"ثرنا ضد احتكار الجنة والنار"... "إيكاون" موريتانيا ينتفضون

الاثنين 21 أكتوبر 201908:05 م

فرضت هبّة شريحة إيكاون الموريتانية (شريحة الفنانين) نفسها كأهم القضايا الجدلية في موريتانيا خلال الأيام الماضية، وأتت بعد انتشار تسجيل صوتي لشخص مجهول يتهم أبناء هذه الشريحة بأنهم يدعون للشيطان والفجور.

أبناء إيكاون اعتبروا أن هناك مَن يدعو إلى تكفيرهم، ما سبب الكثير من الغضب بينهم وفي أوساط وكذلك النخب والنشطاء على شبكات التواصل الاجتماعي.

وظهرت دعوات للتظاهر ضد خطاب الكراهية الموجه ضد شريحة إيكاون، وطالب أكثر من فنان وفنانة الجماهير الموريتانية بالنزول للتظاهر مناصرة لهم ورفضاً لما يتعرّضون له.

التسجيل الصوتي ليس السبب الوحيد

"منذ سنوات وفئة إيكاون تتعرض للتجريح، وتسكت دون كلام أو رد فعل، لكننا قررنا الكلام والثورة". هذا ما قاله الفنان الموريتاني أعل ولد أيده لرصيف22، تعبيراً عن غضبه مما يتعرض له إيكاون.

يؤكد الفنان أن التسجيل ليس السبب الوحيد، وسرد تفاصيل وأسباب هذه الهبة: "كانت البداية مع وفاة ديمي منت ابه رحمها الله، حين اعتذر إمام الجامع الكبير أحمدو لمرابط ولد حبيب الرحمن عن الصلاة عليها، وقال إنه مصاب بإسهال. هذا ما قال حينها، وصلى عليها السفير والوزير السابق محمد محمود ودادي، وكان الأمر ساعتها عادياً. وبعد ذلك، سمعنا تسجيلاً صوتياً من الداعية محمد ولد سيدي يحيى، يقول فيه إن ولد حبيب الرحمن ادعى أنه مصاب بالإسهال وهو لم يكن مصاباً بأي شيء، لكنه لا يمكنه الصلاة عليها، و"سمعنا التسجيل وصمتنا عن القضية، وقلنا إنه يمكن تجاوزها وقد تكون كذباً".

وواصل سرد القصة: "قبل عام أو اثنين حدث وتحدث ولد سيدي يحيى مجدداً، وقال إنه لم يشاهد في حياته أي إيكيو، وكأن رؤية إيكيو تقتل أو حرام أو مشينة، وقبل أيام، توفي الفنان الكبير سيداتي ولد آبه، ورفض ولد حبيب الرحمن الصلاة عليه وقال إنه خارج العاصمة في البادية، ورجع مجدداً إلى الواجهة حديث ولد سيدي يحيى عن أن ولد حبيب الرحمن لا يمكنه الصلاة على ديمي، وحين لم يصلِّ على سيداتي، فهمنا أنه يرفض الصلاة علينا نحن كإيكاون".

ديمي منت ابه

وتعتبر ديمي منت ابه أشهر فنانات موريتانيا وأكثر مَن تحظى بالإجماع على جمال صوتها، والأشد تأثيراً في وجدان الموريتانيين، وولدت في 25/12/1958 في ولاية تكانت وتوفيت سنة 2011. أما سيداتي ولد آبه فيعتبر من أبرز الفنانين الموريتانيين وهو ملحن وعازف نشيد الاستقلال.

ويقول أعل ولد أيده: "لهذا ثرنا نحن كإيكاون حتى نعرف هذه الجنة أو النار التي يتسيدها ولد حبيب الرحمن الذي يعتبر أن مَن يصلى عليه يدخل الجنة ومَن لا يصلي عليه يُحرم منها، وأنه هو فاضل ولا يصلي على غير فاضل، وكأننا نحن مجموعة من الهمج".

وتابع: "في خضم هذا الجدل، ظهر تسجيل صوتي لشخص مجهول يقول إننا كاليهود، يعلمون أن الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله لكنهم لا يصدقون بذلك. بعبارة صريحة كفّرنا، ولولا كلام ولد سيدي يحيى وفعل ولد حبيب الرحمن لما تم التجرؤ علينا بمثل هذا، فنحن مسلمون ونشهد أن لا إلا إلا الله وأن محمداً رسول الله".

شعور بالتهميش

يعتبر أبناء إيكاون أن حالهم تغّير وأنهم يعانون اليوم من التهميش، وقال ولد أيده: "كانت فئة إيكاون من علية القوم، فعند حدوث الحرب كان رئيس القبيلة أو أميرها يذهب برفقة إيكاون في الصفوف الأمامية، ولم يكونوا يقتلون في الحرب، ودورهم المناط بهم هو الحفاظ على سمعته وعلى تقاليده وتراثه وفخره وأمجاده".

وقفة الفنانين الموريتانيين "إيكاون" أمام القصر الرئاسي

ويشير إلى أنهم اليوم لا ينصفون لا من المجتمع ولا من السلطة، وقال: "اليوم لا يوجد إنصاف لهذه الشريحة لا من المجتمع ولا من السلطة الحاكمة، فاليوم لا يوجد أي إيكيو حاكم أو والٍ ولا وزير ولا مدير عام، رغم أن فيهم كفاءات".

"منذ سنوات وفئة إيكاون تتعرض للتجريح، وتسكت دون كلام أو رد فعل، لكننا قررنا الكلام والثورة"... أبناء شريحة إيكاون الموريتانية يعتبرون أن هناك محاولات لتكفيرهم، ويعبّرون عن غضبهم
"يمنحون الطرب للحزين، ويرسخون قيم الفتوة، بمدح الفضائل، وذم الرذائل، فينفخون الشجاعة حتى في روح الجبان، ويبسطون بالعطاء حتى يد البخيل، ويرققون عاطفة القساة"... أبناء شريحة إيكاون الموريتانية يثورون ضد التمييز بحقهم

وأكد أن علاقة إيكاون مع السلطة الدينية والعلماء عبر التاريخ لم تشبها شائبة، وقال: "كان هناك تبجيل متبادل، بين إيكاون والعلماء والصالحين، ويصلون عليهم".

ولفت إلى أنهم يتبنون الآليات السلمية، واتخذوا إلى جانب الاحتجاجات مساراً قانونياً، إذ تقدم مجموعة من إيكاون بشكاية ضد مجهول، كان المتحدث في التسجيل الصوتي من ضمنهم.

وفي15  تشرين الأول/ أكتوبر، نظم مجموعة من المنتمين لشريحة إيكاون ومناصريهم، وقفة احتجاجية أمام القصر الرئاسي رفعوا خلالها، شعارات تطالب بإنصافهم.

وبعدها ظهر تسجيل صوتي للإمام ولد حبيب الرحمن أتى على خلفية لقاء جمعه مع بعض المنتمين لشريحة إيكاون في بيته، قال فيه: "بخصوص المرحومين، المرحومة ديمي منت آبه والمرحوم سيداتي ولد آبه فقد أديت حقهما علي في السابق لما علمت بوفاتهما، من الدعاء لهما والترحم عليهما، لأنه حق من المسلم على أخيه المسلم إذا سمع بموته وهذه أمانة أديتها لرب العالمين جل جلاله. أما والآن وقد حضر الموجب، فأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يتغمد ديمي وسيداتي ولد آبه وسائر مَن مات من سلفهما ومن جميع المسلمين أن يتغمده بنعيم جنته وأن يرفع درجته في المهديين"، مديناً التسجيل الذي تم تداوله ومؤكداً على رفضه للتكفير.

وقفة الفنانين الموريتانيين "إيكاون" أمام القصر الرئاسي

وأكد أحد الذين حضروا اللقاء أنه قال لهم إنه لم يرفض الصلاة على ديمي ولا سيداتي ولد آبه لكن هناك ظرفاً قاهراً طرأ عليه في حالة ديمي، وفي حالة سيداتي ذهب إلى نواكشوط لكنهم اتصلوا به وهو في منتصف الطريق وقالوا له إن الجنازة وصلت إلى نواكشوط فقال لهم أن يعجلوها، فالمندوب هو تعجيل الجنازة، ورجع مع طريقه.

من هم إيكاون؟

تتعدد فئات وشرائح المجتمع الموريتاني وتقسيماته وإيكاون إحداهن. وفي مقال بعنوان الموسيقى والغناء والرقص الموريتاني، لهـ.ت. نوريس، قال: "كلمة إيكيو مستعارة من المجتمعات التي وراء النهر (نهر السنغال). ففي أصلها (كبول) في لغة ولوف (وكالو) بلغة توكولير. الشكل الموريتاني للكلمة له الطابع الزناكي كما يظهر في صيغة التأنيث (تيكويت) وجمعها تيكاواتن".

وقال الباحث الدكتور أدي ولد آدب لرصيف22: "المجتمع الموريتاني، رغم صفة السيبة الملازمة لنشأته، في غياب سلطة الدولة الجامعة المانعة، ألهمته فطرته الاجتماعية أن يتبنى تشكيلة شرائحية، بحيث تلبي كل طبقة من شرائحه حاجة وجودية، لا غنى له عنها، فكانت فئة ‘إيكاون’ (الشعراء المغنون) تقوم بتلبية الحاجة الروحية إلى الطرب، في تلك البيئة القاسية، وتسخر الشعر لتلك المهمة، وللدعاية الإعلامية، تكريساً لقيم الفتوة، بكل ما تكتنزه من كرم وشجاعة، ونبل، وتقوى، وتنفيراً من كل نقائضها المذمومة، هذا في الوقت الذي كانت هناك أيضاً طبقة تنتج المعرفة والعرفان والتدين، وأخرى توفر الحماية والدفاع الحربي، وثالثة تتولى إنتاج الأدوات الصناعية الضرورية لمختلف أوجه الحياة، ورابعة تقوم بتربية الحيوانات، وفلاحة الأرض، وبقية أعمال السخرة اليدوية".

وأشار إلى أن إيكاون يمتلكون هوية تميزهم: "كان قدرهم أن يتوارثوا هوية الشاعر المغني، حتى لو لم تكن لديهم الهواية، ولا الموهبة، لأننا عند سبر خلفيات تلك البنية الاجتماعية السابقة، نجد أنها شكلت استثناء في انفتاح وتحرر البناء الطبقي المعهود، وفق سيرورة تطور المجتمعات".

وأشار إلى أن المجتمع الموريتاني "العجيب" حوّل شرائحيته إلى بنية مغلقة، "بحيث لا تتطور أي طبقة إلا داخل دائرتها المرسومة بسياج أزلي اختلقه المجتمع، ورضخ له مثلما يخضع المسجون البليد أو المسحور لحدود دائرة وهمية رسمت حوله بطباشير خيالية، فأصبح قدر كل مولود داخل إحدى هذه الطبقات ألا يخرج منها، مهما كانت كفاءاته ومقوماته خارج حدودها، ومهما كان فشله داخلها، فهي ‘قبر الحي’، فالزاوي يبقى زاوياً، والحساني يبقى حسانياً، والصانع يبقى صانعاً... وهكذا دواليك".

وقفة الفنانين الموريتانيين "إيكاون" أمام القصر الرئاسي

وشرح أن إيكاون كانوا يساهمون في تشكيل الذائقة الفنية، في حيزاتهم الجغرافية، و"يمنحون الطرب للحزين، ويرسخون قيم الفتوة، بمدح الفضائل، وذم الرذائل، فينفخون الشجاعة حتى في روح الجبان، ويبسطون بالعطاء حتى يد البخيل، ويرققون عاطفة القساة البداة، وبذلك تحولوا إلى سلطة إعلامية وتثقيفية وتربوية فعالة، مرغوبة ومرهوبة".

وختم بالقول: "وفق التصور السابق الذي قدمناه، لا يزال هامش التطور والانزياح عن النموذج الطبقي المكرس محدوداً جداً في جميع الطبقات، وفي شريحة ‘إيكاون’ خصوصاً، فما زال مصدر عيشهم، غالباً، من ريع ‘الإمتاع والمؤانسة’، والدعاية والدعاية المضادة، مدحاً هنا، وقدحاً هناك، مع أن بعض المكونات الإعلامية والاجتماعية المستحدثة أصبحت تستحوذ دونهم على الدور السلبي للدعاية، وإن كانت لم ترق لمنافستهم لا في الإمتاع، ولا في المؤانسة، ولا في التربية الذوقية والقيمية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard