"لو أن سوريا كلها جوقات تغني"... حكاية كورال "دهب عتيق"

الثلاثاء 29 أكتوبر 201902:30 م

كورال دهب عتيق.. سوريات يواجهن الحرب بالحب والغناء

كل يوم أحد تجتمع سيدات كورال "دهب عتيق" في إحدى قاعات مجمع دمر الثقافي بدمشق، يشكلن بجلستهن حرف U ليتوسطهن المايسترو حسام الدين بريمو. الثقة البادية على ملامحهن تؤكد أنهن رائدات في الحياة وصاحبات إنجاز، بين الأربعين والسبعين تتعاقب أعمارهن النابضة بالحيوية والبهجة والأصوات التي تشدو أغاني صباح فخري وشريفة فاضل وفريد الأطرش وغيرهم، بينما المايسترو يصوّب أخطاءهن تارة بصرامة وأخرى ببعض الفكاهة. قماشة سورية مشغولة على مهل، قوامها الفن والمسؤولية والألفة.

عام 2016 كانت بداية كورال "دهب عتيق" الذي ضمَّ ثلاثين سورية قادمات من بيئات وثقافات مختلفة، الطبيبة والمترجمة والمدرّسة والكاتبة وغير ذلك.. جمعهن حب الموسيقى والغناء، فنسجن به مساحة من الفرح والحب يلُذن بها من عبث الحرب وفوضى الدم، غير آبهات بما أثقلته الأزمة السورية على أهلها، فتحدَّين القذائف وبرودة الطقس وانقطاع التيار الكهربائي، بأغطية وأكياس ماء ساخن وكثير من الحماسة للغناء، الأمر الذي أثمر كياناً موسيقياً فرد مساحته الخاصة وأقام حفلات أطربت الجمهور السوري التائق لفرح يزيح بعض همّه.

دهب عتيق، عبارة تشير إلى النوع الموسيقي الذي تغنيه الجوقة، متكئةً على التراث الفني الأصيل، بهدف إيصاله إلى الأجيال اللاحقة، ليؤكدن أنهن أيضاً جواهر عتيقة، يزداد لمعانها وجمالها كلما مر عليها الزمن، بفضل الهمّة والحياة التي تشع من كل سيدة في الجوقة.

رحلة دهب عتيق

لميس يوسف، مدرّسة في كلية الصيدلة بجامعة دمشق، تهوى الموسيقى وتغني منذ كانت طالبة في الجامعة، انضمّت لمبادرة "طريق النحل"، وهن مجموعة من السيدات اللاتي يعملن في تدوير الأقمشة المستعملة، عبر ورش ومعارض، منذ 5 سنوات، وهي إحدى السبل المجتمعية لتلبية حاجات الناس في ظل ظروف الحرب القاسية، ومن بين أولئك النسوة المثابرات خرجت فكرة تأسيس مشروع فني تنموي تشارك فيه سيدات سوريات من مختلف المناطق والتوجهات، طالما هنّ محبات للموسيقى وموقنات بأهميتها في خلق السرور.

تتابع لميس روايتها حول جوقة "دهب عتيق" التي قامت على إحياء التراث الموسيقي القديم وإيصاله للأجيال اللاحقة: "استضافنا مجمع دمر الثقافي لتنفيذ التدريبات، كنا لم نتجاوز الـ10 سيدات، استلم قيادة الفرقة المايسترو حسام الدين بريمو، وبدأت التدريبات بمسؤولية كبيرة وهمّة لم تثبطها ظروف الحرب وأعباؤها الثقيلة، قذائف وبرد وانقطاع للتيار الكهربائي، ما دفعنا لاصطحاب أغطية الصوف وأكياس المياه الساخنة كي نقدر على الغناء خلال التدريبات".

"الكورال أكثر ما احتجته في السنوات الماضية لمواجهة ظروف الحرب وتمضية أوقات مليئة بالإيجابية والمتعة، وفق نظام أطبقه دون أن يشعرني بالقيود": تقول يوسف، مؤكدة أنها تهوى العمل الجماعي لما يحقق من إنجازات يصعب على الفرد تحقيقها، الأمر الذي يجسده الكورال، تضيف: "إلى جانب الغناء أمارس رياضة اليوغا، فشجعت صديقاتي في صف اليوغا للالتحاق بالكورال، كذلك زميلاتي في الكورال لممارسة اليوغا، الأمران يقومان على الذوبان في العمل الجماعي والبعد عن الأنا وتقديم شيء جميل للغير".

لم تكن هناك معايير محددة للالتحاق بالكورال بدايةً، فقط أن تحب الموسيقى والغناء، فيما بعد وبهدف رفع سوية الكورال، وضعت معايير تخضع وفقها المتدربات لاختبار قبل الالتحاق بالكورال، منها أن تملك أذناً موسيقية والقدرة على الأداء والالتزام، يقيّمها الأستاذ حسام بريمو.

"دهب عتيق" كورال غنائي يضم عدداً من السوريات القادمات من بيئات وثقافات مختلفة، جمعهن حبّ الموسيقى والغناء، فنسجن به مساحة من الفرح والحب يلُذن بها من عبث الحرب وفوضى الدم
"الفردانية سيطرت على الغناء فترة من الزمن وحان الوقت لعودة الغناء الجماعي، أملاً بانتشاره في أنحاء سوريا": المايسترو حسام الدين بريمو

حكاية أخرى

كانت جاكلين فرح موظفة في السفارة الفرنسية بدمشق لـ 26 عاماً، بعد تقاعدها وإنهاء مهامها كمربية وربة منزل أيضاً، باتت تمضي وقتها في مبادرات مجتمعية وفنية، أحدها كورال دهب عتيق. لطالما أحبت الغناء منذ نشأتها في عائلة امتلك أفرادها القدرة على الغناء الصحيح، وأطربتها الموسيقى في المناسبات والتجمعات.

السيدة السبعينية إحدى مؤسِّسات كورال دهب عتيق، قدِمت من مبادرة "طريق النحل"، وواجهت كغيرها الكثير من المتاعب في سبيل استمرار الكورال، حول ذلك تقول: "الجوقة تستحق الالتزام والمثابرة، خاصة أنها تشكّل منصّة للفرح والجمال لا أستغني عنها، فهي تجمعني بسيدات ربما يختلفن معي في التوجهات والأعمار لكن حب الموسيقى والغناء شيّد بيننا جسراً من الألفة والانسجام، لنرسم صورة عن سورية الحاضنة لجميع السوريين بمختلف أطيافهم وثقافاتهم".

قدم كورال دهب عتيق حفلات عدة على مسرح دار الأوبرا ومجمع دمر الثقافي بدمشق. الوقوف على المسرح والغناء أمام الناس، "لحظة يتجلى فيها كل الفخر والسرور لما تبثّه الجوقة من سعادة ومتعة في قلوب الجمهور": تقول جاكلين فرح، غير غافلة أهمية التواصل وقتها مع المايسترو حسام بريمو كي تحقق الجوقة المأمول منها وتنشر نثار ذهبها على مسمع ومرأى الجميع.

الفن بوجه الحرب

قائد الفرقة المايسترو حسام الدين بريمو يثمّن التزام المغنيات ومسؤوليتهن اتجاه الفرقة والتدريبات، "فهن قائدات في بيوتهن وصاحبات القرار، في حين يمضين 90 دقيقة أسبوعياً بانضباط وفق قواعد الفرقة وهو أمر ليس بالسهل"، مؤكداً لرصيف22 أن "مغنيات دهب عتيق رائدات في أعمالهن على اختلاف ثقافتهن وتطلعاتهن، يتركن كل ذلك وراءهن ويأتين لرسم هذه المساحة من الجمال والحب".

حسام الدين بريمو يقود فرقة "دهب عتيق"، كذلك هو مؤسس وقائد للعديد من الجوقات الموسيقية السورية، أهمها "كورال لونا" الذي يضم خمس جوقات أخرى منها جوقة ألوان وجوقة شام وجوقة ورد، قدّم برفقتها حفلات عديدة في أنحاء سورية والعالم.

المدرس في المعهد العالي للموسيقى يدرك أهمية الغناء الجماعي وأثره في تشكيل الوجدان الجمعي للشعوب والتآلف فيما بينهم، وأن الجوقات تعكس حالة المجتمع السوري القائم منذ آلاف السنين على حالة الاجتماع، لافتاً أن الفردانية سيطرت على الغناء فترة من الزمن وحان الوقت لعودة الغناء الجماعي، آملاً بانتشاره في أنحاء سوريا: "لو كان للسوريين في كل أنحاء البلاد جوقات تغني مع بعضها لكان حجم الحب أكبر، ولكان هاجس البغض أقل، وبل وقدرة الآخرين على جعلنا نفتك ببعضنا أقل بكثير".

السائر في شوارع دمشق يلمس بما لا يدعو للشك، العبء الثقيل الذي أرخته الحرب على الجميع، عبء يتجلى على ملامح الوجوه وتفاصيل الحياة. ووسط هذه العتمة ثمّة من يسعى لنشر الغبطة والمتعة عبر الفن، ليجسد كورال "دهب عتيق" مقولة المؤلف الموسيقي والكاتب الألماني ريتشارد فاغنر: "عندما لم تعد الحياة تقوى على إعطائنا أي شيء نصرخ بوجهها بالفن".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard