انظر إلى بيروت من الغربة وأسمعها تقول: "يلعن أبو الخوف"

الأربعاء 23 أكتوبر 201908:33 م

عزيزتي ماغي فرح، إن كوكب الانهزامية السوداوية خرج من مدار الثورة، والثورة الآن بألف خير، والثوار أيضاً.

أي أملاك عامة هذه التي يتكلم عنها الجميع؟ التي وضعوا أفواجاً من الشرطة والجيش مستعدين للقتل لحمايتها؟ منذ متى أصبح الحجر أغلى من البشر؟ سؤال كلنا نعرف الإجابة عليه، فالحجر الذي يملكه نائب أو وزير أو سياسي أو "فرقة الزقيفة" المنتمين إليهم والمستفيدين من فسادهم، هم الوحيدون الذين ينهارون مع كل انهيار لزجاج ما.

هذه الواجهات ليست لنا، ليست ملك الناس أبداً، لو كانت ملك الناس، ما كان أحد جاع أو انكسر. تكسير وسط بيروت هي أكبر إشارة إلى أن وسط المدينة ليس للناس، إنما مدينة للأشباح، فارغة ومخيفة كانت، جالسة على قلب الناس.

كل ما أعرفه اليوم أني ضيّعت بيتاً في غربتي، واليوم وجدته للمرة الأولى إلى الأبد

وسط بيروت هو رمز من رموز السلطة، "واجهة حضارية للبنان الموضّب، المرتب، النظيف" بينما تتآكله النفايات وينخره الفقر. واجهة سقطت مع سقوط كل شيء قمعي في خضم الثورات. صدق من قال إن هذه ثورة الجياع، والجياع لا يأبهون للحجارة، إنما للخبز والماء والهواء، كل هذا الذي حرمتنا منه رموز الحرب الأهلية كل هذه السنوات.

مسمّرة إلى شاشتي، أنظر إلى جمال بيروت وكيف هي ممتلئة بالحياة، تعود فيها الجدران إلى الحياة، تلفظ الخوف وترفضه. "يلعن أبو الخوف": تقول، "يسقط حكم المصرف": تقول، "عابرات للثورة": تقول، "هيدا الشارع إلنا": تقول، "قومي بدنا نسقط الحكومة" و"يسقط نظام الكفالة" وغيره من الكلام. واجهات وسط بيروت وجدرانها مرآة للثورة ونارها ليست إلّا النار التي تأكل كل الرموز المخيفة، القمعية والانهزامية.

كلما مرّرت من هناك كنت أشعر بانعدام الأمل، فالأمل أكلته هذه الحيطان، ابتلعته كما ابتلعت أموال الشعب، مصّت دمنا، أموالنا وأرواح أخوتنا. هذه النار التي أحرقت جورج زريق وأحرقت دمه لعدم قدرته على دفع الأقساط المدرسية لابنته، هذه النار التي أكلت أحراشنا في الشوف بينما الدولة تتفرّج، قد عادت إليهم، عادت لتأكل ممتلكات السلطة القمعية، عادت لتسقط الواجهات وتزرع مكانها رموز الحياة والثورة.

من أين أبدأ بالكتابة؟ فالأفكار التي تتسارع في رأسي والحماسة والأمل ينتفضان في قلمي الذي كان مُكبلاً بالرقابة. حتى أقلامنا كبلوها، زرعوا الخوف فينا، في الصحافيين، في المفكرين، في المعبرين عن آرائهم بحرية... ماذا يتوقع "النظيفون" من الشعب؟ أن ينزل إلى الشارع بـ "تهذيب" ونحن "طالع دين أبونا" من "التهذيب" والتخريس. حكومة الـ "بحب قلهن أول شي أنو يخرسوا"، حكومة الاستدعاءات على مكاتب أمن التيار... قصدي أمن الدولة، حكومة أصبع "بيّ الكل" المرفوع في وجه كل من اعترض. أصبع الذكورية هذا ورمز السلطوية، الأصبع الذي قلبه الثوار على نفسه، ومقابله أتت الـ "خُد".

أنا لست من مشجّعي التهذيب، فالتهذيب هو جزء من هياكل المعبد الذي يقول لي أن أكون امرأة مهذبة، يعني أن أتكلم بصوت منخفض وأبلع رأيي، لساني، القمع، الذكورية، الفقر والرأسمالية وأبلع الأمل وأدفنه بأعماقي... وأنا لم أبدأ بعد بالعدّ.

يعيّرنا المهذبون بشرفنا، يعيّرون كل من وقفت في وجههم بشرفها، يرفعون أصبع الأب ويوبخونها: "شرفك، طولك، تاريخك، عرضِك، سدي بوزِك، اسكتي يا فاجرة، يا عانس"... كل هذه الألفاظ سمعناها من السياسيين على مدى سنوات، أهذا هو التهذيب التي تتكلمون عنه؟ إذا كان هو فلقد شبعنا تهذيباً وترهيباً، شبعنا من أصبع السلطة، شبعنا يا "دادي" من كل محاولة الإسكات ومن كل الإهانات، وشبعنا من استعمال أجسادنا كسلاح ضدنا، شبعنا من هذه الترهات.

غير آبهة بالغد، فالغد هو مصدر القلق. أجمل ما في الثورة أنها تُعيدنا إلى الحاضر المسلوب منّا، مسلوب مع أموالنا… نحن جيل من اللبنانيين سُلب منا حاضرنا وهرمنا ونحن نركض وراء الغد، وراء لقمة عيش تهرب منا وتختبئ في جياب "الراقيين، المهذبين"، تيّار الـ "سدّي بوزك ولي".

أريد أن أعيش اللحظة، أريد أن أحضن هذه الثورة ولو من بعيد، لا أريد أن أفكر بغد لم يأت بعد. أريد أن أتملل من الإحباط أني لست في بيروت اليوم، الإحباط الجميل الذي لمرة واحدة منذ سنوات ذكّرني أني أحب بيروت وأحب ثوّارها.

غير آبهة بالغد، فالغد هو مصدر القلق. أجمل ما في الثورة أنها تُعيدنا إلى الحاضر المسلوب منّا، مسلوب مع أموالنا… نحن جيل من اللبنانيين سُلب منا حاضرنا وهرمنا ونحن نركض وراء الغد.

 هؤلاء الخائفون على أملاكهم من الثوار، الحريصون على "وطنهم" الذي يجوّع اللاجئين ويقتل المهاجرين وعاملات المنازل، الذي يُعنّف النساء والعابرين جنسياً، ويعتقل المثليين، هذا الوطن المهذب ليس له مكان في قلبي.

لا أعرف كيف ستنتهي هذه اللحظة، ولا أعرف كيف سنبدأ من جديد أو من قديم، كل ما أعرفه اليوم أني ضيّعت بيتاً في غربتي، واليوم وجدته للمرة الأولى إلى الأبد. هؤلاء الخائفون على أملاكهم من الثوار، الحريصون على "وطنهم" الذي يجوّع اللاجئين ويقتل المهاجرين وعاملات المنازل، وطنهم الذي يُعنّف النساء والعابرين جنسياً، ويعتقل المثليين ويجوّع حتى أهل بيته، هذا الوطن المهذب ليس له مكان في قلبي، أو قلب أحد غير المستفيدين من عنفه. كيف سيكون لنا الوقت للتفكير بالغد والثورة أعادتنا إلى الحاضر وأسقطت القلق الذي يسكننا واستبدلته بالأمل.

يتساءل البعض عن الغد كحتمية لا مهرب منها، طيب ماشي… إذا كان لا بد من التفكير في خطة مستقبلية، فإن الرفيقات في لبنان هن الغد. شخصياً، لا أريد غداً يشبه شيئاً آخر غير ثورتهن.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard