"بكفي تعبنا"... دعوات لإطلاق حراك جديد في غزة وخوف من القمع

الأربعاء 23 أكتوبر 201911:43 ص

على منصات التواصل الاجتماعي الفلسطينية، انطلقت في الأيام الأخيرة دعوات الغزيين للتظاهر يوم الخميس المقبل، في 24 تشرين الأول/ أكتوبر، تحت شعار "بكفي تعبنا"، وذلك اعتراضاً على سوء الأوضاع المعيشية والاقتصادية وبلوغ الفقر مستويات عالية، ولدعوة كل الأطراف بما فيها حركتي حماس وفتح للوقوف أمام مسؤولياتهما تجاه الوضع في قطاع غزة.

ونشر عدد من الصفحات على موقع فيسبوك بياناً باسم حراك شعبي، عرّف نفسه بأنّه مستقل ويقوم عليه فلسطينيون مقيمون في الخارج، حمل دعوة للنزول إلى الشوارع يوم الخميس عند الساعة الثامنة مساءً في أماكن تجمع رئيسية داخل محافظات قطاع غزّة الخمس، يتم تحديدها لاحقاً.

وجاء في نص الدعوة: "آن لغزة أن تصحو، وحان وقت الحساب لكل الذين أوصلونا لهذا الذل، الذين ضللونا وخذلونا من أجل مصالحهم الشخصية. يدعوكم الحراك الشعبي المستقل للتعبير عن غضبكم يوم الخميس القادم". وتم كذلك التحشيد للتغريد على وسمي #عصيان و #بكفي_تعبنا.

تأثير دومينو؟

منذ انطلاق الثورة اللبنانية شهدت مواقع التواصل الاجتماعي الفلسطينية، حالة من التفاعل الشديد مع كل الصور والمواد البصرية الواردة منها، وحاول بعض النشطاء الإشارة إلى الواقع الفلسطيني من خلال الاستئناس بتفاصيل الاحتجاجات وشكلها في "بلاد الأَرز"، كما أن كثيرين احتفوا بحالة الانسجام بين المتظاهرين وتجمعهم على هدف واحد.

يرى الناشط وليد شعلان أنّ الثورة اللبنانية التي انطلقت خلال الأيام الماضية ضد الضرائب وتردي الأوضاع الاقتصادية، جاءت لتكشف جرحاً عميقاً في جسد الشعب الفلسطيني الذي يعاني من الاضطهاد وسلب الحريات منذ أحداث الانقسام الفلسطيني في منتصف عام 2007، مضيفاً لرصيف22 أن "الشعب اللبناني أوجد عند شريحة كبيرة من الشباب الفلسطيني بارقة أمل، ودفعهم للتفكير جدياً في الخروج مجدداً ضد كل الفاسدين".

ويعلق إيهاب المغربي (20 عاماً): "المشاهد التي تصلنا من الثورة اللبنانية رسخت فينا كشباب فلسطينيين مفهوم الأمل وهزمت كل مفاهيم المستحيل التي حاولت الأطراف المختلفة زرعها داخل قلوبنا خلال السنوات الماضية"، موضحاً لرصيف22 أن الأوضاع في فلسطين صارت في الفترة الأخيرة لا تطاق ومعظمها يشجع على الثورة في وجه كل شخص فاسد أو مستفيد من منصبه الذي قد يكون قد تحصل عليه بالأساس بطريقة غير شرعية.

أما الشابة سوار خليل، فترى في الثورة اللبنانية شيئاً مختلفاً ونموذجاً مميزاً يمكن الأخذ به، كونها غير مقيدة بالأحزاب والطوائف، لكنها في ذات الوقت تذكر بأن فكرة انتقال حالة الاحتجاج من لبنان إلى فلسطين قد تكون معقدة في الوقت الحالي، لعدد من الأسباب أولها وجود الاحتلال الذي قد يساهم في إفشال أي تحرك، إضافة إلى أن أية ثورة تحتاج إلى نهضة فكرية وحقوقية ووعي من الجماهير، و"هذه الأمور موجودة لدى الشعب الفلسطيني، لكنها بحاجة لتحريك واستنهاض"، وفقاً لكلامها.

"ضد الظلم"

يروي الشاب سهيل يامن (اسم مستعار) لرصيف22 أن "الفكرة التي لاقت انتشاراً جيداً بين الناس نبعت من حاجة الشعب للتغيير وجاءت كذلك للتعبير عن نبض الشارع الرافض لكل أساليب القمع والإسكات، وهي كذلك امتداد لحراك ‘بدنا نعيش’ الذي جرى في آذار/ مارس الماضي".

ولم يُبدِ الشاب تفاؤلاً كبيراً حول إمكانية نجاح الحراك، وعزا ذلك إلى القبضة الأمنية والشرطية التي صار الناس في غزّة يدركونها جيداً، متوقعاً استمرار دعوات الاحتجاج طالما استمرت الأوضاع بهذا السوء.

من بين الأشخاص المتفاعلين مع فكرة الحراك، كان كريم جودة (23 عاماً)، الذي اعتقل عدة مرات على خلفية نشاطه على مواقع التواصل الاجتماعي، ووُجهت له تهم بالتواصل مع جهات معادية. يشرح لرصيف22 أن تعاطيه مع دعوات النزول إلى الشارع تأتي في سياق الدعوة إلى "رفض الظلم"، منبهاً إلى أن حساباته الإلكترونية تتعرض للتبليغ بين الفترة والأخرى بسبب اعتراضه على سوء الحال.

أما الشاب عبد الرحمن الأغا فيسرد لرصيف22 أن الحراك لو استطاع الخروج يوم الخميس القادم، فهو سيسجل نجاحاً جديداً للشباب الفلسطينيين الذين ما انفكوا يطالبون بإنهاء حالة الانقسام السياسي التي أدخلت الحالة الوطنية في طريق التيه والضياع، وأسهمت في دفع الشباب نحو الهجرة وقوارب الموت، لافتاً إلى أنه يتوقع ازدياد سطوة الأجهزة الأمنية خلال الأيام القادمة لمنع أي تحرك في الشارع، لأن حركة حماس تدرك جيداً أن الشعب إذا خرج فلن يعود إلا بتحقيق مطالبه.

ونوّه الشاب لؤي راغب، والذي يسكن في شمال القطاع، إلى أن السلطة في الضفة الغربية وحكومة الأمر الواقع في غزة، تعملان بشكل ممنهج لتجويع الناس وملاحقتهم في أرزاقهم، وتفضل السلطة تقديم التسهيلات لأبناء "حماس" على حساب باقي المواطنين، ويضرب على ذلك مثالاً في ما نشرته مواقع إخبارية مقربة من الحركة مؤخراً من معلومات تقول إن الحكومة منحت موظفيها تسهيلات مالية لإنجاز المعاملات الرسمية.

وتساءل الشاب الذي يبلغ من العمر 32 عاماً ولم يتسنَّ له العمل في أية مؤسسة حكومية حتى هذه اللحظة، على الرغم من أنه قدم عشرات طلبات التوظيف منذ إنهائه دراسة الدبلوم قبل عشرة سنوات، في حديثه لرصيف22: "إذا كانت التسهيلات تقدَّم فقط لأبناء الحزب، فماذا عن باقي الشعب، أليست الحكومة هي مسؤولة عنه أيضاً؟"، موضحاً أنه سيتعاطى كما في السابق مع أي نزول للشارع وسيعلي صوته للمطالبة بحقه، مع علمه المسبق بأنه قد يتعرض للسجن والإهانة.

حالات اعتقال واستدعاءات

وشهد قطاع غزة خلال الأيام الماضية عدداً من الاعتقالات على خلفيات سياسية، ومن بين الحالات كان المواطن رمزي البرعي الذي اعتقله جهاز المباحث العامة، صبيحة يوم 21 أكتوبر، بتهمة التحريض على مواقع التواصل الاجتماعي والتواصل مع جهات معادية، بحسب حديث مصدر أمني لرصيف22، قال أيضاً إنه يتوقع أن يفرج عنه خلال الأيام القادمة.

ونفى أمين عابد (30 عاماً) وهو صديق مقرب من البرعي، التهم الموجهة له، وقال لرصيف22 إنه لم تكن له أية اتصالات خارجية وما يفعله فقط هو الكتابة على فيسبوك.

خالد الغزالي شاب آخر اعتقلته الأجهزة الأمنية في وقت قريب سابق لدعوات الحراك، وأفرجت عنه مع التحفظ على بعض مقتنياته الشخصية، منها هاتفه المحمول، وطلب منه الضباط العودة لاستلامه في وقت لاحق، وحين ذهب لتسلمه تفاجأ بوجود شكوى ضده مقدمة من ضابط أمن، يدعي عليه بأنّه قام بالاعتداء عليه لفظياً على مواقع التواصل الاجتماعي.

"المشاهد التي تصلنا من الثورة اللبنانية رسّخت فينا كشباب فلسطينيين مفهوم الأمل وهزمت كل مفاهيم المستحيل التي حاولت الأطراف المختلفة زرعها داخل قلوبنا خلال السنوات الماضية"... هل يثور أبناء غزة الخميس؟
دعوات في غزة للتظاهر الخميس، وحركة حماس تتهم الداعين "بزعزعة الأمن والإضرار بالمقاومة"، والتورط بالعمل مع جهات خارجية، "سواء كان بإدراك أو بغير ذلك"

وبعد متابعة دقيقة لتفاصيل الشكوى، وجدت عائلة الغزالي أن عناصر الأمن قاموا بفتح هاتف خالد ودخلوا إلى محادثاته الخاصة التي أجراها في فترة حراك "بدنا نعيش" واستخرجوا منها كل ما يدينه وما تلفظ به ضد أشخاص كانوا يعتدون على المتظاهرين، وقاموا باستدعائهم وطلبوا منهم تقديم شكوى ضده لإيجاد مسوغ قانوني لاعتقاله، وفقاً لما روته العائلة لرصيف22.

ومساء يوم 21 أكتوبر، أرسل جهاز الأمن الداخلي التابع لحركة حماس عدداً من بلاغات الاستدعاء لشباب ونشطاء في الدعوة للحراك الجديد وطالبهم بالحضور إلى مقره لغرض المراجعة بأمر هام، في صبيحة اليوم التالي.

أحد الشباب الذين وصلهم الاستدعاء، وهو من المحافظة الوسطى ورفض الإفصاح عن هويته، عبّر لرصيف22 عن استهجانه الشديد للحملة الأمنية التي يتعرض لها الشباب، وقال: "نحن لم ندعُ لإسقاط حركة حماس، كل ما نطالب به هو حياة كريمة".

وأكد مصدر رفيع في الأجهزة الأمنية العاملة في قطاع غزة لرصيف22 أن المنظومة الأمنية المحلية لن تسمح بتاتاً بأية تدخلات خارجية سلبية في شؤون القطاع، لافتاً إلى أنهم يتابعون عن كثب الدعوات التي يطلقها أشخاص فلسطينيون مقيمون في الخارج على مواقع التواصل الاجتماعي "بهدف زعزعة الأمن والإضرار بالمقاومة".

وأشار إلى أن أفراد الأمن متضررون كذلك من الأزمات الاقتصادية والمعيشية، وحالهم كحال كل المواطنين، لكن الضرورات الأمنية تحتم عليهم القيام بوظائفهم تجاه أي حدث يهدف إلى الإخلال بالنظام العام، نافياً وجود أية حالات اعتقال بحق مواطنين دون اتهامات.

وبحسب كلامه فإن مَن يطلق عليهم الشارع وصف "معتقلين سياسيين" هم بالأساس متورطون بالعمل مع جهات خارجية، "سواء كان بإدراك أو بغير ذلك".

"حالة هوس أمني"

يرى الباحث عزيز المصري أن ارتفاع موجة الاعتقالات من قبل أمن قطاع غزة تجاه الشباب، قبل كل دعوة أو إشاعة تصدر على مواقع التواصل الاجتماعي، للنزول في حراكات مطلبية، تأتي في سياق واضح لحالة الهوس الأمني المسيطرة على حكم القطاع، خاصة بعد أحداث حراك "بدنا نعيش"، مضيفاً لرصيف22 أن "الأجهزة الأمنية تصعد من حملات الاعتقال ضد أيّ شخص تعتقد أنه يمتلك معلومات عن حراك جديد".

ويذكر أنه شخصياً تعرّض في مرات سابقة للاعتقال، فقط بسبب قربه من بعض الشباب الناشطين في معارضة حكم حركة حماس، مستبعداً إمكانية حدوث أي حراك جديد في الأيام القادمة، لأنه يرى بالدعوات المنطلقة على المنصات الإلكترونية مجرد تأثر بالأحداث في لبنان، كما أنه ينبه إلى أن السطوة الأمنية القاسية التي واجهها الشباب في الفترات السابقة، ستقيّد مشاركتهم في الفعاليات القادمة إنْ تمّت.

يُشار إلى أن معدل الفقر في قطاع غزة وصل إلى 75% وفقاً لآخر البيانات الصادرة عن وزارة التنمية الاجتماعية. وتعتمد أكثر من 80% من الأسر الغزّية على المساعدات، ووصلت نسبة البطالة في القطاع بحسب آخر إحصاءات مركز الإحصاء الفلسطيني إلى 53%، وبلغت في صفوف الشباب حوالي 67%.

ويعاني القطاع كذلك من العقوبات التي فرضتها السلطة الفلسطينية في آذار/ مارس 2017، بغرض الضغط على حركة حماس، وتطويعها لأجل إنهاء الانقسام الفلسطيني، الأمر الذي أضر بمختلف مناحي الحياة، وأثّر على السكان بشكل مباشر، وترك كذلك آثاراً على الحالة العامة التي تهتكت لدرجة أصبح الحديث فيها عن الحريات جرماً يعاقَب مرتكبه.

وفي مقال نشره موقع مركز مسارات لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية، جزم الكاتب هاني المصري بأن موجة الربيع العربي التي تعيشها بعض الدول في المنطقة، ستطل عاجلاً أم آجلاً على فلسطين، وأرجع سبب ذلك إلى فساد واستبداد النخبة السياسية الحاكمة، واصفاً الأخيرة بأنها تسعى إلى أخذ حصتها من "كعكة" السلطة والقطاع الخاص والمنظمات الأهلية، وتكتفي بتسجيل المواقف وتحميل المسؤولية للآخرين، وهذا كله يؤكد الحاجة للتغيير.

وذكر أن التجارب السابقة التي ظهرت في موجات الشعب الفلسطيني الانتفاضية المتتالية أكدت قدرته العظيمة على الربط بين الحاجات الوطنية والديمقراطية والمعيشية، ويسوق على ذلك أمثلة متتالية، منها معركة بوابات المسجد الأقصى في القدس، ومسيرات الانتصار لقطاع غزة ضد العدوان الإسرائيلي، أو ضد فرض العقوبات عليه من السلطة، والحراكات المطلبية في كل أماكن التواجد، لافتاً إلى أن كل ذلك يؤكد قدرة الفلسطينيين على مجاراة الثورات العربية بحال أرادوا ذلك.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard