لماذا نحتاج إلى الحديث عن الجنس بشكل طبيعي أكثر؟

الجمعة 18 أكتوبر 201905:16 م

هل أنت متزوجة؟ تسألني الممرضة قبل الفحص الدوري، في عيادة الطبيب النسائي. وهل هذا سؤال علمي؟ أقاوم أن يكون هذا جوابي، وأكتفي بالرد على مضض: الآن، كلا. فتستفسر أكثر: "يعني بدك تعملي فحص كل شي؟". نعم، أجيبها وقد بدأت أشعر بانزعاج طفيف.

أتحدث هنا عن واحد من أفضل المستشفيات في لبنان. تنتظر على الأقل عشرة أيام كي تحصل على موعد مع الطبيب، وكل موعد تسبقه ساعة على الأقل من الانتظار، تليها عشر دقائق مع الطبيب وتسبقها خمس دقائق مع ممرضة غير قادرة على طرح سؤال واضح عن الممارسة الجنسية إلا من خلال ربطها بالزواج.

وماذا لو أجابت إحدانا: كلا، غير متزوجة، ولم تفصح عن معلومات أكثر. أيعني هذا الجواب أنها ليست بحاجة للفحص ما دام ليس لديها عقد زواج قانوني يبرره حتى لو كانت تمارس الجنس؟

صحتنا الجنسية والجسدية لا تهم أو بالأحرى غير مرئية إنْ لم تكن من خلال عقد زواج. "أنا أمارس الجنس"، ليست عبارة شائعة الاستعمال في عيادة طبيب التوليد والأمراض النسائية فأين سنشعر بالأمان لاستعمالها إذاً؟

هل تشعر الممرضة بأن السؤال عن الممارسة الجنسية بشكل واضح فيه إهانة، أو تشكيك بعذرية فتاة تتوجس منه؟ أليس أقل الممكن أن يتمكن قسم الطب النسائي والتوليد في مستشفى "الدرجة الأولى" من تدريب طاقمه من ممرضين/ات ومساعدين/ات وأطباء/ طبيبات على التعاطي بشكل علمي مع خيارات الأشخاص الجنسية وحرية أجسادهم بعيداً عن العقود القانونية وأشكال العلاقات الاجتماعية؟

هذا ولم نتحدث بعد عن الكلفة المادية العالية لهذه الخدمات، وعن طبقات وفئات مجتمعنا المختلفة غير القادرة على الحصول على خدمات طبية مقبولة.

ماذا تفعل فتاة جامعية في العشرينات، تسكن بعيداً عن العاصمة، إنْ احتاجت طبيباً نسائياً؟ تلجأ إلى مستوصف منطقتها الصحي على الأرجح. ولكن هل ستستطيع إيجاد اجابات دون أن تشعر بالوصم؟ أو هل ستتجرأ على طرح تساؤلاتها أصلاً؟

ماذا لو احتجنا فحوصات للأمراض المنقولة جنسياً؟ كم مبرراً نحتاج أن نحمل معنا حينها؟ صديقة لي أخبرت طبيبها أنها قلقة بشأن علاقة جنسية غير آمنة مرت بها، فكتب لها الطبيب لائحة بالفحوصات الضرورية للتأكد من أنها لم تلتقط عدوى. اتجهت إلى مختبر أحد المستشفيات لتقوم بالفحص فتعرضت للمساءلة عن سبب حاجتها لهكذا فحص وهي عزباء!

ما هو حجم القلق الذي يجب أن نعيشه مع كل علاقة نمر بها؟ نعيش مكبَّلات بكل أنواع الخوف والتردّد، خوف من الانتهاك، وخوف من الأمراض، وخوف من الفضيحة وخوف من الابتزاز. نتردد بين القيام بالفحوصات اللازمة أو تجنب النظرات المحدقة والتساؤلات الغريبة، نتردد بين الثقة بمَن يفترض أن نثق بهم أو أخذ جميع الاحتياطات اللازمة لأن الحقائق لا تهم أمام المسلمات الاجتماعية.

"هل أنت متزوجة؟ تسألني الممرضة في عيادة الطبيب النسائي. وهل هذا سؤال علمي؟ أقاوم أن يكون هذا جوابي، وأكتفي بالرد على مضض: كلا... هل تشعر الممرضة بأن السؤال عن الممارسة الجنسية بشكل واضح فيه إهانة؟"
"ربما نحن بحاجة إلى أن نتكلم عن الجنس بشكل طبيعي أكثر، نحن بحاجة إلى أن نعترف أننا نمارس الجنس كبالغين وراشدين برضى ومتعة، وأن نتكلم أكثر عن أعضاء جسدنا الجنسية... حياتنا الجنسية موجودة، حقيقية، وواقعية، ومن حقنا أن تكون صحية وآمنة"

والقلق الأكبر، ماذا لو حملت امرأة غير متزوجة في بلد يُمنع فيه الإجهاض بالمطلق؟ كيف يمكن لها أن تجد طبيباً أو عيادة أو مركزاً صحياً يستقبلها ويحتويها. بين الاعتراف بممارسة جنسية دون عقد زواج، والاعتراف بحملٍ وجوده غير قانوني والتخلص منه غير قانوني، كل الاحتمالات تبدو عقاباً لا طريق للتعاطي معه.

قد تجرب المرأة البحث عن طبيب تستطيع مصارحته بوضعها وعلى الأرجح سيرفض القيام بعملية إجهاض خوفاً من الملاحقة القانونية. قد تجرب الاحتفاظ بالجنين في مجتمع يرفض الأم العازبة ويسجل أطفالها كمكتومي القيد أو بطرق أخرى ملتوية، هذا إنْ لم يقتلها أهلها أو أحد الأقارب انتقاماً "للشرف".

تلجأ الكثيرات من النساء المضطرات إلى عيادات غير مجهزة وأطباء "يتنازلون" ليقوموا بعمليات الإجهاض بسرية مقابل مبالغ من المال ضمن معايير سلامة تقارب الصفر ولكن ذلك كله لن يهم بالنسبة إليها. احتمال موتها أثناء العملية وارد ولكن خوفها من القتل أكبر. الآلام والأوجاع الهائلة مؤكدة ولكن خوفها من الفضيحة يجعلها قابلة للاحتمال. خطر حدوث مضاعفات وتأثيرات طويلة الأمد على صحتها كبير ولكنها ستفضل هذه المخاطرة على أن تواجه وتقول: نعم، أنا مارست الجنس، ولكنني غير قادرة على الاحتفاظ بهذا الجنين وأحتاج إلى مساعدة طبية لأجهض.

الاحتمال الآمن هو الاحتمال الوحيد غير الوارد. معظمهن مضطرات أن يكملن حياتهن الروتينية في اليوم التالي، أو في نفس اليوم أحياناً ويتظاهرن كأن شيئاً لم يكن. مضطرات لتحمل الأوجاع والضغط على أنفسهن والذهاب إلى العمل أو الجامعة والابتسام في وجه الآخرين. هذا عدا الألم النفسي الذي تمرّ به المرأة نتيجة كل هذا الضغط والقلق ونتيجة عملية الإجهاض نفسها.

مضطرات نحن أن نختار بين احتمالات كلها غير آمنة. لنأخذ القرار نفاضل أي خيار سيؤذينا أقل قليلاً؟ فنحن معتادات على الألم والخوف والخطر، وسنعيشها كلها مهما كان الخيار. نفكر في الجميع قبل أنفسنا، صحتنا لا تعود مهمة، العبء المادي يكسرنا ولكننا سنجد طريقة ما.

تفاضل امرأة حامل غير متزوجة بين الاحتمالات وعلى الأرجح ستختار إجهاضاً غير آمن عليها وفيه الكثير من الألم الجسدي والنفسي. ستفضل ذلك لأن ليس لديها عائلة تحتويها ولا نظام صحي أو طبيب يعاملها بمهنية ولا قانون يحميها سواء اختارت الإجهاض أو مواصلة الحمل.

أكتب عن امرأة غير متزوجة لأنني أعرف أن معركتها أقسى ولكن ذلك لا يمنع أن امرأة متزوجة أيضاً قد تحتاج أن تجهض ولن تكون المواجهة سهلة عليها هي الأخرى. العوائق متشابهة.

ربما نحن بحاجة إلى أن نتكلم عن الجنس بشكل طبيعي أكثر، نحن بحاجة إلى أن نعترف أننا نمارس الجنس كبالغين وراشدين برضى ومتعة، وأن نتكلم أكثر عن أعضاء جسدنا الجنسية، أن نستطيع سؤال الطبيب/ة عن كيف نحمي أنفسنا، عن أساليب الوقاية في العلاقات وعن كيفية التعاطي مع أخطائنا والحالات غير المرغوبة. حياتنا الجنسية موجودة، حقيقية، وواقعية، ومن حقنا أن تكون صحية وآمنة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard