ملامح انتصار... عندما خلع شعبنا رداء الطائفية وكسر حاجز الخوف

الاثنين 21 أكتوبر 201904:46 م

وقفت بين الآلاف وفي قلبها أمنية واحدة عمرها 11 سنة، كتبتها على لافتة كرتونية:" بدّي شوف ولدي".

إنها بادية هاني فحص، التي قرّرت أن تنزل إلى منطقة النبطية يوم أمس، لتشارك في "العرس الوطني"، وتبحث في الوقت نفسه عن ابنها لعلّها تجده بين الحشود الكثيرة، فتهرع إليه لتعانقه وتقبّله، بعدما ظلمتها المحاكم الدينية وحرمتها من فلذة كبدها.

في غضون بضع دقائق تحولت هذه الأمنية إلى مظاهرة قائمة بحدّ ذاتها، وبدأت الجموع تساعد هذه الأم التي سلب منها طفلها من أحضانها نتيجة غرائز السلطة الذكورية، وسعيها الدائم إلى فرض سيطرتها بالقوة باسم الدين والشرع.

وبعد محاولات مضنية، نجحت عمليات البحث المكثفة عن إياد، وعندما رأت الأم وجهه من بعيد توقف الزمن عندها، فاقتربت منه ووقفت أمام ولدها عاجزة عن الكلام وحتّى عن التحرك خوفاً من أن تفقده مرة أخرى، وسيطر الخوف والإرباك عليها، وبعد أن استجمعت قواها سألته: هل عرفتني؟ فقال لها بنبرة خافتة تحمل الكثير من الخوف والأسى: إيه... وعندها تحركت غريزة الأمومة لديها، فاستأذنته بالقول: "فيني بوسك؟" إلا أن الخوف كان أقوى منه، فهمس لها بصوتٍ خافت: "مش هلق".

هذا الانتصار، ولو أتى "بجرعة صغيرة"، كان حلماً مستحيلاً لدى بادية ومثيلاتها، في ظل وجود محاكم دينية تقيّد الأنثى بأصفاد الظلم وتحرمها من أبسط حقوقها الإنسانية ومن مولودها الذي بقي في رحمها 9 أشهر.

لطالما سيطر الخوف على نفوس "الصغار" في ظل عدم توازن القوى واستراتيجيات الترهيب والتخويف، ولا نتحدث فقط عن الأمهات اللواتي يحرمن من رؤية أطفالهنّ الصغار، إنما عن الحيتان التي تبتلع حقوق الناس وتدمّر كل شيء يقف بوجهها.

أما اليوم، فالمعادلة قد تغيّرت، أو على الأقل وحتى لا تجرفنا الأحلام كثيراً، على وشك أن تتغيّر بعدما خرج الشعب اللبناني كله من كبوته وقرّر أن يكسر حاجز الخوف ويقول "لا" بالفم الملآن:

"لا" للظلم

"لا" للفقر

"لا" للتبعية السياسية

"لا" للتخوين

"لا" للترهيب

"لا" للهجرة

"لا" للخوف

"لا" لزيادة الضرائب وتجويع الناس

"لا" للوراثة السياسية والوجوه السياسية نفسها

"لا" للوعود الكاذبة

"لا" للموت على أبواب المستشفيات

"لا" للتلطي وراء الدين وتجار الهيكل

هذه "اللاءات" وغيرها امتدت من شمال لبنان إلى جنوبه، الشعب قرّر أن ينتفض على كل شيء، وعلى كل مسؤول استغلّ السلطة لمآربه السياسية الضيّقة وعقد صفقات بالملايين وهو جالس على عرشه، في الوقت الذي ينحت فيه المواطن في الصخر من أجل لقمة العيش المغمسة بالدم.

"يلا باي"، "هيلا هيلا هيلا هو...***إمو"، "الشعب يريد إسقاط النظام"، "يسقط يسقط حكم الأزعر"، هذه الشعارات وغيرها رفعتها الحناجر بصوتٍ واحد، أما الشعار الذي امتدّ على مساحة ال10452 كلم مربع، فكان "كلّن يعني كلّن"، وهو شعار وحّد اللبنانيين بمختلف طوائفهم ومذاهبهم وانتماءاتهم السياسية، وكان كفيلاً بهزّ ضمائر الزعماء بعد أن أيقنوا أن الشعب الذي لطالما حاولوا "تدجينه" قد انتفض وثار ورفع السقف عالياً، فالجوع كافر والفقر ظالم وحرية التعبير باتت مقيّدة بأدراج المخافر... أليست الثورات الحقيقية هي التي تخرج من رحم الأوجاع والمعاناة؟

الشعب قرّر أن ينتفض على كل شيء، وعلى كل مسؤول استغلّ السلطة لمآربه السياسية الضيّقة وعقد صفقات بالملايين وهو جالس على عرشه، في الوقت الذي ينحت فيه المواطن في الصخر من أجل لقمة العيش المغمسة بالدم

الأم التي يحترق قلبها بسبب ابتعادها عن أولادها، الأب العاطل عن العمل والعاجز عن تأمين أبسط احتياجات عائلته، الشباب الذين ينتظرون تأشيرة الهجرة طمعاً بوطن يحتضن أحلامهم وطموحاتهم، النساء "البطلات" اللواتي يحاربن مع كل طلعة شمس العقلية الذكورية السامة، المسنّ الذي ينتظر قطار العمر أن يمرّ ليخرجه من دائرة الذل والانتظار على أبواب المستشفيات... كلهم دون استثناء نزلوا إلى الشارع وأقدامهم المنتفضة على أرض الوطن جعلت كل مسؤول يدفن رأسه في الرمال، بخاصة وأنّ الشعب رفض هذه المرة تسكين آلامه عن طريق تناول عقار "المورفين" من يد السياسيين وقال كلمته بحزم: "من الآن فصاعداً لا خيمة فوق رأس أحد، أيّاً يكن نفوذه و"بطشه" و"الشلّة" التي تتبعه بشكل أعمى".

 أليست الثورات الحقيقية هي التي تخرج من رحم الأوجاع والمعاناة؟

لم تعد النبطية تشبه نفسها، حالها كحال الأشرفية وزحلة وطرابلس وصور وبعلبك وجونيه، ومعظم المدن والقرى اللبنانية التي كانت تبسط الأحزاب يدها عليها وتخنق صوتها، إلا أن زعماء الطوائف حفروا قبر هذا النظام الطائفي بأيديهم، كما أن سياسة تكميم الأفواه لم تعد تجدي نفعاً، وسقطت لهجة التخوين والتخويف من حسابات المواطنين، ففي مشهد غير مسبوق، لاحظنا أن ابن "النبطية" لم يعد يخاف من الهتاف ضد السيد حسن نصرالله، ولم يعد يخشى ابن "البترون" أن يوجه كلاماً قاسياً للوزير جبران باسيل، ولم يتردد ابن "صور" من شتم الرئيس نبيه بري في معقله، ولم تعد مدينة "طرابلس" مجرد "لعبة" بيد المافيات والتي تحاول تشويه صورتها وتعزيز الشرخ بين أبنائها من باب "فرق تسد"...

كلّن يعني كلّن"، شعار وحّد اللبنانيين بمختلف طوائفهم ومذاهبهم وانتماءاتهم السياسية، وكان كفيلاً بهزّ ضمائر الزعماء بعد أن أيقنوا أن الشعب الذي لطالما حاولوا "تدجينه" قد انتفض وثار ورفع السقف عالياً، فالجوع كافر والفقر ظالم وحرية التعبير باتت مقيّدة بأدراج المخافر

لقد انتفضت المناطق كلها وتوحدت الساحات وغصّت الشوارع بالأصوات الساعية إلى إحداث تغيير فعلي، وعادت ساحة الشهداء تهتف بقسم جبران تويني: "نقسم بالله العظيم، مسلمين ومسيحيين، أن نبقى موحدين، الى أبد الآبدين، دفاعاً عن لبنان العظيم".

لبنان اليوم يكتب التاريخ بحروف من ذهب، ويحاول أن يثبت للجميع أن إرادة الحياة تبقى أقوى من أي شيء، وأن لا أحد أكبر من وطنه...

هذه المرة الأولى التي يخلع الشعب عنه رداء الطائفية وثوب الخوف ولن يكون بوسع الجهات الأمنية بعد اليوم أن تقمع الأصوات الحرّة والتي تطالب بإسقاط النظام ودحرجة الرؤوس الكبيرة واستعادة الأموال المنهوبة، فالسجون في نهاية المطاف ليست كافية لزج الجميع، ومهما تعالت أصوات "النشاز" لتشير بأصابع التخوين إلى المتظاهرين، في محاولة بائسة من أصحاب السلطة والنفوذ لـ"تخدير" الشعب من جديد، فإن الثورة مستمرة حتى الرمق الأخير وحتى "تكنيس" السياسيين ورميهم في مزبلة التاريخ.

في مسرحية "فيلم أميركي طويل" يصدح صوت زياد الرحباني قائلاً: "قوم فوت نام، وصير حلام، إنو بلدنا صارت بلد..."، قد تكون هذه المرة الأولى التي أشعر فيها أن حلم بناء الوطن على وشك أن يتحقق وأفتخر بلبنان "قطعة سما"، وبأنني أنتمي إلى "وطن النجوم".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard