مشاهد من الجحيم الذي تعيشه النساء… كيف يرى بعض المصريين تظاهرات لبنان

الأحد 20 أكتوبر 201904:45 م

في الوقت الذي ينشغل فيه لبنان بكيف ومتى تتحقق مطالب شعبه المشروعة، ذهبت أنظار الكثير من المصريين إلى ما ترتديه اللبنانيات من ملابس، إذ تجاهل الشاب المصري لافتة المطالب ثم تجاهل ملامح الغضب على أوجه المتظاهرات، وركّز فقط على "الهوت شورت" الذي ترتديه إحدى اللبنانيات، وهكذا بدأ في إطلاق النكات السخيفة، والتي وإن كانت لا تنتقص من الحراك اللبناني إلا أنها تُسيء للمشهد العام.

يُمكنك كتابة تلك العبارة على أي وسيلة تواصل اجتماعي: "ماتتجوزوش.. لبنان والعة وجايين مصر"، لترى بنفسك حجم السخافات التي يظن البعض أنها دعابة عادية يستطيع إطلاقها في مثل هذا التوقيت، تلك الدعابة تكرّرت من قبل أثناء تظاهرات "طلعت ريحتكم" في العام 2015، ويبدو أن عدداً لا بأس به من الشباب المصريين لم يفطن بعد إلى ضحالة تفكيره، عندما يتجاوز تظاهرات ومعاناة الآخرين ويركّز فقط على الجنس.

ماذا تعني الجملة تحديداً؟

تلك المقولة ومثيلاتها لا يُمكن ترجمتها وفك شيفرتها إلا بتلك الصيغة: "نرجو أن تشتعل الأوضاع في لبنان أكثر، حتى يُصبح العيش فيها مستحيلاً على شعبها الذي وبدوره سيهرب منها، وقد يقوده طريقه إلى مصر، ولأن المصريات لا يرتقين إلى تطلعاتنا كذكور مصريين، فسوف نبحث داخل مخيمات استقبال اللاجئين اللبنانيين عن نساء من لبنان، وهكذا تتحقق أحلامنا الجنسية برفقة فتيات جميلات، مع خالص العزاء لوطن سيُدمر في سبيل تهدئة أعضائنا الجنسية".

والآن، هل يُمكنك إحصاء كمّ انعدام الأخلاق في تلك السطور؟ في الواقع قد تعطيك هذه الصورة توضيحاً هاماً حول أسباب نسب التحرش المتزايدة في الشارع المصري، فالبعض لم يكتف بأن يحول شوارع مصر إلى جحيم تخوضه المصريات يومياً، بل يتمنى أن تتحول شوارع لبنان إلى ساحات حرب حتى يتمكن من ضم فتيات لبنان إلى معاناة المصريات ضد كمائن التحرش في الشارع المصري، لا أعرف ماذا يُمكن أن نطلق على ذلك؟ سطحية أو سادية أو مرض أكبر من هذا وذاك، في كل الأحوال ينبغي على الجميع في مصر أن يعرف بأن هذه ليست نكات، وأن موجات التحرش بالتمني المتكرر تلك، قد نالت من سُمعة الشاب المصري إلى أقصى الدرجات.

على ذكر السُمعة، في مصر يرى عدد كبير من الشباب أن الرجل اللبناني أقل "رجولة" من نظيره المصري، وأعني هنا النخوة والغيرة وغيرها من المفاهيم التي تسبق كبت حريات المرأة مباشرة، ولكن أن تستطيع لبنانية ارتداء "هوت شورت" وسط كل هذا الكم من المتظاهرين دون خوف أو قلق فهذا يُحطم أسطورة المصريين المبتذلة، فأي معنى للرجولة غير أن تشعر المرأة في وطنها بالأمان لا التهديد بمجرد تواجد ذكر بالقرب منها؟ أن يحمل لبناني متظاهرة على كتفيه لتهتف بمطالب بلادها فيسترق مصري ما النظر إلى ما ترتديه، فأي منهم يمكن أن تطلق عليه صفة الرجل بمعناها المتداول... من حمل الفتاة أم من تفحص ثيابها وجسدها؟

طبعاً لا أقوم بالتعميم، فكما انطلقت تلك الدعابات بكثرة ظهرت في مقابلها عديد منشورات وتدوينات الاستهجان من هكذا تعليقات حقيرة، ولكنها منشورات أشبه بالسباحة ضد التيار، بل قد يقول بعض المتحرشين، إن من ينتقد تعليقاتهم الجنسية حول متظاهرات لبنان هو شخص مُدّع يبحث عن رضا المصريات واللبنانيات أيضاً.

توقيت مناسب للعودة إلى تبعات 25 يناير

أتذكر جيداً بعد كل حادثة تحرش جماعي داخل ميدان التحرير في النشاطات التي تلت الإطاحة بمبارك، كانت تخرج علينا القوى السياسية مُعلّلة ما حدث بأن النظام الراحل يدس داخل صفوف الاعتصامات "بلطجية"، يسعون لتكدير المشهد العام بالتحرّش، وقتها كنت أختلف مع مثل تلك البيانات في جزئيات أساسية منها، مثل: "كيف لعدد صغير من المندسين أن ينظموا حفلات تحرّش بالمئات؟"، ولكن ما نراه الآن يضع أمامنا إجابة منطقية ربما، بأن سواء اندس أحدهم أو لا، فهناك الكثير من الشباب على استعداد للاشتراك في هذه الجريمة، بما يعني أن الجنس يأتي أولاً ثم ننظر في أمر المطالب.

أن تستطيع لبنانية ارتداء "هوت شورت" وسط كل هذا الكم من المتظاهرين دون خوف أو قلق فهذا يُحطم أسطورة المصريين المبتذلة، فأي معنى للرجولة غير أن تشعر المرأة في وطنها بالأمان لا التهديد بمجرد تواجد ذكر بالقرب منها؟ 

لا يُمكن حصر قائمة الضحايا وسط المتظاهرات اللبنانيات فقط، فالمصريات كذلك يستحقين الاعتذار عن هذا الخطاب الوقح الذي ينال من إنسانيتهن

ضحايا واعتذارات

لا يُمكن حصر قائمة الضحايا وسط المتظاهرات اللبنانيات فقط، فالمصريات كذلك يستحقين الاعتذار عن هذا الخطاب الوقح الذي ينال من إنسانيتهن، مع العلم بأنه إذا ما أرادت إحداهن التشبه بلبنانية من اللبنانيات اللاتي تداول المصريون صورهن في الأيام الماضية، لخاض الكثيرون في شرفها وفي شرف أسرتها، وبلا شك، لو عاشت هذه اللبنانية وسط هؤلاء الرجال الذين يتكلمون عن ملابسها، فغالباً ستفرض عليها كلّ أشكال القمع، منها المتجسّد في حريتها باختيار ملابسها! وهكذا، يطمئن المتحرّش المصري على شرفه ويذهب للبحث عن ثورة جديدة يعتقد أنها ستجلب له فتاة بملابس مثيرة من جنسية أخرى… وكذلك السوريات يعلمن الآن كيف ينظر عدد من المصريين إليهن، وكيف أن مصيبتهن في وطنهن "أثلجت صدور" قطاع عريض من الذين نُطلق عليهم في مصر: "حاملو أعضائهم الجنسية على أكتافهم"... نعتذر لهن جميعاً.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard