طرابلس اللبنانية... ثورة الفقراء على حيتان المال

الخميس 24 أكتوبر 201906:26 م

أثبتت طرابلس، العاصمة الثانية للبنان، أنها "حمّالة" رموز. لا يمكن مقاربة ما يجري فيها وعبرها بعين واحدة. حدث الثورة الذي حوّل الأنظار إلى المدينة المنهكة اقتصادياً والقابعة تحت خط الفقر، يضعنا أمام تساؤلات حول أسباب تبني هذا النسيج الاجتماعي، المختلط مذهبياً وطائفياً، للحراك منذ لحظته الأولى، لا بل تحديثه خطابه ولغته.

أرسل الطرابلسيون رسائل معاكسة تماماً لما اتُّهموا به على مدى سنوات، متخذين خطوة عبورهم إلى دولة يشعرون ربما لأول مرة أنهم جزء من تكوينها وتشكيلها، دولة مواطنة ومدنية.

مخاطبة الآخر

من الساحة التي عجت بالشباب والنساء والأطفال، وعبر فيديوهات تُبث على الدوام عبر مواقع التواصل الاجتماعي، نلتقط اللغة المستخدمة عند الطرابلسيين في مخاطبة الآخر، شريكهم في وطن قبلوه على مضض بعد الانتداب، إذ كانت المدينة آخر مَن التحق بلبنان الكبير.

يخاطبون الآخر بسياق شديد البلاغة، ولو على بساطته، لهدم كل الحواجز التي بُنيت بينهم وبين مناطق أخرى، لا يكاد أبناؤها يعرفون عن طرابلس سوى حلوياتها أو حِرفها أو إطلالتها على البحر الأبيض المتوسط في أحسن الأحوال، أو يعرفونها بإسقاطات باطلة، عبر صور ومشاهد سوّق لها الإعلام اللبناني بشراسة في الفترة السابقة، ليُظهرها مكمن الإرهاب والتطرف ومنبته.

لذلك، كانت هذه ثورة الطرابلسيين على صورتهم التي كرست عنهم، ثورة ذاتية على ما أراد كثيرون رميهم به.

وجّه الطرابلسيون تحيات إلى ابن النبطية وصور، ذاك الذي كان على نقيض خيارات بعضهم السياسية أو انتمائهم المذهبي. لغة ملأى بالترحاب والتضامن، كان عسيراً خارج هذه اللحظة السياسية الفارقة من تاريخ البلد أن تعثر على مفرداتها بين الجموع، ليس لأن أهل المدينة بعيدون عن هذا الخطاب، بل لأن لا مكان لأهل السياسة اليوم هنا بينهم. فلا مجال للمال السياسي والديني والرعوي، كي يوزع الأدوار والبيانات والخطابات ولغة الاحتجاج.

الساحة للجموع الغفيرة. يأتي المتظاهرون من قاع الأزقة وبطون المدينة الفقيرة وأسواقها المحزونة، ومن مناطق الضنّية والمنية وعكار والكورة وزغرتا وإهدن، ومن أرياف مربوطة بشرايينها تاريخياً وجغرافياً واقتصادياً.

خرج هؤلاء جميعاً ضد حيتان المال الطرابلسيين أولاً، من رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي والنائبين السابقين محمد الصفدي وروبير فاضل الذين ساهموا في إغراق المدينة بالفقر والتعاسة ودمّروا سمعتها عبر دفع بعض شبابها إلى معاركهم واستخداماتهم ومصالحهم.

الخروج عن منظومة الإعالة

خروج الطرابلسيين اليوم هو خروج عن منظومة سياسية كاملة بَنَت وحوشها على هذه البيئة، خروج عن "الإعاشة" التي كرسها كل من ميقاتي والصفدي والنائب محمد كبارة وقبلهم النائب الراحل موريس فاضل وابنه الذي ورثه برلمانياً، وخروج على سياسة التبعية.

لم تعد هناك طاقة على التحمل. عانت المدينة لسنوات طويلة من الإهمال الحكومي. وصل ميقاتي مرات عدة إلى سدة رئاسة الحكومة ولم يجذب مشروعاً واحداً للمدينة. تبنت المدينة خطاب سعد الحريري وخطه ونهجه في مراحل مختلفة، فبادرها بمزيد من الإجحاف والنبذ.

"يبدو أن طرابلس تفتح صفحة جديدة من تاريخ لبنان الحديث... الهامش اليوم يلعب دوراً مركزياً. والهوامش تصنع الفرق"
"أرسل الطرابلسيون رسائل معاكسة تماماً لما اتُّهموا به على مدى سنوات، متخذين خطوة عبورهم إلى دولة يشعرون ربما لأول مرة أنهم جزء من تكوينها وتشكيلها، دولة مواطنة ومدنية"... عن مدينة طرابلس والثورة اللبنانية

لا مرافق ولا أشغال ولا بنى تحتية ولا طرابلسي في وظائف الدولة من الفئة الأولى. لا بل نقل كل هؤلاء السياسيين صراعاتهم إلى المجلس المحلي حيث اختلفوا على الحصص وعطلوا العمل. زادت مشاهد الإفقار والعبث والإهمال. شوهوا إرث المدينة ومبانيها. ثم ساهموا في تأجيج الشوارع على بعضها، من معارك باب التبانة وجبل محسن، إلى تغذية التطرف والمتطرفين وتعبئة الشارع مذهبياً.

خرجت المدينة بخسائر فادحة من معارك الأسواق. هي مدينة منهكة. شبابها يخرجون من الجامعات إلى الحياة اليومية بلا فرص. كان لا بد أن تكون هذه الثورة من طرابلس. ضرورة تؤكد المؤكد: الهامش اليوم يلعب دوراً مركزياً. والهوامش تصنع الفرق.

فطرابلس تحتمل في بيئتها كل عوامل التثوير. والطرابلسيون إضافة إلى ثورتهم على المال السياسي والسياسيين بشكل عام، يثورون أيضاً على برجوازية المدينة المتلكئة والتي لعبت دوراً مخزياً بحق طبقاتها الأخرى، ويخرجون ضد النخبة الثقافية المنكفئة على ذاتها والمتحولة إلى بؤر لا دور فاعلاً لها.

في النهاية، يبدو أن طرابلس تفتح صفحة جديدة من تاريخ لبنان الحديث.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard