الثورة اللبنانية... استخدام الفرح والفن من أجل التغيير

الجمعة 25 أكتوبر 201903:47 م

يقول البعض إن الفرح ليس أداة من أدوات الثورة، وإن الثورة لا يجب أن تتحول إلى مهرجان شارع، وينتقد كل مظاهر الغناء والرقص والموسيقى والسهرات التي طبعت أجواء الثورة في لبنان في مختلف المناطق.

يردد هؤلاء أن الثورة يجب أن تكون غاضبة خاصة وأن اللبنانيين يعانون من الجوع والنقص في الخدمات الحياتية الأساسية. ووصل هذا النقاش إلى ذروته بعد قيام راقصة تُدعى سماهر بوصلة رقص شرقي في وسط بيروت.

ولكن كثيرون يرون إمكانية تحقيق التغيير من خلال الفرح، فالثورة فرح بمستقبل يتوق إليه الثائرون، وحالة تطرد التشاؤم واليأس لتصير المظاهر الاحتفالية جزءاً لا يتجزأ من التعبير عنها.

الدبكة اللبنانية... تنفيس عن الغضب؟

يقول حمزة طعمة، 30 سنة، ويمتلك محلاً لبيع القماش والمفروشات، لرصيف22: "نستخدم أسلوب الرقص الفولكلوري في الثورة كي لا نقوم بالتعبير عن غضبنا بالتكسير والتصادم مع القوى الأمنية والآخرين".

برأيه، يساعد الرقص والموسيقى في تنفيس "الستريس لي جواتنا"، ويجعل العالم الخارجي يرى أن الشعب اللبناني يحب الفرح وهذه ثقافته، "فنحن نحب كل ما يجلب الفرح والضحكة واللبناني يعمل طوال الأسبوع كي يخرج ويتسلى ويلهو يومي السبت والأحد".

حمزة وآخرون غيره يعتبرون أن الشعب اللبناني محب للسلام وكاره للإشكالات وأن السلطة تحرمه من الانبساط والفرح و"يحبسوننا في قفص". يؤكد أن اللبناني لن يكتفي فقط بتأمين قوت يومه: "نريد أكثر من ذلك وهذا حقنا، فنحن نريد حياة فيها رفاهية ومتعة".



لذلك يدبك حمزة ورسالته ورسالة المتظاهرين الفرحين للعالم هي أنهم سيزيلون الطبقة السياسية وهم سعداء ومليئين بالفرح، ولن ينجروا إلى ممارسة عنف كالذي تمارسه السلطة ضدهم.


موسيقى التكنو... طاقة وروح مندفعة

نزل شربل فرج الله، 21 سنة، الطالب في الجامعة الأمريكية-اللبنانية في بيروت، إلى ساحتي رياض الصلح والشهداء في وسط بيروت منذ الليلة الأولى للمطالبة بحقوق الناس "لأن الأوضاع مقرفة بالمجمل، وكان لا بد من التضامن مع الشعب"، حسبما يقول لرصيف22.

وبعد أن طلب رئيس الحكومة سعد الحريري مهلة 72 ساعة للتفاعل مع مطالب الناس، وجد شربل أن المشاركين ينتظرون ولا يفعلون أي شيء، ما خلق حاجة إلى وجود جو من الفرح والضحك والأغاني "كي تنسى الناس أوجاعها ولتتسلى".

هكذا، اتخذ مبادرة فردية، ونزل مع شاحنة صغيرة ("بيك آب") يمتلكها ومولّد كهرباء واستأجر صوتيات وانضم إليه أصدقاؤه ومعهم DJ (عمر فرحات- جود) ليقوموا بتسلية الناس. "هذه هوايتنا أساساً"، يقول.


ويعلّق: "صحيح أن هذه الثورة هدفها إسقاط الحكومة لكنها أعادت الحياة إلى وسط بيروت، فالحيوية كانت غائبة عنه والناس لم يكونوا موجودين"، ويضيف: "البعض قال لنا إن هذه ثورة ولا يجب تشغيل أغاني التكنو، لكن مبدأنا هو أن مفهوم الثورة لا يتعلق فقط بالموسيقى والأغاني الثورية، فالمهم أن تبقى الناس في الشارع، وتبقى لديها روح لتنزل إلى الساحة لإسقاط الحكومة".

يرقص المتظاهرون على أنغام موسيقى التكنو التي تلعبها المجموعة، وهي "أغان شبابية وميزتها أنها موسيقى ليل وسهر ومَن يستمع إليها يتفاعل معها بقوة ويرقص معها دون تعب". يبقون لمدة خمس ساعات ويتجمع حولهم حشد يرقص بشكل مستمر وبحماس.


شربل ورفاقه يرون أن الناس تتعب من الصراخ ويصيبها الملل في الساعة الثامنة أو التاسعة ليلاً وما يقومون به يبقيهم في الساحة حتى منتصف الليل وأكثر.

وبرأيه، "المتعة جزء من الثورة، فالناس ليس لديها المال للذهاب والرقص في أماكن أخرى لذلك يأتون إلى هنا لأنه مكان عام ومجاني ويهتفون ‘ثورة ثورة’ بحماسة شديدة".

"يساعد الرقص والموسيقى في تنفيس ‘الستريس لي جواتنا’ اللبناني لن يكتفي فقط بتأمين قوت يومه. نريد أكثر من ذلك وهذا حقنا، فنحن نريد حياة فيها رفاهية ومتعة"... عن أجواء الفرح في تظاهرات اللبنانيين وعلاقتها بالسياسة
موسيقى ودبكة ورقص ومبادرات فنية... كل لبناني لديه أسباب وأهداف نزل من أجلها للتظاهر، واللبنانيون لأول مرة ربما يشعرون بأن هناك أملاً، لذلك يطغى الفرح على اليأس

يعتبر شربل أن "كل ما يجذب الناس إلى الساحة ضمن إطار السلم والحب والفرح هو فن. وهناك دائماً ترديد لشعارات الثورة كي لا تنسى الناس الهدف الأساسي من الحضور إلى الساحات فنحن لسنا في حفلة. إنها مزاوجة بين الرقص والموسيقى والثورة. فالصوت العالي والطاقة المندفعة والروح جزء لا يتجزأ من الثورة".

ذكرى الثورة في كل مكان

فرح فياض، 29 سنة، درست الغرافيك ديزاين. في ساحة رياض الصلح اليوم، تقوم بطباعة عبارات على القماش. أخذت المبادرة مع صديقتها وجلبن آلة طباعة وبدأن بطباعة الشعارات على ثياب المتظاهرين.

يتقدم نحوهن المتظاهرون، يخلعون تي شيرتاتهم ومن ثم تبدأ عملية الطباعة عليها والتي تتطلب دقيقة واحدة أول أقل، ومن ثم يرتدونها. إنها عملية سريعة ومجانية لأنها مبادرة ومساهمة في الثورة من أجل تشجيع الناس.

تقول فرح لرصيف22: "الناس يأتون إلينا ويطلبون طباعة أحد الشعارات الثلاث التي صممها فنانون لبنانيون يشتغلون بالخط العربي. كل فنان رسم لنا شعاراً وتم لصق النموذج أو الكادر على الماكينة". الشعار الأول هو "فكوا" رسمه جوزيف قاعي، والثاني "حاميها حراميها" رسمه خاجاك أبليان، والثالث "الطغيان يزهر عصيان" رسمه كريستيان سركيس.

وتضيف: "لأن لدينا مهارة يمكننا استخدامها، خاصة وأنها مهارة متعذرة على الغالبية، قلنا إنه يجب استعمال مهارتنا لزيادة الحماس ونشر الفرحة، فالمتظاهرون يأتون ثم يرحلون آخذين معهم كنزة مع شعار مطبوع عليها، كذكرى تبقى لديهم من أيام الثورة، وهذا ما خلق جواً لذيذاً عند جميع مَن أتوا".



أما شريكتها في المبادرة سوار قريطم، 27 سنة، وتعمل أيضاً غرافيك ديزانر، فقالت لرصيف22: "الطباعة الحريرية حرفة نحبها. ويستعمل هذا النوع من الطباعة في الحركات الشعبية منذ زمن ويستلزم التحضير المسبق لأنه يشبه تظهير الصور الفوتوغرافية. الجميل في المسألة أننا نعمل بشكل طبيعي وعفوي وتلقائي مع الناس بحيث أن الشعار المطبوع يخولهم المساهمة في نشر الثورة حتى لو لم يكونوا على الأرض مباشرة وذلك من خلال ارتدائهم للكنزات".

وأضافت: "مطالبنا كما مطالب الناس هي إسقاط السلطة الموجودة بسبب الفساد الموجود وصار يجب أن يتغير الأمر لأنه غير مقبول".

وتتابع: "أنا فرحة لأنني قادرة على المساهمة بشيء غير متوقع وجديد في هذه الثورة، كذلك لأن كل شخص عليه أن يساهم بالنقطة القوية التي يتحلى بها، فهناك مَن يرسم الغرافيتي وآخرون يعزفون الموسيقى وغيرهم يرقصون وهكذا ينتشر في الثورة الفرح والسعادة".

تذكر فرح أن كل شخص لديه أسباب وأهداف نزل من أجلها للتظاهر، واللبنانيون لأول مرة ربما يشعرون بأن هناك أملاً، لذلك يطغى الفرح على اليأس، ولا يمكننا أن نلغي الفرح ونعيش في اليأس، و"المبادرة التي نقوم بها تجعل الأطفال يضحكون والناس يبتسمون حتى ولو لدقائق فربما تنهار الدنيا غداً".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard