تذوّقتُ قطعة كيك من "عميلة في وكالة المخابرات المركزية" وسط بيروت

السبت 26 أكتوبر 201906:26 م
Read in English:

Revolution Tasting: Poisoned By CIA Cake in Downtown Beirut

بيروت، 25 أكتوبر 2019.

الوسط. نبض الشارع مختلف في اليوم التاسع من الثورة. خطوات الثوار أثقل. لم تعد تتلاعب بالجاذبية قفزاً ورقصاً وجلوساً وانحناء. تحاول أن تبقى ثابتة، واقفة، حاملة أجساد تسلل إليها الشك، ولكنها مقتنعة أكثر من أي وقت مضى بثورتها.

الطاقة بيننا مختلفة، بعض الوجوه والملامح اختفت من الساحة، نواسي بعضنا البعض بعيوننا، نردد الشعارات بصوت لا واعٍ، ثم نخرج بالتناوب من الساحة ونجلس ونلف السجائر بتأمّل على الدرج الذي يوصل ساحة الشهداء بمسجد محمد الأمين.

بعد عدة محاولات فاشلة في إصابة طائر الفينيق الذي يحلّق فوق ساحات البلاد مبشراً بعهد جديد، ارتأى السيد أن ينضم للصيادين، فاللعبة أصبحت ساخنة على نطاق إقليمي وحتى دولي. من يلتقط ذلك الطائر الأسطوري الذي ظهر في سماء لبنان، ويرميه في قفصه، ويعرضه في حديقة الحيوانات المنسية في باحته؟

الفراغ. الفلتان. الحرب الأهلية. تمويلات حزبية. عملاء من وكالة المخابرات المركزية. الموساد... السيد نصر الله، الأمين العام لحزب الله، انضم للعبة مباريات الجوع - hunger games، وأدخل معه في اللعبة عملاء وعناصر وجواسيس من مدارس مختلفة. وفق المعلومات والمعطيات التي وصلته، كما ذكر في خطابه، فإن الحراك الشعبي العفوي قد تسللت له عناصر وأحزاب وعملاء، وهو، بحرصه على الشعب والبلاد، قد نبّهنا من الآتي، من المجهول، من الأيادي الملطخة، من الدماء، وطلب من جمهوره الانسحاب من الساحات، لأنها مقلقة...

بالفعل، انسحب من انسحب، وبقي من بقي.

ندخن السجائر بصمت، نتأمل تمثال الشهداء بنسخته المعاصرة: يد بقبضة حديدية مطبوعة على منصة عملاقة، كتب عليها عبارة "ثورة"، تشعرون أن أصبعها الأوسط يرغب فقط أن يمتد ويقف وجه السلطة وعناصرها وأحزابها.

نستمع لهتافات مبحوحة الصوت تستنكر سياسة الخوف، تحاول أن تلملم مشاعر الثوار من مختلف الشوارع وتعيد العزيمة لنفوسهم، وتطمئنهم أن لا جواسيس بينهم ولا جواسيس خلفهم ولا جواسيس أمامهم. فالتحدي الآن أن نتخطى حاجز الخوف من الآخر، حاجز دعّمه السيد بطاقة كلماته الرمادية اللون، محاولةً منه حجب قوس القزح الشعبي الذي عكس ألوانه على المواطنين كافة، منهم مواطنين داعمين لحزب الله ومقاومته وسلاحه.

ندخن المزيد من السجائر، لتشتعل أمام عيوننا شمعة مغروزة في قطعة كيك تحملها امرأة في الأربعين من عمرها، وأخذ الأصدقاء يغنون "سنة حلوة يا جميل"، وانضمت إليهم الأصوات من مختلف مستويات الدرج.

لا أحد منا يعرف هذه المرأة الفرحة في الساحة، ولكن تلك العدوى كانت سريعة بيننا، فقط لنشعر أننا أقرب من بعض، أننا نتشارك الفرحة ذاتها، أن صوتنا واحد، ونشيدنا هو الاحتفال بعيد ميلاد تلك المرأة المجهولة وكافة النساء المجهولات المشاركات بالثورة، وأولادهن، ورجالهن وآبائهن المجهولين.

تشارك الأصدقاء قطعة الكيك، لتصل إلى امرأة تجلس قربي، فأخذت قطعة الكيك الصغيرة بيديها الناعمتين، وكسرتها، وأعطتني قائلةً: "هل ترغبين قطعة كيك؟" باللغة الإنكليزية، فأخذتها وابتسمت لها، ووضعتها في فمي. وفي هذه اللحظة، عدنا لوعينا.

ماذا يريد منا نصر الله؟ أن نشك ببعضنا البعض في الساحات؟ أن نتهم بعضنا البعض بالخيانة؟ أن يفكك وحدتنا إلى أقسام ليعاد السيطرة عليها؟ هل تلك المرأة التي ناولتني قطعة الكيك عميلة مخابرات؟ هل أنا مجرد دمية بأيادي الإسرائيليين؟ هل تحولت لعميلة تشارك بطريقة غير واعية ولا إرادية بخراب بلادي، وربما بحرب أهلية تدق أبوابنا؟ هل أصبحنا أعداء كل مناصر لحزب الله في الضاحية الجنوبية والجنوب والشمال؟

كم ذلك سهل، وكم سبق رؤيته، وكم ينقصه الإبداع.

لنفترض سياسياً أن هناك عدداً من المحاولات لأخذ الثورة نحو اتجاهٍ آخر، ولنفترض أن خلف تلك المحاولات أجهزة مخابرات أمريكية وإسرائيلية وإقليمية، ولنفترض أننا نتلاعب بالنار، ماذا تفعل بنا أيها السيد؟ هل رمي الثوار في النار هو حل لإبعاد النار عنك؟ هل يخيفك المجهول فتهددنا بالفراغ؟ هل تشك بكل إنسان حر في الساحة فتحول تلك الساحة إلى ملعب للمخابرات.

ربما لا قيمة لخطاب نصر الله التخويفي في مدينة المستقبل. ربما المناصرون لحزب الله، من نساء وأطفال وشبان وآباء لشهداء، الذين انضموا لساحات الحرية، قد انسحبوا منها فقط جسدياً، ولكن عقولهم وروحهم ما زالت مع الثوار. 
 من تذوّق طعم الحرية التي لا أسياد لها، قد يجد طعم الخضوع مراً بعدها. ربما الثورة قد نالت من الأسياد، وقد فات الأوان. ربما الثوار هم الذين ينظرون على أبعد من البعيد.

ربما قد دخلنا في العهد الجديد دون إذن أو مباركة أحد. ربما لا قيمة لخطاب نصر الله التخويفي في مدينة المستقبل. ربما المناصرون لحزب الله، من نساء وأطفال وشبان وآباء لشهداء، الذين انضموا لساحات الحرية (هذه ليست معلومات سرية وإنما وقائع اختبرناها معاً)، قد انسحبوا منها فقط جسدياً، ولكن عقولهم وروحهم ما زالت مع الثوار. فمن تذوّق طعم الحرية التي لا أسياد لها، قد يجد طعم الخضوع مراً بعدها. ربما الثورة قد نالت من الأسياد، وقد فات الأوان. ربما الثوار هم الذين ينظرون على أبعد من البعيد.

إن عدنا بالزمن 40 عاماً من اليوم، وتأملنا أحداث الثورة الإيرانية، التي يعتز بها حزب الله ويعترف بدورها في إيصاله للقوة التي تحصنه اليوم، نلاحظ أن الفراغ كان يهدد الجمهورية الإيرانية عقب بداية الثورة، دون أن يخفف ذلك من عزيمة الثوار، ونرى أن أعداد الثوار لم يكن مؤشراً في بدء الحراك ولا في استمراريته، بل صوتهم الغاضب من الطغاة، وأن الاتهامات بالتواطؤ مع الأجهزة الأمريكية -بغض النظر عن مدى صحتها - طالت الجميع، حتى وصلت لمؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية روح الله الخميني، ورغم المخاوف والاتهامات والاندساسات، استمرت الثورة حتى انهيار حكم الشاه، الذي كان الشعب يعتبره مستبداً وقمعياً وحافر قبور الطبقات الفقيرة بسياساته الخارجية.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard