تنصّت على المحادثات وترجمة لوثائق مهمة... إتقان العبرية كسلاح حاسم في حرب أكتوبر

الثلاثاء 22 أكتوبر 201903:54 م

لم تكن حرب أكتوبر مجرد معركة التقت فيها الأسلحة التقليدية، بل شكلت اللغة إحدى أبرز أدواتها بعدما وصل مداها إلى أبعد من مرامي النيران. في تلك الفترة، لم يُفرض على المصريين الاستماع إلى لغة عدوهم وحسب، بل كذلك أن يتحدثها فريق منهم بإتقان ويجري حوارات مع الإسرائيلي أثناء الحرب ليفهم كيف يفكر، وذلك عبر كتيبة هويتها مصرية ولسانها عبري، نجحت في "اختراق" لغة العدو و"التسلل" إلى داخل تفكيره.

"هم من اختاروا موعد الحرب"... بتلك الكلمات وصف الباحث في "مركز يافا للدراسات الإستراتيجية" خالد سعيد أساتذة اللغة العبرية المصريين، وذلك في سياق شرحه مدى الاهتمام بلغة العدو أثناء الإعداد لحرب أكتوبر، وحتى قبل ذلك.

يقول سعيد إن الاهتمام بالعبرية بدأ منذ القرن الـ19 في فلسطين، ولم ينتقل إلى مصر إلا بعد عام 1948، بينما اقتصرت اللغة قبل ذلك على اليهود المصريين في نواديهم. وفي الخمسينيات والستينيات تعمق الاهتمام بها، وأنشئت أقسام للعبرية في الجامعات المصرية.

ويوضح سعيد لرصيف22 أن عام 1967 شهد طفرة في دراسة اللغة العبرية، فضلاً عن السعي للتعرف على شخصية العدو، ومن هنا اختير يوم 6 أكتوبر أو "يوم كيبور" كـ"أنسب إجازة" تُشن فيها الحرب.

بناء سلاح الاستطلاع

كشف قائد سلاح الاستطلاع والحرب الإلكترونية في منطقة القناة أثناء الحرب اللواء جمال مظلوم عن أن عملية إعادة بناء سلاح الاستطلاع والحرب الإلكترونية بدأت منذ 11 يونيو 1967، في ظل استشهاد معظم ضباط هذا السلاح في رفح والعريش أثناء النكسة.

وبحسب كلام مظلوم لرصيف22 فقد واجهت إعادة البناء مشكلتين وقتذاك: الحصول على أجهزة استطلاع حديثة من الدول الصديقة وتدريب مجندين يتقنون اللغة العبرية.

يتابع مظلوم: "توجه الضباط لقسم اللغات الشرقية في الجامعات المختلفة، وتواصلوا مع خريجي تلك الأقسام، وأعطوا بعضهم دورات مكثفة لإتقان اللغة بشكل أفضل. تلك النواة أقامت دورات مكثفة للمتطوعين لإتقان العبرية بأسرع وقت، بالإضافة إلى التدريب على الأجهزة الحديثة".

وبيّن مظلوم أن سلاح الاستطلاع انتقل سريعاً إلى غرب القناة لجمع المعلومات عن القوات الإسرائيلية وأماكن تجمعها وانتشارها على الخط الأول والأنفاق والاحتياطات الخلفية وقواعد الطائرات، واستفادت القوات المسلحة من تلك المعلومات التي جمعها في عمليات الدفاع وحرب الاستنزاف والاستعداد للحرب.

الاستعداد للحرب

بدأت معرفة ضابط الاستطلاع على الجبهة المصرية في حرب 1973 سعد أحمد زغلول باللغة العبرية داخل معسكرات الجيش المصري، أثناء عمله في سلاح الاستطلاع، حيث تلقى دورة للغة العبرية حصل فيها على تقدير امتياز، وكُلّف المتابعة اليومية لشبكات الإذاعات العبرية.

مع بدء حرب أكتوبر، كانت مهمة زغلول التنصت على العدو، وقد عبر قناة السويس مع أدلاء من أطفال البدو لهذه الغاية، كما استمع للدوريات الإسرائيلية على خط بارليف واستطلع مشهد الوحدات المختلفة من نقطة تمركزه في الضفة الغربية، مشيراً إلى تكليفه - في ليلة الحرب - العبور إلى منطقة البلاح مع وحدات من القوات الخاصة التي نفذت مهمة خلف خطوط العدو.

ويروي ضابط الاستطلاع لرصيف22 أن إسرائيل وصلت لدرجة من الغرور قبل الحرب، جعلتها تكتب على المنشورات التي عُثر عليها في الخنادق الإسرائيلية ما مفاده أن المصريين إذا قاموا بعملية ضد إسرائيل فسيكونون كمن يضغط على زناد مسدسه باتجاه قلبه.

العبور

"أنقذونا… الهجوم المصري قادم"، كانت تلك بعض كلمات المقاتلين الإسرائيليين التي التقطها زغلول بعد العبور، عندما بدأ الإسرائيليون بإطلاق صرخات عنيفة عبر وسائل الاتصال في وجه قادتهم مثل "الهجوم المصري قادم من كل الجبهات" و"الزوارق تملأ المياه"، طالبين من سلاح الجو الإسرائيلي التحرك لإنقاذهم، وهنا أجابهم قائد سلاح الجو أنه غير مصرح للطائرات الإسرائيلية بالاقتراب من القناة لمسافة 15 كلم.

وكشف زغلول عن أحد إنجازاته أثناء الحرب، عندما ساعده إتقانه للعبرية على التقاط محادثة بين قائد الجبهة الإسرائيلية الجنوبية شموئيل جونيم وقائد المدرعات الإسرائيلية في سيناء إبراهام لانجور. وكان جونيم قد أرسل مروحية لمساعدة لانجور سائلاً إياه عن تحديد مكانه بالضبط، وحالما حدده الأخير كان زغلول له بالمرصاد، إذ أبلغ المعنيين بالإحداثيات لتتم تصفيته على الفور.

وفيما عيّن زغلول أماكن هجوم الطائرات الإسرائيلية كي يتم تجنبها، رصد كذلك توجيهات قادة الدبابات لجنودهم، كان منها: "لماذا تهربون كالأسماك؟"، ومحادثات قائد الإنزال الجوي الأمريكي لهم، التي قال فيها: "أنتم تطلقون النار في الرمال"، كدلالة على إهدار حاصل في الذخيرة، مناشداً إياهم عدم التفريط فيها.

"الثغرة"

تطرق زغلول لـ"الثغرة" بعدما وصفها جندي إسرائيلي في إحدى المحادثات بـ"أبواب جهنم التي فتحت علينا، فالقصف المصري لا يتوقف"، وأهمها المكالمة الأخيرة لقائد موقع بور توفيق الحصين مع وزير الدفاع الإسرائيلي موشي ديان، بعد حصاره من كتائب الصاعقة المصرية.

سأل القائد: "هل يمكنكم إنقاذنا؟"، فأجابه ديان بأنه لا يستطيع، ولكنه أخبره عن اتفاق مع الجانب المصري أنهم إذا سلموا أنفسهم فسيعاملهم المصريون جيداً، ويعالجون الجرحى ويرسلون القتلى لإسرائيل، وبناء على ذلك استسلم القائد أمام العالم كله، وأدى التحية لقائد الصاعقة المصرية.

الوثائق

لم يكن التنصت على المحادثات المهمة الوحيدة لفريق الاستطلاع التي تقتضي إتقان العبرية، بل كانت ترجمة الوثائق مهمة لا تقل خطورة. يوضح زغلول أن أهم ما حصلوا عليه كان الخريطة السرية للجيش الإسرائيلي، وعبرها تعرفوا على أسماء المواقع، إذ كان لكل موقع رمز مرادف بالعبرية، ولذلك حددوا الأماكن المذكورة في المحادثات الإسرائيلية بدقة.

"عام 1967، شهدت مصر طفرة في دراسة اللغة العبرية، فضلاً عن السعي للتعرف على شخصية العدو، ومن هنا اختير يوم 6 أكتوبر أو يوم كيبور كـأنسب إجازة تُشن فيها الحرب"
"تعدت مهمة زغلول كونه ′عيناً وأذناً لفهم العبرية، إذ كُلّف بمخاطبة الجنود الإسرائيليين بالعبرية قائلاً: "استسلموا، فإن مكانكم محاصر، جنودنا الآن تندفع عبر القناة وتدخل إلى سيناء"... عن اللغة العبرية في مصر والدور الذي لعبته خاصة في حرب أكتوبر

وبيّن ضابط الاستطلاع أنه من بين الوثائق الهامة التي ترجمها بنفسه، كتاب من 3 صفحات نجح في الحصول عليه من أحد مواقع العدو، وقد اشتمل على خطة تمركز العدو في المزرعة الصينية أثناء ثغرة الدفرسوار، وهذا ما غيّر مسار الحرب.

بلسان عبري

تعدت مهمة زغلول كونه "عيناً وأذناً" لفهم العبرية، إذ كُلّف يوم 6 أكتوبر إلقاء بيان على الجبهة موجهاً للجنود الإسرائيليين بالعبرية قائلاً: "استسلموا، فإن مكانكم محاصر، جنودنا الآن تندفع عبر القناة وتدخل إلى سيناء، لا فائدة من المقاومة، استسلموا وسنعاملكم معاملة طيبة حسب اتفاقيات جنيف ونعالج الجرحى، فقط عليكم أن ترفعوا الأعلام البيضاء"، مبيناً أن البيان سجل على خط بارليف وأذيع عبر الميكرفونات.

الحرب الإلكترونية

"فرضت علينا أول حرب إلكترونية في التاريخ"... أظهرت عبارة الرئيس أنور السادات صعوبات الحرب الإلكترونية، إذ أدرك العدو أنهم يتابعونه منذ عام 1967، عندما نجحت القوات المصرية بتفادي ضرباته الجوية وتقليل خسائرها، ولذلك طوّر من أساليب إخفاء محادثاته بينما طوّر المصريون أساليبهم ليكتشفوا أدواته في الوقت المناسب، بحسب مظلوم.

وأردف قائد سلاح الاستطلاع في القناة أنه كان على عاتق قواته التشويش على أجهزة العدو، وعزل الطائرات عن غرف القيادة ونقاط المراقبة الجوية كي لا يحصلوا على الإحداثيات الصحيحة.

حوار مع العدو

روى أستاذ اللغة العبرية إبراهيم البحراوي الذي حضر تحقيقات الأسرى الإسرائيليين أن هؤلاء كانوا عام 1973 بالمئات، وكان العسكري الإسرائيلي الذي يتم أسره يُسلّم لضابط الاستخبارات الذي كانت مهمته تأمين الأسير واستجوابه بشكل سريع، قبل نقله لإدارة الاستخبارات التي ترسله إلى أحد السجون لاستجوابه.

وقال البحراوي لرصيف22 إن الأسرى عوملوا "معاملة مثالية"، فلم يضغط عليهم المحققون لاستخراج اعترافات منهم، وسُمح لهم بممارسة الرياضات الجماعية طوال النهار في فناء السجن الحربي، بل نظمت لهم القوات المسلحة رحلات لرؤية معالم القاهرة السياحية.

أما لقاء البحراوي مع الأسرى الإسرائيليين، فيروي أنه جرى في إطار مشروع قومي انطلق لـ"دراسة مشاعر الأسرى وأفكارهم"، وذلك بمبادرة من مجموعة أكاديميين على رأسهم مصطفى زيور البارز في علم النفس والبحوث الاجتماعية والجنائية، هدفت إلى القيام بدراسة موضوعها رؤية هؤلاء لقضايا الصراع والسلام.

وقتذاك، وبموجب تلك المبادرة، تم إبلاغ الأسرى أن هناك فريقاً مصرياً يريد مخاطبتهم بشكل طوعي، فوافق نحو 60 أسيراً منهم على الكلام. 

بدأ البحراوي سؤاله الأول للأسرى عن عدالة الهجوم المصري فردوا بأنه جزء من العداء بين مصر وإسرائيل. لم يكن لدى هؤلاء أي فكرة عن رغبة مصر بإقامة سلام، ولم يسمعوا شيئاً عن مبادرة السادات إذ كان هناك تعتيم من السلطات الإسرائيلية، وأخبار كثيرة لم تكن تدخل في إطار حوار مجتمعي.

سؤال البحراوي الثالث للأسرى كان "كيف ترون سيناء؟"، لينقسم هؤلاء إلى فريقين، الأول متأثر بالتيار اليساري برئاسة غولدا مائير وموشي ديان مرددين مقولة الأخير "شرم الشيخ بدون سلام أفضل من سلام بدون شرم الشيخ"، ويرى هذا الفريق أن الاحتفاظ بسيناء ضروري لأمن إسرائيل، والفريق الآخر من اليمينيين والمتدينين كانوا متأثرين بمناحيم بيغن الذي اعتبر سيناء جزءاً عضوياً من أرض إسرائيل قائلاً: "سأتخذ فيها مرقدي وأبني فيها قبري".

وجاء دور السؤال عن نظرتهم للجيوش العربية، وخاصة الجيش المصري، فتبيّن أنهم ورثوا فكرة أن الجيش المصري ضعيف جداً يهرب أثناء المواجهة، وبينما يبقى الضابط المصري في ثكنته بعد إرسال جنوده للقتال يقول الضابط الإسرائيلي لجنوده "اتبعوني". ويضيف البحراوي مستذكراً أن الإسرائيليين رأوا في أكتوبر عكس ما تشربوه سابقاً، حيث كان الضابط المصري يتقدم جنوده ليقوموا بعمليات اقتحام بطولية.

ويصف أستاذ اللغة العبرية شعور الجنود الإسرائيليين بعد أسرهم بأنهم كانوا في حالة ذهول، فعندما سأل أحد ضباط خط بارليف ما شعوره بعد قتل زملائه وجرحهم وانتقاله هو للسجن الحربي، أجاب بأنه "سعيد أنه لا يزال حياً"، واعتبر أن سلامته البدنية "إنجاز عظيم".

ويربط البحراوي سبب تلك الحالة بسقوط 3 محاور للثقة العسكرية لدى الجنود الإسرائيليين: أولها المخابرات وفكرة تفوقها إذ كان رئيسها قد تعهد بكشف أي هجوم عربي محتمل قبل حدوثه بـ72 ساعة، ولذلك لم يكترثوا بالحشود على الجبهة المصرية والسورية، وثانيها الطيران القادر على القضاء على أي حشود بضربة إجهاضية، فرأوه قد سقط بواسطة حائط الصواريخ، وثالثها المدرعات القادرة على صد أي هجوم ليفاجأوا بدمار قوة الدبابات الرئيسية.

العبرية في أفلام أكتوبر

يصعب الحديث عن العبرية وحرب أكتوبر من دون ذكر الكم الكبير من الأفلام التي تحدثت عن الحرب والأحاديث العبرية داخلها.

الجانب اللغوي للعبرية لم يكن جيداً لفترة طويلة في السينما المصرية حتى السنوات العشر الأخيرة حيث خرج فيلم "أولاد العم".

عن هذا الجانب، يقول أستاذ اللغة العبرية في جامعة عين شمس منير محمود الذي اشترك في العديد من تلك الأفلام، إن الجانب اللغوي للعبرية لم يكن جيداً لفترة طويلة في السينما المصرية.

بحسب محمود، بقي الحال كذلك حتى السنوات العشر الأخيرة، حيث خرج فيلم "أولاد العم" الذي أُسندت المعالجة اللغوية ومراجعة المادة العلمية فيه لمتخصصين، منهم مترجم رئاسة الجمهورية منصور عبد الوهاب.

ويلفت محمود في حديثه لرصيف22  إلى أهمية المعالجة اللغوية والثقافية، لضمان المصداقية في العمل من الناحية الفنية، خاصة أمام المتلقي الإسرائيلي والأوروبي اليهودي الديانة، بعيداً عن الأفلام القديمة التي أخرجت الإسرائيلي بنمط معين.

"ثقافة اللغة والمجتمع الإسرائيلي أهم من الأبجدية"، بتلك الكلمات يصف محمود أكبر صعوبة واجهتم أثناء الفيلم، وهي تقديم أنماط وسلوكيات المجتمع الإسرائيلي في حقبة الستينيات أو السبعينيات، ولذلك طرح أسئلة مباشرة على بعض الأكاديميين الإسرائيليين من الجامعات المختلفة ومن المجتمع، كما تعاون مع عبد الوهاب في إحضار بعض شارات الجيش الإسرائيلي التي تعود إلى تلك الحقبة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard