أرى ملامح كويرية في الثورة الشعبية اللبنانية

الثلاثاء 22 أكتوبر 201906:09 م

منذ انطلاق الانتفاضة الشعبية في لبنان، جال في خاطري سؤالان: "هل سيشارك الكويريون/ات في هذه الانتفاضة بشعاراتهم/ن؟" و"هل سيكون لهم حصة في هذا النسيج المختلط المليء بالفرح؟".

كنت للحظة أشك في خروج المثليين والمثليات والعابرين والعابرات جنسياً بشكل علني بعض الشيء. رحت في خوفي إلى مكان أبعد. تخيّلت التعرّض لهم/ن، خصوصاً العابرات/ن جنسياً، في الساحات والشوارع من قبل بعض المتظاهرين، أو ابتزازهم/ن وتعنيفهم/ن لفظياً ومعنوياً وجسدياً، وهذا رائج في بلد لا قانون فيه يحمي هؤلاء.

وظننت أن الخفاء رحلتنا الدائمة في بلاد الأرز، ولغتنا البكماء في التعبير عن حالنا وأحوالنا، لن يخرج عن الخرس الذي نعيشه، في ظل تضخم الاعتداءات على مجتمع الميم. ومع تكالب الزعامات الدينية على برامج جمعياتهم وأنشطتهم وفرقهم الموسيقية، كانت تتضاعف الهجمات عبر الإعلام والبيانات والتحريض على هذه الفئة المهمشة والمظلومة قانونياً واجتماعياً. فكرت للحظة، أنه ربما كما حصل في حراك العام 2015، الذي أحبطته الأحزاب الطائفية، سيكون صوتنا مقموعاً، غارقاً في غمرة الأصوات المتهافتة إلى الخطابات الرنانة والمطالبات المطاطة التي سيقت مراراً إلى غير مكانها.

لا مكان لكاتم الصوت

مجرد متابعتي لناشطين/ات من مجتمع الميم، عبر ما ينشرونه على مواقع التواصل الاجتماعي، بدت لي ظنوني في غير مكانها. فكاتم الصوت لا مكان له اليوم. برزت صور عدة لمثليين يمسكون أيدي بعضهم بعضاً، ولعابرين/ات جنسياً يحملن/ون يافطات ويخرجون/ن بالعلن للتعبير عن أنفسهم/ن.

في هذه الثورة ملامح كويرية، بكل ما فيها من اختلاط وتنويع

وهذا مؤشر أوّل على ما أعتقد أني سأسميه "ملامح ثورة كويرية" لما تحمله من دلالات ورموز وتعدديات ومفاهيم، تجعل هذه الانتفاضة وتثويرها تضمر شكلاً كويرياً. ليس فقط من جهة الكويرية المحصورة في مفهوم النوع الاجتماعي والميول الجنسانية، بل لما تشكّله في الأصل نظرية الكوير.

فالكوير بحسب المنظر ديفيد هالبيرين: "هو كل ضد لكل ما هو اعتيادي وشرعي ومسيطر"، كالمؤسسات والسلطات المحلية والشرطة والزعامات والأعراف والتقاليد المكرسة. وأول ما تفعله "المعركة الكويرية" هو خروجها عن المركز، تشعبها وإعلانها التحرر عن سلطاتها. فالمركزية بكل معانيها ومنطقها وأنساقها، معاكسة تماماً لمبدأ الكويرية المتفاقمة باعترافها بالطرف والهامش والمقموع والمظلوم وغير المرئي، وبالهويات المتفرّعة والمهملة والمسكوت عنها والمحارَبة وغير المعترف بها.

كويرية الخروج من المركز

بدا جلياً أن الحراك الشعبي اللبناني لا يتبع للمركز (بيروت) فقط، وتفجّره في الأطراف والمدن الكبرى (طرابلس، صور، بعلبك، النبطية)، بشكل أساسي، جعلنا نفكر أن الثورة آتية من هناك، من هذه الأمكنة المنسية وناسها المنسيين الذين أثبتوا عملياً أنها انتفاضة متفجّرة من داخل الهوامش. وهذا دليل على اعتراف هذه الثورة في مفاهيمها بتعددية الهوامش وتقاربهم وتعارفهم وتساندهم في الشوارع، رقصاً وهتافاً وشعارات، وتمثيلها، منذ الشرارة الأولى للمهمشين، أصحاب الهويات والانتماءات الضائعة في بلد طائفي وحزبي ومركزي. وبدا من بعض شعارات الغرافيتي التي انتشرت أنها تمثل الكويريين/ات في هذه الحركة المنتفضة، وأنها من ضمن لغتها وخطابها العفوي الذي لم تكرسه إلى اللحظة أي منصة زعيم أو ممثل سياسي أو مدني حتى، فكانت خارج توقعات الطبقة السياسية والإعلام التقليدي الذي يحاول ركوب موجة الانتفاض.

بدا جلياً أن الحراك الشعبي اللبناني لا يتبع للمركز (بيروت) فقط، وتفجّره في الأطراف والمدن الكبرى جعلنا نفكر أن الثورة آتية من هناك، من هذه الأمكنة المنسية وناسها المنسيين الذين أثبتوا عملياً أنها انتفاضة متفجّرة من داخل الهوامش.

الأصوات الجندرية متعددة في حضورها، ووجود أفراد مجتمع الميم، إن كان بظهور مثليين مشبكي الأيادي، أو من خلال ظهور علني لعابرين وعابرات جنسياً وكتابتهم/ن على جدران المدينة، هو أشد دلالة على المعنى الذي تريد هذه الانتفاضة قوله في خروجها عن الخطاب السائد.

"ثورة العابرات"

أتى صوت الكويريين والكويريات هذه المرة، متناسقاً في حضوره واحتجاجه، مع باقي شرائح وأطياف التحرك الشعبي الغاضب من الواقع الذي يعيشه البلد على كل الأصعدة، المعيشية منها وصولاً إلى القانونية. ورغم أن الأصوات الجندرية متعددة في حضورها، فإن وجود أفراد مجتمع الميم، إن كان بظهور مثليين مشبكي الأيادي، أو من خلال ظهور علني لعابرين وعابرات جنسياً وكتابتهم/ن شعارات عدّة على جدران المدينة، هو أشد دلالة على المعنى الذي تريد هذه الانتفاضة قوله في خروجها عن الخطاب السائد.

هذه حال الثورات، تصبح في تعدديتها حمالة هموم ومصائر وأصوات وشعارات ومطالبات مختلطة ومركبة وتتسع للكل في جزئياتها. رأينا عبر مواقع التواصل الاجتماعي ما خطته العابرات جنسياً على جدران وسط بيروت التجاري، علناً وبلا خوف كتبن: "ثورة العابرات"، ثم تلتها غرافيتي أخرى: "ثورة لواط" (أي مثليين)، و "ثورة LGBT". والبلد اليوم، سيكون أشد حاجة في انتفاضته الى شعار: "ثورة العابرات والعابرين". كل أفراد هذا البلد عابرون وعابرات من واقع إلى آخر. ما قبل الحراك الشعبي الذي وصل صداه إلى كل بقاع الأرض، هو ليس ما بعده ولن يكون. نحن في حالة عبور من حال إلى آخر.

ملامح ثورة كويرية

في هذه الثورة ملامح كويرية، بكل ما فيها من اختلاط وتنويع. في احتضانها الكل، الريفي والمديني، الطبقات الدنيا والمقموعة والمهمشة والمكسورة، وكل الهويات والطوائف. ثورة تتناسق رغم اختلاف أجناس أفرادها وأعراقهم وجندرياتهم وانتماءاتهم. هي ثورة كويرية من أجلنا، من أجل الفرد وألوانه وأطيافه، ومن أجل لحظته الحالية والآنية. من أجل التغيير وكسر السائد والحاكم والمتسلط. من لغة وخطاب وسياقات وأنماط وسلوكيات. فكما عادت التعددية في ظهور الشتيمة وظهور الطبقة المسحوقة، في طيف هذه الثورة، أعطت هذه التعددية صوتها أيضاً لكل الهويات المقتولة والمتكسرة، من مثليين/ات وعابرين/ات، كي يخطوا انتماءهم إلى هذا النسيج الحالم.

فكما نزل الناس هذه الأيام بشكل أوسع وأبعد من أحزابهم وطوائفهم، مستقلين تماماً عن خطابات بالية، نزل الكويريون/ات بعيداً عن جمعياتهم ومجموعاتهم وبعيداً عن ظلالهم إلى النور، هاتفين: ثورة، ثورة، ثورة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard