الثنائية الشيعية تتحد في مواجهة "المحرومين"

السبت 19 أكتوبر 201907:58 م
Read in English

وضعت انتفاضة اللبنانيين أبناء الطائفة الشيعية في مواجهة الثنائية الشيعية، حزب الله وحركة أمل، في مناطق مختلفة من جنوب لبنان. والمفارقة تكمن في أن الحزبين الشيعيين اللذين بنيا تاريخهما على أنهما نصيران للشيعة "المحرومين" قررا الوقوف في وجه آلاف الشيعة المنتفضين في وجه الحرمان.

منذ ثاني أيام التحركات الشعبية المعارضة، أنزلت حركة أمل مسلحيها إلى مناطق مختلفة من مدينة صور ليتصدوا بالقوة للمواطنين الذين يطالبون بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية. وفي ثالث أيام الاحتجاجات وقع اعتداء ممنهج عليهم وسقط جرحى بنيران عسكر "حركة المحرومين".

أما حزب الله فقد أطل أمينه العام حسن نصر الله ليقدّم خطاباً امتلأ بكلام التعاطف مع الناس التي "لم تعد تستطيع تحمّل رسوم جديدة" ولكن خلاصته أن حزبه ضد إسقاط الحكومة وضد إسقاط العهد.

حمل الخطاب رسالتين أولاها تهديد ناعم بسحب بساط الشارع من تحت أرجل المتظاهرين عبر إنزال جماهير حزب الله لتملأه وتنقل الحراك إلى "مكان آخر"، وثانيها تُعبّر عن منطق حزب الله الأبوي في السياسة عبر القول إنه "عندما يتطلب الأمر نزولنا إلى الشارع سننزل ونحن نرفض أي رسوم على الطبقات الفقيرة"، ما يعني أنه أدرى بمصالح الناس ولا أحد غيره يعرف متى "يتطلب الأمر" التظاهر ومتى لا.

لم يأتِ موقف الثنائية الشيعية من فراغ بل أتى بعدما أدركت أن غضب الشيعة يتوجه إليها، كما إلى باقين، إثر تظاهر المحتجين أمام منزل النائب عن حركة أمل ياسين جابر ومكتب زميله هاني قبيسي في النبطية، عاصمة حزب الله، وأمام مكاتب النائب عن حركة أمل علي بزي وزميلة عن حزب الله حسن فضل الله في بنت جبيل، وبعد خروج هتافات ضد رئيس مجلس النواب نبيه بري وعقيلته في صور، عاصمة حركة أمل، وهتافات أخرى ضد رئيس كتلة الوفاء للمقاومة محمد رعد وتكسير لافتة مكتبه في النبطية...

ولعلّ وقوف هذه الثنائية ضد الشيعة الفقراء ينبع من كونهم قد أدركوا أن فقرهم ليس خاصية لهم بل خاصية تجمعهم بملايين اللبنانيين من الطوائف الأخرى، بعدما أدت السياسات الاقتصادية العرجاء إلى عموم الصعوبات الاقتصادية من أقصى شمال لبنان إلى جنوبه.

هذه المرة لم يعد حزب الله وحركة أمل قادرين على التوجه للشيعة بالقول إنهما مَن يمنع الطوائف الأخرى من استضعافهم وإعادتهم عقوداً إلى الماضي، عندما كان فقراء الشيعة ينزحون إلى بيروت ليعملوا عتالين يستخدمهم متنعمو السنّة والمسيحيين، فيشتد عصبهم الطائفي ويتموضعون في مواجهة باقي اللبنانيين. هذه "الردّية" صارت ممجوجة ببساطة لأن هؤلاء الشيعة لا يزالون فقراء، ولأن الفقر يعمّ معظم أحياء بيروت نفسها، وكل باقي المناطق اللبنانية.

"لعلّ وقوف الثنائية الشيعية ضد الشيعة الفقراء ينبع من كونهم قد أدركوا أن فقرهم ليس خاصية لهم بل خاصية تجمعهم بملايين اللبنانيين من الطوائف الأخرى، بعدما أدت السياسات الاقتصادية العرجاء إلى عموم الصعوبات الاقتصادية في كل أرجاء لبنان"
"هذه المرة لم يعد حزب الله وحركة أمل قادرين على التوجه للشيعة بالقول إنهما مَن يمنع الطوائف الأخرى من إعادتهم فقراء يعملون عتالين في بيروت. فهذه ‘الردّية’ صارت ممجوجة ببساطة لأن هؤلاء الشيعة لا يزالون فقراء، ولأن الفقر يعمّ كل لبنان"

لعلّ الأحداث الأخيرة ساهمت في إعادة الأمور إلى نصابها وإلى توضيح أن الثنائية الشيعية هي جزء من السلطة، والجزء الأوزن فيها في السنوات الأخيرة، بجانب باقي أحزاب الطوائف، وأن سياسات جميع هؤلاء وصفقاتهم، فوق وتحت الطاولة، أفقرت كل اللبنانيين، شيعةً وسنّةً ودروزاً وعلويين ومسيحيين.

في ظل ما يحصل، صارت الأمور أوضح ولو قليلاً: أحزاب السلطة تتكاتف في مواجهة الشعب. أما النتائج واستمرارية المناخات الحالية، فالأيام المقبلة ستجيب عنها. في ما خص الثنائية الشيعية، ستخرج التغيّرات في مزاج الشارع الشيعي كثيرين من الشيعة من تحت عباءتها، وسيكون المتضرر الأكبر حركة أمل، وهي واعية لذلك، لأن الهتافات التي تستهدف رموزها صارت عادية على عكس حال حزب الله الذي لا يزال يحتمي بخطوط حمراء لم يجرِ تجاوزها كلها بعد.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard