فيلم "الممر"... فاشي أم وطني؟

السبت 19 أكتوبر 201905:11 م
Read in English

الحرب جحيم، لكننا في مصر نكبر مصدّقين خدعة أن المحاربين يذهبون إلى الجنة. مع الوقت، يميّز البعض الفروق الدقيقة بينما يظل الآخرون ضحايا غسيل الدماغ. قد يكون إدراك هذه الفروق صعباً عندما يحكم الأمة رجل لم يُختبر يوماً في معركة وعازم على الاستفادة من القومية المفرطة لأغراض شنيعة. الخطاب الشعبوي ليس حكراً على السيد عبد الفتاح السيسي، لكنه يُعتبر، وفقاً لمعايير عديدة، من أعظم ممارسيه إقليمياً ودولياً. لذلك عندما يكرس كثيراً من الوقت خلال أحد الاحتفالات العديدة "بانتصار أكتوبر" لفيلم "الممر"، فإن السؤال يطرح نفسه: لماذا؟ لأن فهم الممر ووظيفته كأداة فاشية تحت تصرف الإمبراطور يساعد على فهم إلى أي مدى تم "سيسنة" مصر.

الواقع أن الدولة فرضت سيطرتها تماماً، وأن هذه السيطرة منعكسة في ملكية أجهزة الاستخبارات لشركات الإنتاج ولأكثر وسائل الترفيه المصرية حيوية: المسلسلات الرمضانية. قال عز الدين فشير، الكاتب والدبلوماسي السابق، إنه "بالنسبة للسيسي، لا يتعلق الأمر بالسياسة أو القوة... إنه يريد إعادة تثقيف الشعب المصري". على المحك هي العقول المصرية، وإعادة التثقيف هي الشفرة لغسيل المخ. وجود خط إمداد لبروباغندا شيء أساسي للدولة الشمولية. كان محتوى الإنتاج الدرامي في رمضان مؤيداً للجيش والشرطة، تلك القوات التي قتلت 862 مواطناً خلال الثورة، وبعد فترة وجيزة من الانقلاب قتلت 1000 مصري في مذابح رابعة والنهضة، في 14 أغسطس 2013. ليس هناك ما يخفي حقيقة أن الأوامر صدرت "لتمجيد الجيش" خلال رمضان الذي يُعتبر أهم موسم إعلامي.

ومجّدوا القوات المسلحة بالفعل

كانت الرسالة واضحة تماماً لفريق عمل "الممر". بدأ التلقين في 4 يونيو 2019 مع العرض الأول للفيلم الذي يعالج درامياً حرب الاستنزاف، وهي مرحلة مناوشات عسكرية قامت بها مصر قبل مواجهة عام 1973. الدراما، بالطبع، هي كلمة الفصل هنا. بعد مرور أربعين دقيقة على الفيلم يقف مجند ذو شاربين كثيفين من الصعيد المصري وحيداً في ساحة المعركة، ممسكاً بسلاحه العتيق ويطلق النار بأسلوب دون كيشوتي بينما تطلق طائرة إسرائيلية وابلاً من الرصاص باتجاهه. قائده الذي يؤدي دوره النجم أحمد عز والمعروف بالرجل الذي أنكر إنجاب طفليه عن طريق الزواج، يسأله: "ماذا فعلت خلال الغارة؟". الجندي يرد من دون أن يرف له جفن: "المهم هو أن الشخص الذي في الطائرة يراني أقف من دون خوف". هنا يبدأ الضغط على الأزرار العاطفية بشكل جدي وبلا هوادة حتى نهاية هذه الملحمة المفتعلة.

عندما كنت طفلاً بالغاً من العمر ست سنوات، شاهدت أهلي وهم يضعون أغطية أرجوانية دكناء على نوافذ شقتنا ليلة اندلاع حرب أكتوبر 1973. لم يفهم هذا الطفل شيئاً سوى أننا كنا نقاتل العدو، وأن العدو هو إسرائيل. لم تفعل اتفاقية كامب ديفيد شيئاً لتغيير هذا التصور السائد بين الغالبية العظمى من المصريين. الصفقات بين الجنرالات لا تغيّر عقليات الشعب، ويستفيد الفيلم من هذه العداوة التاريخية بنفاق كبير لأن السيسي في اللحظة عينها يقوم بتعزيز نفسه كأفضل صديق لإسرائيل في المنطقة.

عمرو خليفة في رصيف22: بعد أن تلقى المصريون جرعة ثابتة من القومية المفرطة منذ عبد الناصر، قام السيسي بالخطوة التالية نحو الجانب المظلم: الفاشية
"السيسي وأمثاله ليسوا مهتمين بتحسين سمعة الجيش، ولا يعتقدون أن ذلك ضروري. بالنسبة إليهم، مربط الفرس هو زرع فكرة أن الجيش والحاكم والدولة هي واحدة"

تخصيص السيسي نصيب الأسد من مشاريعه الكبيرة لمؤسسته العسكرية الضخمة ليس مصادفة. من ناحية، أقام تحالفات مهمة لضمان مقعده على رأس طاولة الحكم، ومن ناحية أخرى، يعكس أسلوب عمله هذا إيماناً عميقاً بتفوق العقل العسكري. يعتقد السيسي أن الجيش "يمكنه تقديم مشاريع معقدة كبيرة في وقت أسرع من القطاع الخاص". ولا حاجه للنظر بعيداً، فالجيش يمتلك 51% من الشركة التي تتعامل مع أكبر مشروع في البلد، مشروع العاصمة الإدارية الجديدة.

الجيش الذي لا يمكن أن يخطئ هو جوهر فيلم الممر. المشي في الصحراء عشرات الكيلومترات؟ نعم. السباحة في قناة والخروج من حصار العدو؟ بالطبع. قيادة دبابة أمريكية يستخدمها الإسرائيليون عندما تعرف فقط كيفية تشغيل الدبابات الروسية؟ بالتأكيد. التفوّق على قوات إسرائيلية أقوى بالسيطرة على الأرض المرتفعة؟ قطعاً لا ريب ولا نقاش. تجعل امرأة بدوية من سيناء تقع في حبك؟ بالطبع أيضاً ينجح الجندي الصعيدي في هذه المهمة. لا ادعاء هنا: الجنود أفضل منك، وبالتالي يستحقون أن يحكموك.

كما يريدها السيسي

"هؤلاء الشباب الذين لم يختبروا تلك الأوقات، لقد جعلتموهم يعيشونها"، قال السيسى مشيداً بطاقم عمل "الممر" خلال احتفالات نصر أكتوبر، الأسبوع الماضي. "نحتاج خلال هذه الفترة من الأمل وضياع الفكر من دولتنا، على الأقل كل ستة أشهر، أن يكون هناك فيلم مثل هذا الفيلم". يقول المثل "الزن على الودان أمرّ من السحر". من الواضح أن السيسي يؤمن بالمنطق المتأصل في هذا المثل.

ولمَ لا؟ في عملية غسيل أدمغة، في بلد يعاني من معدل أمية يبلغ أكثر من 20%، الأفلام هي قوة لا يمكن إيقافها في تشكيل الرأي العام. يصنعون بطلاً خارقاً وسيماً تابعاً للقوات المسلحة كأحمد عز، وفيّاً للبلد والجيش والأسرة، يضع وجهاً مبتسماً لنفس الجيش الذي يقتل المدنيين يومياً في سيناء. يحب المصريون جيشهم، هذه حقيقة، لكن التمييز بين القيادة والعسكريين عموماً لا يتم عن قصد من قبل السلطة. تذكر أن هذه هي قيادة الجيش نفسها التي أمرت بقتل عدد لا يحصى من المصريين في كابوس يوم ميدان رابعة. السيسي وأمثاله ليسوا مهتمين بتحسين سمعة الجيش، ولا يعتقدون أن ذلك ضروري. بالنسبة إليهم، مربط الفرس هو زرع فكرة أن الجيش والحاكم والدولة هي واحدة.

بعد أن تلقى المصريون جرعة ثابتة من القومية المفرطة منذ عبد الناصر، قام السيسي بالخطوة التالية نحو الجانب المظلم: الفاشية.

سمع عدد لا يحصى من القراء، بلا شك، هذا المصطلح. قد يجادل كثيرون من المحللين بأن المصريين يعيشون هذا كل يوم، وفي حالات كثيرة يساهمون في خلقه، لكن ماذا تعني الفاشية؟ ستانلي باين، مؤرخ أمريكي، يقول إن الفاشية تعكس "تطرف الطبقة الوسطى، وانهياراً أخلاقياً، ومنتجاً من الرأسمالية والشمولية" وقائمة طويلة من السمات. آخر هذه الخصائص: الاستبداد، وعندما يتم وضعه بجانب عسكريتاريا مفرطة وقومية متوحشة، تنتج عن هذا الخليط المأساة المصرية.

يقال إن المرض يمكن تتبعه، فبالرجوع إلى الأيام التي سبقت 26 يوليو 2013، حين طلب السيسي من المصريين تفويضاً، وعندما أطلقت جميع وسائل الإعلام الخاصة والتابعة للدولة على "الإخوان المسلمين"، وهو الحزب الحاكم فى ذلك الوقت، حرفياً، اسم "الجماعة الإرهابية"، في تلك اللحظة، أصبحنا "نحن ضد هؤلاء"، وتمت شيطنة ملايين المصريين الإسلاميين. ومدرسة الفاشية المصرية تلقت موافقة رسمية. مع انتشار الفيروس في الحياة السياسية المصرية، تم تصنيف كل شخص يعارض النظام على أنه من الإخوان. الدولة الفاشية الشمولية تطالب أن يكون للجميع الصوت نفسه واللون نفسه ويسيرون على إيقاع الطبل نفسه. عارضْ في مصر تصبح جزءاً من جماعة الإخوان المسلمين - حتى وإن كنت مسيحياً، كمثل العديد من المعارضين.

لأن الدول الفاشية تضع أفراد الجيش والشرطة فوق مستوى الشبهات، فإن هذا يخلق فجوة أخرى: الجيش والشرطة على القمة والجميع في مستوى أدنى. هذا الفصل يجعل المواطن العادي سراباً بعيداً لكيان ما في نظر الطبقة الحاكمة. وهو ما يفسر سبب وجود الكثير من المحاكمات الجماعية: الطبقة الحاكمة بما في ذلك القضاء، تنظر إلى المواطن على أنه يمكن التخلص منه. عبر العدسة نفسها، يتم إلقاء عشرات الآلاف من السياسيين في سجون السيسي الجديدة. بالنسبة إلى العسكريين، فإن المعارضة عبارة عن حشرات يجب دهسها. لا أحد محمياً: طبيب أو معلم، كاتب أو مهندس أو حتى مدافع عن حقوق الإنسان. أثناء كتابة هذا المقال اختُطف عمرو إمام، أحد أبرز المدافعين عن حقوق الإنسان في البلد، من منزله. وجاء هذا الاعتقال بعد إعلانه أنه سيضرب عن الطعام احتجاجاً على الاعتقالات الوحشية والتعذيب الذي تعرض له الناشطان المصريان علاء عبد الفتاح وإسراء عبد الفتاح.

إنها دعوة ناجحة إلى ما لا يمكن الدفاع عنه، وفقاً للمنطق الاستبدادي، وهذا يجعل أسلوب "l'etat est moi" (أنا الدولة) اختياراً ألطف للحكم.

لهذا اعتنق النظام فيلماً مثل "الممر". نجوم معروفون، وموازنة كبيرة للإعلانات والدعم من الجيش الإلكتروني التابع للنظام وسهولة الوصول إلى النسخة الأصلية للعرض عبر الإنترنت؛ كل ذلك لأن الدولة العميقة تريد أن تصل الجرعة القصوى إلى أكبر عدد ممكن.

تماماً مثلما كانت إسرائيل هي العدو في الفيلم، يتم تصنيف المعارضة الآن خائنة بشكل ممنهج، كذا أي شخص ينتقد الفيلم الذي يتسم بالخداع والحافل بالمعلومات التاريخية والعسكرية الخاطئة. السيناريو الذي اعتبره السيسي عملاً بطولياً، اتّضح أنه مسروق كما يدعي المؤلف الأصلي.

"خذ المر مع الحلو" يعتقد البعض. لكن عندما يتعلق الأمر بالفاشية وبفيلم "الممر" لا يوجد سوى المر.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard