الكتابة والسفر في الاتجاه المعاكس للاستشراق... "يوميات رحلة إلى أوروبا" لناصر الدين شاه القاجاري

الجمعة 18 أكتوبر 201903:10 م

يندرج كتاب "يوميات رحلة إلى أوروبا، 1873" ضمن كتب أدب الرحلة. الكتاب الذي صدر عن "منشورات المتوسط" في ميلانو و"دار السويدي" عام 2018، هو جزء من مشروع لترجمة عدد من الكتب التي توثق سفر الرحالة العرب (والمشارقة عموماً) في أصقاع الدنيا، وإلى أوروبا بشكل خاص. الكتاب من ترجمة رشيد أركيلة، وقد نال عنه المترجم جائزة ابن بطوطة للرحلة المترجمة.

كاتب هذه اليوميات هو السلطان ناصر الدين شاه (1831-1896)، رابع ملوك الأسرة القاجارية التي حكمت إيران، وهو "أول عاهل إيراني يكتب وينشر يومياته". استُهلّ الكتاب باستهلالٍ كتبه الشاعر محمد أحمد السويدي، وبمقدمتَين، مقدمة للطبعة العربية ومقدمة للطبعة الفرنسية، وقدّمت للكتاب بنسخته العربية الكاتبة والشاعرة الإيرانية مريم حيدري، التي قامت أيضاً بتدقيق ومراجعة الترجمة مع الأصل الفارسي.

قام الملك ناصر الدين برحلته هذه، والتي وثّق الكتاب يومياتها، من منطلق المستكشف لأوروبا، تلك القارة التي كان يسمع عنها كلُّ من في الشرق، واحتكّ بها هذا الشرق في محطات تاريخية مفصلية وكبرى مثل حملة نابليون بونابرت على مصر عام 1798.

كانت هناك خطوات سابقة لرحلة الشاه، خطوات تقول إن أنظاره كانت موجهة نحو أوروبا قبل الرحلة بفترة، حيث أنه "في عام 1859، رخّص لمجموعة من اثنين وأربعين شاباً، أغلبهم طلاب في "دار الفنون" -المدرسة الحديثة آنذاك في طهران- للذهاب إلى أوروبا، بقصد متابعة دروسهم في مختلف المدارس العليا تحت مراقبة وزير إيران المنتدب". ثم تملكه الخوف من "نتائج" هذا الإيفاد ومن تأثير الحيّز الأوروبي على آرائهم واحتمال تغير تلك الآراء، فأمر بعودتهم إلى البلاد.

هكذا، كان السلطان القاجاري هو بطل الرحلة هذه المرة، وهي الرحلة التي أدّت لاحقاً إلى استقدام نظُم التعليم والعلوم الغربية إلى إيران، وإنشاء أول مدرسة نظامية تدرّس علوماً غربية بالاعتماد على النمط الغربي في التدريس، لكن تحت إشرافه وبإدارته بالطبع.

يقع الكتاب في 350 صفحة من القطع المتوسط، واليوميات مكتوبة بلغة بسيطة إلى أبعد درجة، بحيث يسهل على أيّ قارئ مهما كان اهتمامه أو مستوى تعليمه وثقافته أن يقرأها بيسر وسهولة، وقد يفسَّر ذلك بأن هذا النص بالتحديد كان موجهاً إلى عموم الإيرانيين، بالإضافة إلى أن "كثيراً من الكتاب والمثقفين الإيرانيين كانوا يكتبون بتبسيط في أسلوب الكتابة، بسبب الأحداث التي كانت تجري وقتئذٍ، وأهمها هزيمة إيران أمام روسيا عام 1828، ما جعل الكتّاب والمعنيين يتجهون إلى البساطة والابتعاد عن النثر المعقد والنافر، ليطلعوا الناس على ما يجري في البلاد". (مقدمة الطبعة العربية، ص 12)

زار ناصر الدين شاه كلاً من روسيا، وبولونيا، بروسيا، ألمانيا، بلجيكا، إنكلترا، فرنسا، سويسرا، إيطاليا، والدولة العثمانية. وفي كل بلد من هذه البلدان أو الدول، كان السلطان يسهب في وصف كلّ تجربة يمرّ بها، وعلى الرغم من أنه كان لا يبدي انبهاره الكبير في أحايين كثيرة بكلّ ما يرى، تبعاً لموقعه ووزنه السياسي، إلا أنه كان لا يخفي دهشته، وأحياناً استغرابه في بعض اللحظات، أثناء زيارته إلى هذا البلد أو ذاك، وخلال مرافقته ملوك وسلاطين تلك البلدان في الجولات والاحتفالات التي كانت تقام على شرفه.

ويمكن للقارئ أن يلاحظ مثلاً قوله في وصفه أحد المسارح في روسيا: "في هذا المسرح تُلقى عروض الكوميديا، بمعنى أن الممثلين يتكلمون". (ص94). أو وصفه نافورة في مدينة بوتسدام في ألمانيا بالقول: "هذه النافورة من عجائب الدنيا، إنها تشتغل بواسطة آلة بخارية ترتفع بقوة البخار إلى الأعلى". (ص112). وفي مدينة بون، في ألمانيا أيضاً، "يمر القطار من فوق سقوف المنازل وشوارع القرى، إنه من المستحيل وصف ذلك". (ص125).

وفي السيرك، "كان يبدو أن الجياد تفهم الخطاب، يقول لها المدرّب: توقفي! فتتوقف دون حراك، ويقول لها اركضي بسرعة فتركض... هذا مدهش حقاً. يمسك مروض الخيول سوطاً طويلاً يحركه باستمرار، ويصدر منه صوت كطلقة قذيفة". (ص220).

كان السلطان يسهب في وصف كلّ تجربة يمرّ بها، وعلى الرغم من أنه كان لا يبدي انبهاره الكبير في أحايين كثيرة بكلّ ما يرى، تبعاً لموقعه ووزنه السياسي، إلا أنه كان لا يخفي دهشته، وأحياناً استغرابه في بعض اللحظات، أثناء زيارته إلى هذا البلد أو ذاك

وعند عبوره الحدود من ألمانيا إلى بلجيكا عبر أحد الأنهار، كان يبدو أن الحدود بينهما هي هذا النهر، ذلك أن "العليّ القدير فرّق الطوائف والممالك على نحو يحيّر فيه العقل. في لحظة واحدة، تبدلت الأشياء كلّها؛ الناس، اللغة، الديانة، وضع التربة والمياه، والجبال، والأراضي، ولا يوجد وجه للشبه بينها وبين مثيلاتها في ألمانيا". (ص135).

العليّ القدير فرّق الطوائف والممالك على نحو يحيّر فيه العقل. في لحظة واحدة، تبدلت الأشياء كلّها؛ الناس، اللغة، الديانة، وضع التربة والمياه، والجبال، والأراضي، ولا يوجد وجه للشبه بينها وبين مثيلاتها في ألمانيا

بقدر ما تبدو اللغة بسيطة (أو مبسطة)، فإنها لا تستطيع أن تخفي مشاعر ناصر الدين القاجاري على الرغم من محاولته الاقتصاد في تلك المشاعر هنا، وخروجه عن طوره في مواضع أخرى أثناء تدوينه يوميات رحلته تلك. وخارج مشاعره هنا أو هناك، كان الكتاب يقول إن الهوة التي تفصل "الشرق" عن "الغرب" وفقاً للتصنيف الاستشراقي الكلاسيكي، من الممكن تضييقها عن طريق الاحتكاك بذلك الغرب، ونقل بعض ما يثير الدهشة فيه إلى إيران (أو بلدان غيرها كما تقول تجارب أخرى أيضاً).

يمكن وضع هذه الرحلة للسلطان القاجاري الرابع، في إطار الاستكشاف المعكوس، أو "الانبهار" المعكوس

وبناء على ذلك، يمكن وضع هذه الرحلة للسلطان القاجاري الرابع، في إطار الاستكشاف المعكوس، أو "الانبهار" المعكوس، ذلك أن أدبيات استشراقية من نوع تلك التي وثقت رحلات المستكشفين والمستشرقين إلى الشرق، بوصفه "سحراً" أو "روحانيات" أو ما شابه من كلمات تشير إلى الشغف بالاستكشاف والاطّلاع،

كان يوازيها أو يقابلها أيضاً رحلات في الاتجاه المعاكس من مشارقة (عرب، وإيرانيين، وغير هؤلاء) ممن كانوا يدركون معنى الاحتكاك بتجارب متقدّمة ورائدة في سياقها الزمني ذاك، وضرورة الاستفادة من تلك التجارب في التحديث (كي لا نقول الحداثة)، وفتح احتمالات التطور تبعاً لكل بلد وطبيعة السلطة أو نظام الحكم فيه. وربما يكون ناصر الدين شاه القاجاري بتجربته، وبما حمله معه، وما قام به في إيران لاحقاً، مثالاً على ذلك. وبهذا المعنى، يكون كتاب "يوميات رحلة إلى أوروبا" كتاباً ووثيقة مهمة تشهد بالأسلوب الذي كتبت فيه، وبالتفاصيل المذكورة في صفحاته، على تجربة ومحاولة مهمة لـ "السير في الاتجاه المعاكس".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard