"هل تعمل مع الموساد؟"... اختطاف واعتقالات في صفوف الناشطين العراقيين

الثلاثاء 22 أكتوبر 201905:52 م

لم يتوقع أحد أن ينتشر خبر اختطاف أو اعتقال شجاع الخفاجي، مؤسس صفحة ومجموعة "الخوة النظيفة"، أكبر مجموعة شبابية عراقية على فيسبوك. تتمتع مجموعته وصفحته بتأثير كبير على الرأي العام، فضلاً عن تمتعه هو بعلاقات شخصية واسعة، إلا أن كل ذلك لم ينفعه.

فجر 17 تشرين الأول/ أكتوبر الحالي، دخلت قوة مسلحة منزل الخفاجي، غرب بغداد، واقتادته إلى مكان مجهول. لم تفصح السلطات عن مكان احتجازه، ولم تقدّم أية معلومة حول قضيته التي تداولتها وسائل الإعلام المحلية والدولية بشكل كبير.

كان مؤشر اختطاف الخفاجي مبعثاً للقلق بالنسبة إلى الناشطين والصحافيين والمدونين في العراق ممّن تعرضوا قبل ذلك لتهديدات.

وأتى اختطاف الخفاجي على خلفية حملة القمع التي ووجه بها المتظاهرون العراقيون الذين نزلوا إلى الشوارع في مطلع تشرين الأول/ أكتوبر، والتي استخدمت خلالها قوات الأمن وجماعات مسلحة القوة المفرطة لتفريق المحتجين، ما أسفر عن سقوط 157 قتيلاً، بينهم ثمانية من أفراد الأمن، وبضعة آلاف من الجرحى، بحسب تقرير اللجنة الوزارية العراقية العليا للتحقيق في الأحداث.

"القادم أسوأ"

بعد ثلاثين ساعة تقريباً على اختطافه، خرج الخفاجي، بعد تدخل رئيسي الجمهورية والوزراء بشكل شخصي، وكذلك وزير الداخلية، فضلاً عن زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر ومجموعة من الصحافيين والناشطين المقربين منه.

يقول الخفاجي لرصيف22: "الجهة التي اختطفتني بحسب مشاهداتي لها، كانت غير رسمية. أعتقد أنها تابعة لفصيل مسلح، لكنهم لم يتعرضوا لي بالضرب. سألوني سؤالاً استهزائياً ومضحكاً عن علاقتي بالـCIA والموساد، فضحكت على ذلك".

يضيف: "أتوقع أن يكون القادم أسوأ مما تعرضت له، فربما لا يفكرون باختطافي ثانية، لكنهم سيفكرون بقتلي. الخطر كبير عليّ وعلى زملائي، وربما يلجأ مَن يعتقد أننا عملاء ونريد الفوضى في البلاد إلى أسلوب الاغتيال".

قبل الخفاجي، اخُتطفت مجموعة من النشطاء في الأيام العشرة الأولى من أكتوبر، وهم كل من الدكتور ميثم الحلو، والمحامي علي جاسب، والمحامي عقيل التميمي، والناشط صلاح حسن سلوم، والأخير أطلق سراحه لكن الآخرين ما زالوا مخفيين.

إثر هذه الاختطافات، غادرت مجموعة من الصحافيين والناشطين والمدونين العاصمة بغداد باتجاه إقليم كردستان العراق وعمان وبيروت وإسطنبول. كانت خشية هؤلاء من الاعتقال كبيرة، فهناك معلومات تم تداولها في الإعلام وعلى السوشال ميديا عن وجود مذكرات قبض بحق عدد منهم.

وسجل "بيت الإعلام العراقي" وهو منظمة غير حكومية، ما أسماها "ظاهرة فرار العشرات من الصحافيين" من بغداد ومحافظات الجنوب خلال التظاهرات الأخيرة التي شهدتها البلاد، وقال في تقرير له: "تزامنت مع حملة تضييق غير مسبوقة من قبل السلطات الرسمية على وسائل الإعلام وهجمات نفذها مسلحون مجهولون على قنوات عديدة تضمنت تكسير ممتلكات قنوات وإيقاف بثها، تهديدات مباشرة وغير مباشرة تلقاها عشرات الصحافيين والإعلاميين بسبب تغطية التظاهرات".

يقول حسين الحلو شقيق المختطَف ميثم الحلو لرصيف22: "ما زال مصير أخي مجهولاً حتى اللحظة منذ السابع من أكتوبر. اختُطف من عيادته في منطقة الشرطة الرابعة غربي بغداد عندما كان خارجاً منها. لا نعرف الجهة التي اعتقلته أو اختطفته حتى اللحظة".

"شعرنا بالخطر وغادرنا"

لم تقتصر ظاهرة الاختطاف على بغداد فحسب، فالمحامي الشاب علي جاسب اختُطف في محافظة ميسان جنوبي العراق في الرابع من أكتوبر، أي بعد انطلاق التظاهرات بأربعة أيام، وما زال مصيره مجهولاً. واعتبر نقيب المحامين العراقيين ضياء السعدي أن اختطاف جاسب "جريمة خطرة يجب التصدي لها بقصد كشف الفاعلين ومعاقبتهم وفق القانون".

"عندما سمعنا من مصادر مؤكدة وموثوقة بوجود مذكرات قبض بحق مَن أيّد التظاهرات وكتب عنها، شعرنا بالخطر"... ناشطون وصحافيون عراقيون يلجأون إلى السليمانية وأربيل وبيروت وعمّان وإسطنبول
"أتوقع أن يكون القادم أسوأ. ربما يلجأ مَن يعتقد أننا عملاء ونريد الفوضى في البلاد إلى أسلوب الاغتيال"... مخاوف الناشطين والصحافيين العراقيين لا تهدأ

عام 2015، عندما خرجت الاحتجاجات في العراق، شهدت البلاد عمليتي خطف فقط، وكانتا للناشط جلال الشحماني في بغداد وواعي المنصوري في محافظة بابل جنوب العاصمة وما زال مصيرهما مجهولاً، لكن الاحتجاجات الحالية هي الأكثر رعباً بالنسبة إلى الصحافيين والناشطين والمدونين.

يقول مدون غادر بغداد باتجاه مدينة السليمانية رافضاً كشف اسمه لرصيف22: "عندما سمعنا من مصادر مؤكدة وموثوقة بوجود مذكرات قبض بحق مَن أيّد التظاهرات وكتب عنها، شعرنا بالخطر وغادرت ومجموعة أصدقاء إلى السليمانية. لديّ أصدقاء وزملاء آخرين ذهبوا إلى أربيل وبعضهم إلى تركيا".

ويضيف: "هذه هي المرة الأولى التي نشعر فيها بالخطر، فلم يكن في تصورنا أن السلطات ستتعامل معنا بهذه الطريقة الترهيبية، وإنْ كنا نتوقع ذلك من أطراف أخرى لديها جماعات مسلحة، لكننا أيضاً لم نتوقعه بهذه الطريقة الجماعية".

ويتحدث المدون الذي لا يفكر حالياً بالعودة إلى بغداد عن "عدم قدرة حكومة عادل عبد المهدي على التعامل مع التهديدات التي تطاله وزملاءه"، ويتهم أطرافاً "ضد التظاهرات" بـ"الوقوف وراء عمليات التهديدات التي تطالهم".

"حالة من الرعب"

يقول الناشط المدني وأحد المتظاهرين حميد جحجيح لرصيف22 إن "الأجهزة الأمنية عمدت منذ انطلاق الاحتجاجات عام 2011 إلى انتهاج أسلوب الملاحقات للناشطين المدنيين والصحافيين والإعلاميين، وغيّبت خلال أعوام الاحتجاجات عدداً من الناشطين بشكل قسري دون اعتماد المسارات القانونية والقضائية واستخدمت أساليب العصابات في خطف الناشطين من محال عملهم أو من منازلهم وامتنعت عن إعطاء أية معلومات لذويهم".

ويضيف: "خلال تظاهرات الأول من أكتوبر الحالي وما تلاها، قامت بعض الجهات بارتداء زي القوات الأمنية وخطف عدد من الناشطين واستخدمت طرق التعذيب مع البعض منهم متجاوزة معايير حقوق الإنسان والحقوق المدنية".

يعيش جحجيح الذي يشارك في الفعاليات المدنية والحراك الاحتجاجي منذ عقد تقريباً "حالة من الرعب"، وفق قوله، ما اضطره إلى عدم البقاء في منزله الذي يقع شرقي العاصمة العراقية، والعيش في مكان آخر "خوفاً من عمليات الخطف التي تقوم بها مجاميع مجهولة بملابس حكومية".

توجه الاتهامات عبر السوشال ميديا وعلى لسان عدد من الناشطين في الحوارات التي تجري بينهم، إلى الحشد الشعبي، تحديداً الفصائل المقربة من إيران، لكن الحشد نفى في بيان ذلك، رغم التهديدات التي أطلقها رئيس هيئته، مستشار الأمن الوطني فالح الفياض.

ففي خطاب له اعتُبر تهديداً لمؤيدي التظاهرات، قال الفياض عمّن أسماهم بـ"العابثين": "سنتابعكم ونقتص منكم ولن نسمح لأحد بأن يعبث بدماء أبنائنا والعبث بالتجربة الديمقراطية". وعلى أثر هذا التصريح، خرجت معلومات عن وجود مذكرات قبض أًصدرها أمن الحشد الشعبي، لكن مدير إعلام الحشد مهند العقابي نفى ذلك.

وقال العقابي لرصيف22: "الحشد غير معني بالتظاهرات، وغير معني بملاحقة الصحافيين والناشطين ولم ولن يقوم بذلك، على العكس، نحن كنا طيلة السنوات الماضية داعمين ومساندين للصحافيين العراقيين والأجانب لتغطية المعارك ووفرنا لهم كل ما يحتاجونه".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard