“أنا زادة“... الخطوة الأولى نحو تحرير أجسادنا

الثلاثاء 22 أكتوبر 201903:17 م

التحقتُ بمجموعة من النساء في سيارة "النقل الريفي" في الصباح الباكر جداً، وأنا أعلم أن درساً مهماً ينتظرني مع الأقسام النهائية حول مبدئي اللذة والواقع عند فرويد، أجد هذا الجزء من أهم الدروس التي يمكن أن تُقدّم في المعاهد برغم أن الفرويدية محافظة، ربما لأنها تنتصر للنظرة القضيبية والمركزية الذكورية في مواطن عدة. استيقظتُ من تخميناتي الصباحية هذه على صوت الفتاة الشابة الجالسة أمامي وهي تخاطب أمها قائلةً: "أمي، ذلك العجوز يراقبني، غمزني ثم فرك قضيبه بيده"، أجابتها الأم بصوت غاضب وخافت: "أصمتي ... أصمتي".

اضمحلال الغموض؟

يمكننا أن نفهم العالم سيميائياً. تواجدنا فيه يكون من خلال الرموز والشيفرات التي نتواصل من خلالها، نحن نبني وجودنا انطلاقاً من النُظم التواصلية التي تنتجها مختلف الشرائح الاجتماعية. العديد من الباحثين/ـات قد لا يهمهم/ـن إلا الجانب الشفوي من تواجدنا: الكلام والخطاب فيقتصرون/ـن على التأويل الظاهري للقول؛ لكن من كان لينتبه ذات يوم لخطى أجسادنا في العالم؟ أليس لكل فرد طريقته الخاصة في السير؟ الفتاة والفتى، الكهل والعجوز، الشاب والشابة، كلّ شخصٍ يملأ الفضاء وفقاً للحركة التي يفضلها، لكننا طالما نصطدم بالأحكام التعبيرية التي تدين أجسادنا، يقولون وهم يقطعون الشك باليقين المخادع: انظر، فتى مخنث في سيره، شابة ضخمة مستديرة ومكتنزة تخطو كأنها عجوز في الثمانين، عارضة أزياء فاجرة تفتح ساقيها للإثارة ... وتتنوع أحكام إلصاق العار بأجسادنا.

أيصبحُ تواجدنا الأنطولوجي بالجسد، ومن خلاله وحده، مصدراً للبؤس؟ لماذا عندما كنا أطفالاً لم نستحِ من أجسادنا بينما كلما تقدمنا في السن، أصبحت أجسادنا مصدراً لجلب الانتباه وأداة رئيسية في التواصل المُحتجب؟

جسدي

يصادف أن كلمة جسدي نقية ولا تحمل أي تصنيف جندري أو تمييز مبني على النوع الاجتماعي. أجسادنا هي التي تعكس الأدوار الاجتماعية التي تُرسم لنا بداية من سن معين: أليس الختان صورةً في المخيال الجماعي ورمزاً للاستعداد المبكر للدخول في دائرة الذكورة؟ في المقابل، ألم تطلب الأمهات من بناتهن أن يسترن فروجهن وهن في سن مبكرة حفاظاً على دخولهن سلمياً لعالم الأنوثة؟ ألم نتوهم فعلاً أن بناء الذكورة يفترض أن نحافظ على ميثية "عقدة أوديب"، أين يكون الابن عدواً لصورة أبيه؟ ماذا لو اندثرت صورة الأب التقليدية؟ ماذا لو لم تعد أجسادنا مصدر "الخطيئة الأولى"، وتعفى حواء من المحاكمة الأبدية، ولا يكون تواجدنا على هذه الأرض جُرماً؟

يبدو أن كلّ الشرور تبدأ مع الاشتهاء.

أنا زادة (أنا أيضاً)... صرخة الذاكرة الجماعية ضد كلّ أشكال التحرش والعنف الجسدي

أدهشتني إجابة الأم لابنتها، أحسستُ بألم الفتاة وهي تختنق من العجز الذي أصابها... فتحت الفيسبوك هارباً من واقع الأحداث العينية لأبحر في عالم ذكريات الألم الافتراضي: المجموعة الفيسبوكية "أنا زادة" (me too)، اجتمع عدد من أصحاب التوجهات الجنسية والهويات الجندرية المختلفة للحديث عن تجاربهم/ن مع التحرش، الاعتداء الجنسي، والاغتصاب.... كلّ الفظائع التي يمكن أن تمارس صوّرها رواد ورائدات الحركة التونسية "أنا زادة" في صورة حكاية مؤلمة في أغلب الأحيان، نحزن كثيراً لقراءتها، لكنها هي الحقيقة. إنَّ الإنسان لا يمتنع على أن يكون وحشاً، هذه هي الحقيقة التي تتبادر لأذهاننا.

حقائق تأتينا من أصدقائنا وصديقاتنا وآخرين نجهلهم، نساء وأفراد مجتمع الـ م.ع يقدمون دلائل دامغة حول هندسة الفضاءات التي تقع فيها مختلف الجرائم: إنَّ كلّ خطوة يخطوها الجسد كأنما هو يسير في إمبراطورية الذكورة، هي الديستوبيا الجندرية وسجن الأدوار الاجتماعية وأحكام المجتمع السكيزوفريني. صيحات فزع على مواقع التواصل الاجتماعي تفضح الممارسات التي يعتبرها العامة "تابو" ومخلة بالآداب العامة.

ماذا لو اندثرت صورة الأب التقليدية؟ ماذا لو لم تعد أجسادنا مصدر "الخطيئة الأولى"، وتعفى حواء من المحاكمة الأبدية، ولا يكون تواجدنا على هذه الأرض جُرماً؟

إنَّ كلّ خطوة يخطوها الجسد كأنما هو يسير في إمبراطورية الذكورة، هي الديستوبيا الجندرية وسجن الأدوار الاجتماعية وأحكام المجتمع السكيزوفريني

قصص تأتينا حول شرور الشهوة واحتقار الأجساد وانتهاكها: حكاية اغتصاب طفل (يتم التهكم عليه لأنه مثلي) من قبل حارس المعهد، حكاية تحرش زميل بزميلته في منزل والديه والتسبب بصدمة نفسية للفتاة، حكاية المرأة التي صُدمت برجل في الشارع يلامس مؤخرتها في المقهى، أو أخرى تروي نفس الحيثيات لكن يختلف المكان ليكون في الميترو أو في الكلية، أيضاً حكاية الفتاة التي تعود آخر الليل ويقع التحرش بها أمام منزلها ...

كلّ الروايات تؤكد أن مظاهر العنف المبني على النوع الاجتماعي أو العنف الموجه للنساء متواجد في كلّ مكان. إنَّ الفضاء التونسي تحت سيطرة الخطاب الذكوري الذي قد لا يستحي في الاستنجاد بالخطاب الديني أو الأخلاقي أو التحجج بغياب السلوكيات السليمة الصارمة التقليدية لدحض اللوم عن الذكورية.

"أنا زادة" تحرك تقاطعي رغم أنفه

حادثة صغيرة في جو سياسي مشحون بالصراع والتناحر في تونس أيقظت الوعي الكويري والنسائي وانبجست معه صرخات مجتمع الـ م.ع: انتبهت فتاة أن رجلاً ما (تبين لاحقاً أنه برلماني منتخب حديثاً) أقدم على تتبعها أمام معهدها الذي تدرس به، وأنه في لحظة ما كان يقوم بالاستمناء خلسةً في سيارته، فقامت الفتاة بالتقاط صورة له في تلك الوضعية، ونشرتها على الفيسبوك. تعاطفت أطياف تقدمية مختلفة مع القضية، ولمجابهة اللوم الذكوري أمام هذه الحادثة الشنيعة، تكونت صفحات و مجموعات فيسبوكية تحت شعار "أنا زادة" في تواصل لحملةme too القائمة على الإبلاغ كسلاح نسوي-كويري حديث جداً... لكن الإبلاغ عن ماذا؟

إنه التشهير المستحب على التحرش و الاغتصاب و القلق الذي يلاحق أجسادنا، إنه التواصل الطبيعي والتاريخي لمجابهة البطريركية ضمن الموجات النسوية و الكويرية. إنَّ الربلماني الذي تحرش بالفتاة (وعلى الرغم من أن القانون التونسي صارم في هذه المسألة، حيث أنه يدين كلّ أشكال التحرش، كائناً من يكون المتحرش) كشف عن استبطان السياسيين للوحشية الذكورية والتسلطية. كأنما السياسة هاهنا هي أيضاً قضيبية، تستنجد بخطابات الإسلاميين والمحافظين وتدعوا للصمت النهائي عن مثل هذه القضايا. إنَّ مسار الاشتهاء واللذة يقوم على العنف وعلى التحقير، ويستنجد بمؤيدات مازال من الصعب اليوم أن نقوم بتفكيكها كلياً.

"أنا زادة" هي الخطوة الأولى لتحرير أجسادنا وعقولنا من بطش البطريركية

لكن "أنا زادة" هي الخطوة الأولى لتحرير أجسادنا، وعقولنا على حد السواء من بطش البطريركية في شكل تقاطعي: الجميع اليوم، من مختلف الطبقات الاجتماعية ومن مختلف التوجهات الجنسية والهويات الجندرية، ومن مختلف الأماكن، ومن مختلف المستويات الأكاديمية والثقافية، ومن مختلف الأعراق، يتقاطعون/ـن حول هذا الألم، لكن أيضاً من أجل إعداد أرشيف لجرائم التحرش والاغتصاب وانتهاك حرمة الأفراد، في انتظار سقوط الذكورية البشعة والفظيعة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard