"اسق العطاش"... الموسيقى في زمن التغيّر المناخي والثورات

الثلاثاء 22 أكتوبر 201903:34 م

يا ذا العطاء

يا ذا الوفاء

يا ذا الرضا

يا ذا السخا

اسق العطاش تكرما

فالعقل طاش من الظما

واحد من روائع الموسيقى العربية الكلاسيكية وذخائرها النفيسة "اسق العطاش"؛ من جنس الموشّحات، على نغمة الحجاز. اقترن بمدينة حلب نهاية القرن التاسع عشر، وإن تضاربت الأخبار عن أصله ومنشئه. يقال إن الشيخ "محمد الورّاق"، منشد الزاوية الهلالية، من نظمه ولحّنه، وإن الموسيقار "عمر البطش" من حفظه وحفّظه، والكمنجاتي الحلبي "توفيق الصبّاغ" من أصّله ودوّنه.

بيد أن جذوره قد تعود به إلى القرن الرابع عشر ميلادي، حيث وُجد في مخطوط نُسب إلى المتصوّف التونسي "سيدي العارف علي وفا"، صاحب الطريقة الشاذلية والتي كانت مألوفة لدى أهل حلب، ومنهم من اتبعها وسار عليها. أبيات الموشّح الأول تضرّع إلى الله: "يا ذا العطا، يا ذا السخا، اسق العطاش تكرّما، فالعقل قد طاش من الظما. واسقنا يارحمان من منحل الإحسان غُربا الأوطان".

يستلهم الموشح شعراً ومقصداً، صلاة الاستسقاء الإسلامية، وهي صلاة جماعة من ركعتين يؤمّها إمام. تقام في أيام الجفاف وانحباس الغيث. في السياق التاريخي، لا تبدو محض صدفة عارضة إن تداول الناس تلك الأبيات في فترة ما بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر ميلادي، حين رزح الشرق الأوسط تحت موجة تغيّر مناخي شديدة الظل.

موجة أتت على رقعة واسعة مما كان يشكل البقاع الجنوبية والغربية في السلطنة العثمانية: غرب الأناضول، الشام وحتى شرق البلقان، عانت جميعها من جفاف، أعقبته مجاعة، أفضت إلى نشوب الفوضى والانتفاضات الشعبية، سوء العلاج والإدارة من جانب الباب العالي جعلها في النهاية تساهم في أفول الخلافة.

تعود التقلّبات المناخية تلك إلى تبعات ما يعرف بالعصر الجليدي الوجيز Little Ice Age، حين سادت شمال الكرة الأرضية حالة برد وصقيع مستمرة، دفعت برياح جافة قارسة نحو شمال شرق المتوسط، أنتجت جفافاً وقحطاً شديدين. في مسعى لاحتواء الآثار الاقتصادية والاجتماعية، عمدت السلطنة العثمانية إلى حثّ الناس على ترك الأرياف واللجوء إلى الحواضر.

 "ألمّ العطش والجوع بالبشر، أصابهم الفقر، امتلأت قلوبهم بالحقد والضغينة، ثارت نفوسهم بعد أن عمّ السلام وسادت العمران السكينة".... هل ندرك تأثير المناخ في حياة شعوب المشرق العربي وثوراتهم من سقوط مملكة أكاد 3000 ق.م.، إلى تفكك الامبراطورية العثمانية وثورات العالم العربي اليوم؟ 

يستلهم واحد من روائع الموسيقى العربية الكلاسيكية "اسق العطاش" شعراً ومقصداً، صلاة الاستسقاء الإسلامية في فترة ما بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر ميلادي، حين رزح الشرق الأوسط تحت موجة تغيّر مناخي شديدة الظل

أضرم هذا التوجه النار في الهشيم. أخلّ بالتوازن الديموغرافي، اكتظت المدن وعجّت بالجوعى الهاربين، تاركين وراءهم الأرض بلا زرع ولا عناية، باتت الأحياء تعاني من انتشار البطالة واستفحال الأوبئة، في غياب الرعاية الطبية والمرافق الصحية. أدى هذا إلى تفاقم المجاعة وساهم في استشرائها بدلاً من احتوائها، اندلعت الاحتجاجات والاضطرابات في كل مكان.

لعب التغير المناخي دوراً حاسماً في سيرورة الحياة على مدى الشرق الأوسط، سواء في الإقليم الشامي أو عند السهول الخصبة مابين الفرات ودجلة. منذ ظهور الإنسان العاقل على تلك البقعة من الأرض، حرّك المناخ دورة الازدهار والانحدار لكثير من الحضارات والممالك التي قامت وتأسست ثم زالت واندثرت.

قبل عشرة آلاف عام، بتأثير موجة ارتفاع حرارة سرت عقب العصر الجليدي الكبير الذي غطى النصف الشمالي للكرة الأرضية بالثلج، عم بلاد الشام والرافدين طقس حسن وخير، سوف يروي تربة داكنة شكلتها الأمطار ورسوبات الأنهار، لتنبت فيها بذور ما صار يعرف بالثورة الزراعية الأولى.

مكنت الوفرة البيئية "النطّوفيين" أهل الصيد وجمع الثمار من النباتات والأشجار من الإزدهار، كما شجعتهم على المضي قدماً في التحضر والاستقرار، ممهدة بذلك لنشوء المستوطنات الزراعية المبكرة، فبات الانسان يرعى الحيوان ويزرع البذور ليحصد المحصول، يخزّنه على مدار الفصول. في أجواء كتلك شهد التاريخ ظهور"أوروك" أولى المدن 3000 قبل الميلاد.

دار الزمان ليحل على المنطقة وبال مناخي سوف يعرف بـ Hiatus Palestinian ليحرف التاريخ. انتابت فترة النعيم موجات متعاقبة من الجفاف وندرة الأمطار، كان لها أن قضت على حضارة "أكاد"، واحدة من أعتى الممالك القديمة لمنطقة الجزيرة الواقعة في بلاد الشام، إبان الألف الثالثة قبل الميلاد.

الدخان في كل مكان. سواء لحرائق ناجمة عن حروب أهلية في بلدان عربية كاليمن وسورية، أو بيئية في جرود لبنان، المظاهرات تعم المكان في بغداد وبيروت بعد أن ظنّ من نجا من الطُغاة أن الربيع قد ولىّ وانقضى إلى غير رجعة... الأمر المحزن هو إن كان للتغيّر المناخي أي دور فيما يجري اليوم، فإنه هذه المرة من تدبير بني البشر

"لعنة أكاد" قصيدة تعود إلى قرن عقب سقوط المملكة، تتحدّث عن "نارام - صين" حفيد "صارغون" ملك أكاد العظيم، الذي أغضب إله المطر بتدميره معبداً شُيِّد ابتهالاً إليه، فامتنعت الغيوم عن الإتيان بالمطر، مات الزرع وما عاد يحمل الثمر. ألمّ العطش والجوع بالبشر، أصابهم الفقر، امتلأت قلوبهم بالحقد والضغينة، ثارت نفوسهم بعد أن عمّ السلام وسادت العمران السكينة.

اليوم، وإن تبلورت الثورات في مطالب سياسية جلية، على رأسها إنهاء الاستبداد والقضاء على الفساد، ونيل الكرامة والحرية، في المقابل، فإن تفاقم الظروف المناخية على مدار قرابة نصف قرن مضى، أرسى في سائر البلدان العربية بيئة اجتماعية واقتصادية حقنت الناس بشعور اليأس المزمن، ممزوجٍ بحال من الغضب العارم والتململ الشديد.

وكأن بالتاريخ يعود من جديد، عقود من الزمن سجلت فيها مستويات مريعة من الجفاف، قوبلت بسوء إدارة الحكومات، وافتقار إلى خطط مديدة تواجه بها خطر شحّ المطر والتصحّر على الأمن الغذائي والسلم الأهلي العربي، وبالنتيجة، دفع سكان المناطق الزراعية نحو المدن، لتُريّف الأخيرة وتحاط بأحزمة بشرية فقيرة ضيّقت الخناق على طبقة وسطى ما فتئت في الأصل تتقلص وتتلاشى.

الدخان في كل مكان. سواء لحرائق ناجمة عن حروب أهلية في بلدان عربية كاليمن وسورية، أو بيئية في جرود لبنان. المظاهرات تعم المكان في بغداد وبيروت بعد أن ظن من نجا من الطُغاة أن الربيع قد ولىّ وانقضى إلى غير رجعة. أكثر من مليون لاجئ دخل أوروبا منذ عام 2015، الأمر المحزن هو إن كان للتغيّر المناخي أي دور فيما يجري اليوم، فإنه هذه المرة من تدبير بني البشر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard