نَخب من لا نخبَ له... عن بارات الهامش في وَهران

الخميس 24 أكتوبر 201905:47 م

يأتي هذا المقال ضمن الملفّ المُعدّ لشهر أكتوبر 2019, في قسم "رود تريب" بـ"رصيف22" والمعنوَن "بصحْتك يا ساقي... بارات عربية لا بدّ من زيارتها".


الهامش هو المركز المضادّ، والهامش هو بتعبيرات التحليل النفسي " هو" سرديات يفرضها "الأنا الأعلى" على الأنا " الهامش الذي يتم تجنبه هو النابض بالحياة وبالحقيقة، حقيقة الخبز الحافي الذي صاغه الكاتب المغربي محمد شكري. في الهامش تدرك حقيقة المدن والقرى. وحسب ما ينقله بعض من رافقوا مستعرب روسي زار مدينة وهران منذ زمن فإنه طلب زيارة ماخور المدينة بغية تمثلها.

و يذكر الكاتب المصري محمد سلماوي أن الكاتب البرازيلي باولو كويلو قال له :"أهم شيء عندي في أيّ دولة أزورها هو التعرف على شعبها ومخالطتهم، وكلّما كان أمامي الاختيار بين أن أذهب إلى المتحف أو أذهب إلى مقهى، فأنا أختار المقهى بلا تردّد".

في هامش المدن تتشكل حياة أخرى؛ حياة متحررة من الأصباغ ومما يتوارى خلف الأضواء؛ في الهامش تتشكّل عوالم موازية لتلك التي يعرفها المركز، وتتشكل منظومة كاملة ذوقياً ومعيارياً. وعالماً موازياً ممّن يلتقون للشرب، ومع الشرب ثمة السمر والهروب عن واقع تعيس ومحبط.

مدينة وهران ككثير من المدن عرفتْ وتعرّف تشكل بؤرٍ منتشرة في الغابة والشواطئ المهجورة والحدائق وطريق السكة الحديدية، وفي مواقع بوسط المدينة متاخمة ومواجهة لمركز يفرض سلطة المعيار والذوق. جماعات تتحلق وتتداول في ما بينها الشرب، وأحياناً معه سجائر الحشيش.

تختلف تلك الجماعات ولا تتماثل؛ جماعات مدمنين عرفتْهم المدينة في مختلف الفترات؛ متشردون لا يعرف الناس سيَرهم، يختارون زوايا للانزواء، يستهلكون كلّ ما يسكر؛ شباب لا يمتلكون ما يسمح بالجلوس في البارات، فيختارون أماكن محدّدة لاستهلاك عبوات الجعة أو قنينات النبيذ.

تختلف تلك الجماعات ولا تتماثل؛ جماعات مدمنين عرفتْهم المدينة في مختلف الفترات؛ متشردون لا يعرف الناس سيَرهم، يختارون زوايا للانزواء، يستهلكون كلّ ما يسكر؛ شباب لا يمتلكون ما يسمح بالجلوس في البارات، فيختارون أماكن محدّدة لاستهلاك عبوات الجعة أو قنينات النبيذ

وهناك من ليسوا محتاجين ولا محرومين ولكنهم يجدون الراحة في الالتقاء للشرب بالغابة أو بالشاطئ. أماكن متعددة حتى في وسط المدينة في جبهة البحر وفي الساحات والحدائق، وبجوار أماكن تعتبر علامات المدينة، مثل المحيط الذي توجد فيه الكاتدرائية التي تحضر في رواية "الطاعون" لألبير كامو التي تجري أحداثها في وهران، وفي زوايا جهة البحر التي تعتبر من أجمل شوارع هذه المدينة وأكثرها جذباً للزوّار.

في المدن الجزائرية الأخرى، خصوصاً الداخلية منها، تنتشر هذه التجمّعات أكثر بسبب منع مزاولة نشاط البارات، وهو ما يشكّل مفارقة في بلد تحكمه منظومة قانونية واحدة، ولكن يمنع نشاط الحانات في ولايات ويسمح في أخرى.

وإضافة إلى بارات الهامش المتحرّرة من المكان المغلق، هناك ما يعبّر عنه بـ"المحشاشة" -و العبارة مشتقة من الحشيش، ودالة على مجالس الحشاشين-، وهي أماكن سرية للسكر والقمار وأيضاً للدعارة. وهذه الأماكن أيضاً محكومة بقوانين الهامش

بعض الأماكن تعتبر غير آمنة للغرباء، وأخرى آمنة نسبياً. في السابق كانت مجالس السُّكر الهامشية بعيدة ومعزولة عن وسط المدينة، ولكن في السنوات الأخيرة تمدّدت، وترافق ذلك مع المتغيرات التي عرفتْها البلاد عقب عشرية الدّم في تسعينيات القرن الماضي، واكتساح موجة تدين مظهري وتقنينٍ متشدد في ما يخص البارات التي فرض عليها توقيت محدّد للغلق، وهو ما دفع إلى توسع الفضاء البديل والموازي، تكيفاً مع واقع يهيمن الموازي على كلّ مجال.

وإضافة إلى بارات الهامش المتحرّرة من المكان المغلق، هناك ما يعبّر عنه بـ"المحشاشة" -و العبارة مشتقة من الحشيش، ودالة على مجالس الحشاشين-، وهي أماكن سرية للسكر والقمار وأيضاً للدعارة. وهذه الأماكن أيضاً محكومة بقوانين الهامش.

والغالب أن كلّ جماعة معتادة على مواقعها ومواضع سُكرها، وبينها وبين غيرها هناك نوع من التفاهم الضمنيّ على التموقع. وهناك تعاضد وشراكة في اقتناء المشروبات ومعها ما يناسبها من مأكولات كالزّيتون والجبن والتونة، إلخ. مجالس تعيدنا إلى العوالم التي أبدع في وصفها والنفاذ إليها محمد شكري. وشكري مرّ فترة بوهران كما ذكر في "الخبز الحافي" وفي مثل ذلك الحقل الذي تحدّث عنه يلتقي فيه السكارى عادة. هي مجالس متعددة؛ تعددية تحمل ما يعكس تخريب المعيارية المعتمدة. ومن هذه البارات الهامشية انطلقت موسيقى الراي، موسيقى الهامش التي اكتسحت العالم.

في الهامش وبالاقتراب من المعتادين على اللقاء في تلك الجماعات نرصد حضورَ مختلف الفئات من المراهق إلى الشيخ، حضوراً يحمل مواجهة قسوة الحياة، كما يحمل الرغبة في الانفصال عن معيارية أنتجت واقعاً كرّس اليأس، وهروباً يتقاطع مع مختلف أشكال الهروب التي يعرفها المجتمع. وبالانغماس في أحاديثهم نرصد كما كتب شاكر نوري: "في أعماقهم تتنازع رغبتان، رغبة البقاء على الهامش ورغبة الدخول في المجتمع.. .إنهم مرايا تعكس بعض رغباتنا في التمرد والغضب".

في فترات سابقة كان الهامش مستغرقاً في الاحتجاب، بعيداً عن الرصد، يتوارى في أماكن كالّتي نجد ذكر بعضها في أغاني الراي مثل الغابة، و"البراكة "، وهو كالكوخ أو الزريبة، إلخ. كانت هناك حياة موازية وعالم آخر مواز للعالم المرئي. كان سكارى وحشاشون يلتقون، وكانوا عندما تعسر الظروف يستهلكون أردأ أصناف النبيذ ويشربون حتى ما يحضرونه بمزج الكحول بالمشروبات الغازية أو الماء وهو ما عرّف باسم "الزمبريطو" أو شرب حتى العطور. كان ذلك عالماً تتواتر حكايات عنه، لكن بمعزل عن المركز.

توسع اكتساح الفضاء العام والاستحواذ على مواضع منه حتى في وسط المدينة يحمل دلالات متعددة، يمكن تلخيصها في لامعيارية أو معيارية مضادة لمنظومة قوضت الإحساس ببهجة ومعنى الحياة، ومواجهة منظومة سلبت وتأسست بالعنف والمصادرة، فنجم عنها عنف ومصادرة وأصبح الاستحواذ هو المنطق الذي جعل الشارع في قبضة كلّ من تمكّن؛ فمن الذين حولوا الساحات إلى حظائر سيارات، ومن فرضوا الهيمنة على الشواطئ إلى من اقتطعوا مساحات بديلة عن حانات ازدادت تكاليفها.

والدلالة المحورية متصلة بالخراب الذي أدرك المدينة ككينونة تمدين ونتيجة التشوه العمراني وفقدان تهيئة عمرانية حقيقية، تشوهاً أخصب جينات كلّ أشكال الانفلات والانزلاق والجنوح.

لم يقتصر الأمر على من يتجمعون لاستهلاك الخمر بل يشمل أيضاً تجمعات مراهقين يجذبون الغراء، يتجمعون في زوايا حتى بوسط المدينة، عارضين أنفسهم بتحدٍّ لمجتمع أفقدهم براءة الطفولة وبهجة الفتوة.

ربما الذين يجدر التوقف عندهم أكثر هم المنفصلين تماماً عن المعيارية الاجتماعية، هم الذين انفصلوا عن الجذور وافتقدوا الآفاق، هم الذين لا مأوى لهم ولا مصدر رزق، ولا يشغل بالهم أي شان من شؤون الحياة. هم من يبيتون في الشارع ويستمرون في حالة السكر، ولا يهمهم سوى ضمان المشروب. حكايات كثيرة يخفونها، حكايات نقول الحقيقة التي لا نريد مواجهتها ولا الإقرار بها، حقيقة مجتمع يواجه افتقاد مجتمعيته، ويحمل جينات تفسخه.

نجدهم في أماكن محدّدة تتوافر على ما يضمن لهم حدّا من الدفء في الشتاء والأمن أيضاً، وبعضهم بمعية زوجة وأبناء وكلّهم ينغمسون في حياة الانفصال عن الوصل بالحياة العادية. يختلفون في أمزجتهم، منهم المسالم ومنهم العدواني المتأهب للهيجان. منهم الصامت ومنهم الصارخ بهستيرية، ومنهم من يغنّي ويصدر تعليقات ساخرة تجذب انتباه المارة. تشهد تجمّعاتهم نوعاً من التعاضد.

وملخّص ما يمكن قوله عن الهامشيين قاله شاكر نوري في تحقيق منذ 31 سنة: "كلمة الهامشيين تثير عند سامعيها خليطاً من المشاعر الغريبة والمتناثرة، فمن سخط ونفور إلى إعجاب وانجذاب، ذلك أن الكلمة والبؤرة التي تجرّ إليها هي ما يقع خارج القانون، ويدخل تحت شرع الرغبة. فالهامشية هي ذلك الحلم القديم بالاستقلال عن عين الجماعة .هذه العين المحلقة فوق فضاء المدينة، والتي تقرّر لكلّ واحد حركاته وسكناته. غير أن الهامشيّ يحمل أيضاً هاجس الخطر والوحدة والموت، وربما أحاطت به أيضاً ظلال العنف والجريمة. من هنا موقعه الملتبس في المخيلة الجماعية. تارة يصور على شكل مقوم الأخطاء الجميل الشاعر. وتارة أخرى يأخذ شكل الفتى الفاشل الذي أحرق أوراقه قبل أن تبدأ اللعبة وزلق في غور الضياع والجريمة. أيكون الهامشيون هم لاوعي المجتمع؟".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard