"سكّر" للعرائس و"بلح" للجنس… جزائريات يواجهن مصاعب الحياة بـ"حلوياتهنّ"

الأحد 20 أكتوبر 201904:15 م

كانت الساعة تشير إلى العاشرة والنصف صباحاً من يوم خريفي ممطر، السماء مُلبَّدة بالغيوم، تستعد لضخ أولى زخات أمطار الخريف الدافئة على "قهوة شرقي"، وهي منطقة ساحلية تقع في شمال الجزائر على الشاطئ الشرقي لخليجها، حيث ينتظم معرض نسوي تحت اسم "إبداع امرأة"، قدمت فيه النساء إبداعاتهنّ في حرف يدوية عديدة، وكان شكل ورائحة الحلويات بارزة، بجانب منتجات أخرى.

"أهرب من بيتي وأطفالي إلى ورشتي"

مقنعي فتيحة، سيدة جزائرية حاصلة على الدكتوراة في "التجارة الدولية"، أم لطفلين، تمكنت من إنتاج مراهم جلدية، وزيوت طبيعية مصنوعة من التمر، ومكملات غذائية خاصة بالأطفال الصغار.

تقول فتيحة عن نفسها أنها ليست من النساء اللواتي يستسلمن بسهولة، فكلما ضاقت عليها الدنيا وضغوط البيت والولدين، تترك البيت إلى ورشتها الصغيرة بمدينة ورقلة الجزائرية، أو كما كانت تُسمى في وقت سابق وركلان، التي تحوي أيضاً واحات للنخيل تنتج أجود التمور.

وداخل تلك الورشة كانت فتيحة تستعيد طبيعتها، وتكتشف منتوجات من نواة التمر، تُستخدم في علاج أمراض متعدّدة، كفقر الدم، والضغط، وتساقط الشعر، وزيادة الرغبة الجنسية لدى الجنسين، إضافة إلى علاج أمراض أخرى تتمثل في الكولسترول وضغط الدم.

وتروي فتيحة لرصيف22 إنّ بدايتها كانت مباشرة بعد زواجها، قررت فتح ورشة في مدينة ورقلة، عاصمة الواحات، تقوم فيها بجمع نواة التمر المعروفة بقيمتها الغذائية الكبيرة، ثم تقوم بتحميصها، ومن ثم طحنها لتصنع بها أدوية طبيعية، تساهم في علاج بعض الأمراض المزمنة، وحتى مراهم جلدية وزيوت طبيعية.

وتقول فتيحة إن منتوجاتها التي تحمل اسم "الحامدين"، نسبة لطفليها، عبد الحميد وأحمد الفاتح،  وتضيف أنها اخترقت الأسواق العالمية على غرار فرنسا، وهي مطلوبة اليوم في كل من تركيا، حيث تلقت اتصالاً من أحد الباحثين الناشطين في مدينة أزمير، غرب الأناضول بتركيا، وأيضاً من السعودية حيث قام أحد السعوديين بتجربة بعض منتوجاتها لعلاج زوجته، فأعجب بإيجابيات المنتوج وطالب منها عرضه في معرض نظم في 29 سبتمبر/ أيلول الماضي.

"كلما ضاقت عليها الدنيا وضغوط البيت والولدين، تترك البيت إلى ورشتها الصغيرة بمدينة ورقلة الجزائرية، أو كما كانت تُسمى في وقت سابق وركلان، التي تحوي أيضاً واحات للنخيل، تنتج أجود التمور"
الأجر الزهيد الذي تتلقاه من وراء عملها كموظفة في مصلحة خزينة البلديات، ولا يتجاوز 100 دولار، كان وراء بروز جانبها الإبداعي في صناعة "عرائس السكر"

وتضيف فتيحة أنها ترغب في حالة حصولها على دعم مادي من السلطات الجزائرية المعنية في اقتحام الأسواق الآسيوية والأوروبية، "خاصة وأن التمر يعتبر من أغلى المنتوجات التي تباع في هذه الأسواق".

"صناعة الحلويات فنّ خاصّ"

سلطانة محروق (45 عاماً) أرملة وأم لطفل، عاشت حياة صعبة للغاية، حيث اضطرت بعد أن توفي زوجها إلى لعب دور الأب والأم في نفس الوقت، ووجدت نفسها، على حد تعبيرها، "تُصارع من أجل البقاء"، وبدأت تنظر إلى نقاط ضعفها باعتبارها مصدر قوة.

تروي سُلطانة لرصيف22 أن الأجر الزهيد الذي تتلقاه من وراء عملها كموظفة في مصلحة خزينة البلديات والذي لا يتجاوز 100 دولار، كان وراء بروز جانبها الإبداعي.

وتقول سلطانة إنها "تقوم بصناعة السكر الخاص بالعرائس"، فهي حرفة غير معروفة كثيراً في المنطقة المغاربية، ونادراً ما تجد سيدات يشتغلن في هذا الميدان، رغم أنها تُصنّف في خانة "الحرف السهلة"، حيث تقوم بتجميع السكر، وإضافة الماء، والملوَّن الغذائي، ومن ثم تصنع به أشكالاً مميزة، ولم تكن سُلطانة قادرة على إخفاء سعادتها، وهي تعرض منتوجاتها التي أعالتها على سد حاجياتها وحاجيات ابنها البالغ من العمر اليوم 24 سنة.

أما إيمان حيدر (27 عاماً)، التي ظلت تشعر برغبة غامضة لعمل شيء فنّي تتربح من خلاله، فقد عانت من فراغ كبير في حياتها، تحدته مؤخرا، ووجدت طريقها.

تقول إيمان لرصيف22: "الفراغ الذي كان يملأ حياتي دفعني لاختراق عالم صناعة الحلويات ،عالم يشكّل بالنسبة لي فناً من طراز آخر".

وتضيف بأنها باتت تتوجه كل أسبوع إلى مقر إحدى الجمعيات، حيث تعلمت فن صناعة الحلويات، و"رفعت رأسها"، فخورة بما استطاعت تحقيقه في غضون سنة واحدة، ومنحها "إنجازها" هذا "طاقة إيجابية".

أما جميلة مجاهد، جزائرية في الأربعينيات من العمر وأم لخمسة أطفال، ولدين وثلاث بنات، فلها حكاية أخرى في "صناعة الحلويات"، حيث ورثت الحرفة عن والدتها.

تقول مجاهد لرصيف22 إن قصتها مع هذه الحرفة ولدت من رحم التحدي، فبدايتها كانت في سنة 2001، حيث حظيت بفرص الالتحاق بجمعيات محلية، وورشات، تمكنت عبرها من إتقان الحرفة بشكل سريع ومثالي، وبلغت مرتبة "الأستاذة" في حرفتها، وأصبحت تعلم فتيات أخريات "أصول هذه الصنعة".

تقول جميلة أنها خطت خطوة كبيرة رغم نقص الإمكانيات المادية، وتطمح اليوم لفتح مجل تجاري خاص بها، وإيصال الحلويات التقليدية الجزائرية إلى الأسواق العالمية.

الجزائريات والحلويات… حكاية خاصة

تذوق الحلويات التقليدية بات مؤخراً جزءاً من تقاليد المجتمع الجزائري، فلا تكتمل "صينية" المناسبات الدينية، والأفراح دون الحلويات التقليدية، بحسب رئيسة جمعية الوفاق الوطني لترقية حقوق المرأة، حكيمة مرابط.

تقول مرابط في تصريح لرصيف22 إن الحلويات التقليدية الجزائرية تخطَّت عقبة "الانحصار في الاستعمال المنزلي خلال المُناسبات والاحتفالات"، وانطلقت نحو آفاق أوسع بعد أن أصبحت تسجل حضورها في فنادق محلية وعالمية، وأصبحت تُصنَّف اليوم في خانة "المنتجات الراقية" في الجزائر.

توضح حكيمة: "إن التغيير الذي طرأ على المجتمع الجزائري، جعل من الحلوى التقليدية "علماً" يتم تلقينه في جمعيات ومدارس خاصة، وتمنح في نهاية المطاف شهادات يتمكن أصحابها من المنافسة داخل وخارج الجزائر، وتلقي هذا العلم لا يقتصر على النساء، بل يمتد إلى الرجال".

وعن تأثير هذا التغير الذي طرأ على "صناعة الحلويات" تقول حكيمة: "إن عصرنة الإعداد في إخراج الحلوى التقليدية، من حدود البيت إلى المحلات ثم إلى الفنادق والمطاعم الراقية ساهم في القضاء نوعا ما على البطالة، بعد بروز هيئات وشركات خاصة راغبة مثلا في الإشراف على تنظيم حفلات الأعراس".

وتختتم حكيمة كلامها قائلة: "لقد تحولت صناعة الحلويات التقليدية في الجزائر إلى فن قائم بذاته، وهناك سيدات أصبحن فنانات من طراز خاص".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard