ثورة اللبنانيات... المجد لمَن قلن لا

الخميس 24 أكتوبر 201905:18 م
Read in English

ثورة اللبنانيين هي ثورة المقموعين، ثورة الممنوعين من الكلام، من مقومات الحياة، من التواجد... إنها ثورة الناس الذين لم يكن يحق لهم أن يظهروا في صورة البلد، الذين لا يشبهون "وجه لبنان الحضاري". أسقطوا هذه المقولة الفارغة وأصبحوا هم وجه لبنان. إنها أيضاً ثورة النساء، فهن أيضاً مقموعات، ومحرومات من التواجد.

انتفضت اللبنانيات في هذه الثورة، أثبتن وجودهن في المساحة العامة. "نحن هنا"، ليس فقط واقفات متفرجات بل مدركات تماماً كيف يتحركن فيها بكل ثقة. موجودات أيضاً بالصوت، هتافاتهن تأخذ مساحاتها وتقول نحن هنا، بأريحية تجعل الرجال هم أيضاً يرددون وراءهن.

يرفعن أصواتهن من أجل الحرية ومن أجل المساواة ولإسقاط نظام يقمعهن. يناقشن الآخر بهدوء عند الحاجة، يغنين ويرقصن ويأخذن المبادرة للإقناع متى استلزم الأمر. يضع بعض الشباب مكبراً للصوت يصدح بأغاني جوليا بطرس، تقترب منهم إحداهن بهدوء وثقة، تطفئه وتتفاوض معهم ليسكتوا صوت مَن يعتبرنها جزءاً من السلطة.

نساء في مختلف المناطق، باختلاف خلفياتهن الاجتماعية، خرجن في الشوارع رافضات الظلم اللاحق بهن وبعائلاتهن، بعضهن هنا يرفعن الصوت في وجه المحاكم الشرعية، أخريات معركتهن مع النظام الرأسمالي، ينظرن للغد ويرفضن الحكم العسكري لأنهن يعرفن معنى القمع.

بعضهن ينطلق في ترداد السباب، فالبذاءة كانت محتكرة للرجال وكان يفترض بهن دائماً المحافظة على تهذيبهن، وأخريات يعترضن على الشتائم الذكورية التي تستخدم أعضاءهن للإهانة.

لا يخفن المواجهة مع القوى الأمنية في الأوقات الحرجة. غضبهن متفجر لأنهن يردن كل ما يريده المتظاهرون، ولكنه أيضاً غضب الحرمان من حقوقهن. غضب على عنف ممارسات العقود السابقة ضدهن، غضب على الحرمان من إعطاء الجنسية لأطفالهن، غضب على الحرمان من حقهن بالحضانة غضب متراكم على كل عدم قدرتهن على المشي بأمان في شوارع هذه المدينة، غضب على مفقودين في الحرب لم تستطع الدولة العاجزة كشف مصيرهم.

في كل منطقة، وفي كل شارع، نساء حاضرات ليقلن لا، لا لكل أشكال القمع والحرمان. يشكّلن مجموعات، يتناقشن حول ما يمكن فعله، يتشاورن فيما بينهن، ماذا نفعل لنكمل؟

يواصلن الهتاف ضد النظام وتحية لمناطق الثورات في كل مكان حتى تبح حناجرهن، ينظمن مسيرات في الأماكن السكنية للتواصل مع الناس، يعتصمن أمام المصارف، لا ينسين العامليْن اللذين اختنقا في حريق مبنى ويدعين الجميع لوقفة رمزية لإضاءة شموع رفضاً لاستغلال العمال ونظام الكفالة.

ثورتهن شاملة، ثورة على كل هذا النظام. مجموعة منهن تتداعى لتحضير طعام بسيط للمعتصمين طوال النهار، مجموعة في شوارع البلد وأحياء المدينة ترش الحيطان بشعارات رفض سوليدير وحكم المصرف، مجموعة أخرى ينشئنها للتنسيق بينهن حول قطع الطرقات، لا مهمة صعبة، كل منهن وما تستطيع.

يستيقظن عند الفجر وينطلقن لقطع الطريق، يتوزعن في مجموعات صغيرة قريبة من أماكن سكنهن. يقطعنها بكل طريقة ممكنة، بالجلوس في الطريق، بأخشاب يجررنها من محيط المكان، بعوازل الحديدية على جانب الطريق، بمستوعبات النفايات ويقفن هاتفات مبتسمات للمواطنين/ات لإرشادهم إلى الطرق الفرعية.

"في كل منطقة، وفي كل شارع في لبنان، نساء حاضرات ليقلن لا، لا لكل أشكال القمع والحرمان... لا خوف، أبداً. هي ثورتهن أيضاً على كل هذا الخوف المتوارث. المجد لمَن قلن لا"
"بعضهن ينطلق في ترداد السباب، فالبذاءة كانت محتكرة للرجال وكان يفترض بهن دائماً المحافظة على تهذيبهن، وأخريات يعترضن على الشتائم الذكورية التي تستخدم أعضاءهن للإهانة... عن نساء لبنان وثورتهنّ"

في كل مكان، رجال يحاولون أن يفرضوا أنفسهم عليهن، رجل يسكتهن، شاب يقول لرفاقه: "نحن لازم ننزل نسكر الطرقات، النسوان محلهن بالبيوت مش هون". لا، هن قبله في الطريق.

تجلس إحداهن على دولاب في الشارع وتقول أنا هنا، لن أتحرك لأسمح لأي كان بالمرور. يأتي قاضٍ في سيارته مختبئاً وراء زجاج داكن، يقف مقابلها ويصر على المرور، يتجمعن جميعاً لمنعه وتعلو أصواتهن عليه. يصر على المرور من الطريق المقطوع تحديداً وهن يرشدنه إلى طريق فرعية بإمكانه سلوكها وهو هناك في سيارته يصر على مواصلة السير، تقف أمامه ببرود فيواصل سيره دافعاً الصبية أمامه بكل وقاحة وتبقى أمام السيارة لا تتزحزح بكل شجاعة. يبقى واقفاً ويتصل بالدرك طالباً المؤازرة، أصبح إصراره من باب النكاية، لا يريد أن يتنازل. تأتي دورية لتقنع المعتصمين بالسماح له بالمرور، يجلسون على الأرض جميعهم، ويبدأون بالهتاف ضد الوساطات وضد الامتيازات. تعنّته في وجه ثورتهن على مدى نصف ساعة متواصلة، هنّ العاملات المنتفضات من أجل حقوقهن الاقتصادية والاجتماعية والجندرية وهو ممثل نظام القمع والمحسوبيات والأبوية. ينسحب ولكنه لا يستسلم، يرسل لهن رجال المخابرات.

لن يرضى هذا الذي لم يقف أحداً بوجهه يوماً أن يتنازل من أجل مواطنين وموطنات يفترض أنه يعمل ليحقق لهم العدالة. ذكر يستعمل كل امتيازاته الاجتماعية والسلطوية، لممارسة جميع أساليب القمع الممكنة ضد الثائرات اللواتي استفززنه بحريتهن وجرأة لم يعتدها ويخاف أن تُفقِده سلطته سواء الطبقية أو الأبوية.

يساندن بعضهن، يتكلمن عما يجب فعله للحماية في حال تطور الوضع، قلقهن الوحيد أن يأخذوا أحدنا للتحقيق فيخسر ساعات من جمال هذه اللحظات التاريخية. لا خوف، أبداً. هي ثورتهن أيضاً على كل هذا الخوف المتوارث. المجد لمَن قلن لا.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard