعّل هذه العوامل في الشارع العربي، وهو تأخر في الفكر لا يطال النساء فحسب بل الحقوق المدنية والحريات على كل الأصعدة.

تضيف مالك: "صحيح أن قيادة السيارة تحظر على النساء في السعودية، لكن الرجال لا يحق لهم انتخاب حكومتهم ومحكومون من قبل نظام ديني ملكي. صحيح أن مصر أخضعت النساء لفحوصات البكارة، لكن الرجال اغتصبوا. صحيح أن المرأة تجلد في السودان لارتدائها البنطال، لكن الأقليات العرقية فيها أيضاً تتعرض للتهميش والاعتداء". وتخلص في مقالها للقول إنه لا يمكن تقليص مشكلة عالمية كهذه إلى أسباب عرقية أو دينية، يجب ألا ننسى أننا نحارب بطريركية المجتمع وليس الرجال.

عداء الرجال... وداوها بالتي كانت هي الداء(؟)

 ظهرت كراهية الرجال كاصطلاح في القرن الـ19، كردة فعل على كراهية النساء وخوفاً من الرجال (Misandry) كما تسميه الكاتبة هيلين بلكروز. وفي كتابه "أسطورة الذكور الأقوياء"، يجادل الكاتب وارن فاريل أن المجتمعات البطريركية لم تولد إلا استخفافاً بحياة الرجال التي تعد أقل أهمية فيما إذا قورنت بحياة طفل أو امرأة.

لكن، ما هو مصدر هذا "العداء" للرجال أو "الخوف" منهم؟ هذا ما يعالجه أنتوني سينوت، بروفيسور في علم الاجتماع في جامعة مونتريال، حين يقترح بأن واقع العنف الذكوري ضد النساء هو المسبب الرئيس لظهور حركات نسائية تدعو لكراهية الرجال، إضافة إلى تكريس صورة الذكر الطاغية في أمثلة تاريخية، مثل هتلر وستالين وغيرهم، دون تسليط الضوء على نساء كنّ في مواقع سلطة وأسأن استخدامها.

ويذكر سينوت أن هذا العداء يلقى صدى في أوساط الرجال من المدافعين عن الحركات النسائية، أمثال مايكل كيميل في كتابه "الرجال في أمريكا"، الذي يبدأه بلائحة طويلة من "الرجال الأوغاد" ويقترح أخيراً إلصاق تحذير على الأعضاء الذكرية يشبه ما يكتب على علب السجائر: استخدام هذه الأداة قد يكون مضراً بصحتك وبصحة الآخرين.

نرى اليوم مئات المقالات التي تروج لكراهية الرجال، وعشرات الأعمال الأدبية الحاصلة على جوائز عالمية دون أن يجرم خطاب الكراهية فيها، بينما تدعو الجمعيات النسوية لوضع كراهية النساء ضمن لائحة الأعمال الإجرامية التي يعاقب عليها القانون دون أن يلقى عداء الرجال نظرة مماثلة. يصرح مات أوكونر، رئيس جمعية آباء العدالة، لصحيفة الهيرالد الاسكوتلندية، أن خطر اعتبار كراهية النساء جرماً دون تجريم كراهية الرجال هو تنميط للرجال كمجرمين والنساء كضحايا، وإهمال حقيقة أن الإساءة لا جنس لها.

تقول اللبنانية مايا مقداشي بروفيسورة في الدراسات النسوية، أن "الجندرة ليست دراسة لما يحصل، وإنما تحليلاً لحيثيات نشوئه"، ففي حين أن الدين يبدو المتهم الأكبر في تعنيف النساء، إلا أن سيطرة هذه العوامل تخضع لأسباب أخرى سياسية وتاريخية. قد يبدو اضطهاد الرجال رفاهية فضفاضة في عالمنا العربي في ظل قمع النساء وتعنيفهن، إلا أن أصواتاً نسائية مثل الكاتبة المصرية نوال السعداوي والصحفية اليمنية توكل كرمان ونسرين مالك ومايا مقداشي، تؤكدن أن قوانين المجتمعات الذكورية تطال النساء والرجال على حد سواء، وأن الحرب ضد البطريركية هي حرب الجنسين معاً، والتي لن يؤدي خطاب الكراهية فيها إلى النصر بل إلى مزيد من التعنيف المتبادل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard