"مهرجاز" في حيفا… ما علاقة فلسطين بموسيقى الجاز؟

الخميس 17 أكتوبر 201906:43 م

من مدينة حيفا في فلسطين، انطلق مساء الأربعاء 16 تشرين أوّل/ أكتوبر 2019 مهرجان فلسطين المستقلّ للجاز بنسخته الثالثة، الذي يحمل اسم "مهرجاز"، كدمج بين الكلمتين "مهرجان" و"جاز"، ويستمر لغاية 26 من الشهر نفسه.

تأسس المهرجان في العام 2017، بمبادرة من مجموعة مستقلة من الشباب الفلسطيني العاملين في حقول ثقافية متنوعة، بهدف إنشاء منصة فلسطينية بديلة تسمح لموسيقى الجاز وعشّاقه بالالتقاء في فلسطين، والتواصل وتبادل المعرفة، وفي البيان التعريفي قال القائمون على "مهرجاز": "إيماناً منا بأن الموسيقى والفن هما أعلى أشكال التعبير الإنساني".

تُقام فعاليات "مهرجاز" في كل من حيفا ورام الله، ويستضيف المهرجان عروضاً موسيقية بالإضافة إلى ورشات عمل وعروض أفلام حول الجاز، بالتعاون مع مهرجان حيفا المستقلّ للأفلام. وقد افتتح المهرجان الموسيقي العراقي الأمريكي أمير الصفّار، الذي يدمج الجاز في موسيقى شرقية على مقامات عراقية.

المقامات العراقية والجاز في حيفا

في حديث مع سوزان مطر، إحدى القائمات على "مهرجاز"، مباشرة بعد ورشة العمل التي قدّمها أمير الصفّار حول رحلته مع الجاز ودمجه للمقامات العراقية معه، قالت لرصيف22: "قصّة أمير الصفّار مثيرة جداً للاهتمام، كإنسان وُلد في أمريكا لأم أمريكية وأب عراقي، وفي بيت بعيد عن جذور العراق، سمّاه الغربة، هكذا كان يشعر والده".

لم يتعلم أمير العربية في البيت، ودخل عالم الموسيقى الغربية والكلاسيكية، وتتابع: "نقطة التحوّل في حياته عندما التقى بجذوره من خلال الموسيقى وبدأ يجد نفسه في العالم، وفي سفره إلى العراق وسوريا ومصر، فرحلة العودة إلى البيت وإلى الجذور والبحث عن التراث والتاريخ، فهذا مربوط بالجاز الذي كل ما يتعلق بمسألة الجذور مهمّة فيه".

في علاقة هذا بفلسطين، تقول سوزان: "القصّة هذه تشبهنا، تشبه موسيقى الجاز، عملية البحث والمعرفة التي تخرج منها الموسيقى بشكل آخر، بشكل صادق…ما هي الحرية؟ الجاز لم يحرّر السود، ولكن الجاز منحهم إحساس الحرية عندما كانوا مستعبدين… عندما تكون في السجن، بإمكانك أن تكتئب وبإمكانك أن تخلق وتلوّن".

التشابه بين الفلسطيني والأفريقي الأمريكي

في بيان "مهرجاز" التعريفي، كتب القائمون عليه: "نرى وجود تشابه كبير بين المجتمع الفلسطيني والمجتمع الأميركي الأفريقي فيما يتعلق بمكابدة الصعاب. موسيقى الجاز هي طريقة حياة وفلسفة، أطلقت في مواجهة الظلم اللاإنساني الذي عرفته المجتمعات الأفريقية في الولايات المتحدة، وعليه، موسيقى الجاز هي لغة وصوت يجسّدان المعتقدات الأساسية والعالمية الأساسية: الحرية والتحرير والتواصل والتمكين. إنه نتاج صراع طويل".

بالعودة إلى الفكرة الأولى من تأسيس "مهرجاز"، وفي حديث مع آدم الحاج يحيى، أحد القائمين على المهرجان، قال لرصيف22: "نحن بالأساس مجموعة شباب نحب الجاز، منّا من يتعلمه ومنّا من يحبه فقط، ورأينا أن هنالك نقصاً في المنصات الفلسطينية التي تستوعب هذه الموسيقى". ويضيف: "الأمر الثاني الذي حثّنا على تأسيس المهرجان هي الفكرة المغلوطة عن موسيقى الجاز كأنها بعيدة عنا، فهنالك موسيقى شامية كثيرة تربينا علينا لكننا لا نعرف أنها جاز، مثل موسيقى الأخوين رحباني وأغاني فيروز… شعرنا بحاجة أن نظهر قرب الجاز من قصصنا، كما وتنوّعه".

من منطلق شخصي، يرى آدم بأن على المستوى السياسي والثقافي، الجاز هو ليس جانراً موسيقياً فقط، ويضيف: "بل أراه وسيلة تعبير، إن تاريخ الجاز نتج عن مصاعب وكانت الموسيقى مهرباً وتعبيراً عنها لدى المجتمع الأفريقي في أمريكا. وكان الناس يلتقون ويتكلمون عن هذه المصاعب والاضطهاد من خلال الآلات الموسيقية، وهذه فلسفة اللقاء، قدرته على تجميع الناس على منصة واحدة وخلق حوار بينهم".

ويتابع: "بالرغم من الاختلافات بين النضال الأفريقي الأمريكي وبين الفلسطيني، لكن هنالك تقاطعات عديدة، ترويها أيضاً حركات تضامن عالمية، منها "بلاك لايف ماتيرز" وحراكات التضامن الفلسطينية أينما كانت… فهنالك تشابه، لكن موسيقى الجاز لم تدخل كثيراً إلى المجتمع الفلسطيني، ورأينا ضرورة إحضارها إلينا".

النضال ليس عن طريق المظاهرات فقط

مثل مشاريع ثقافية فلسطينية مستقلّة عديدة في حيفا، يأتي أيضاً "مهرجاز" حاملاً مقولة تدمج بين الموسيقى، الجاز في هذا السياق، وبين الفعل السياسي، الذي يروي حكاية المكان وناسه، ويربطه سواء بمحيطه العربي و/أو في العالم. في حديث مع الموسيقي جميل مطر، وهو أيضاً أحد القائمين على المهرجان، قال لرصيف22: "السيرورة التي خُلق فيها الجاز وتطوّره من خلال نكبة الأفارقة في آخر مئة عام، نلمس وجوه شبه عديدة مع الفلسطينيّين، بالتعرّض للاضطهاد الجسدي أو الثقافي ".

ويتابع: "الجاز كان رد فعل الأفارقة على الاضطهاد، وجدوا في الموسيقى مساحات حرّة قدّموا من خلالها ما شاؤوا وحثّتهم على الحرية. وهنا ما نريد أن نقوله أيضاً، عندما أواجه كفرد أو نواجه كجماعة مشكلة ما، السؤال هو كيف نواجه هذه المشكلة؟ هل سأبكي على كوني ضحية أم أخلق حركة (movement) ما؟".

ويضيف: "نضالنا كفلسطينيين قادر أن يكون ليس فقط عن طريق مظاهرات، إنما أيضاً عن طريق الموسيقى وخلق مساحات ثقافية، عندما ربما يتغيّر منظورنا للواقع الذي نعيشه. الجاز يرتكز على الارتجال، على عزف اللحظة، على تقديم ما يشعر به الموسيقي في الوقت المحدد… مشاعر حزينة أو سعيدة، كلها تأخذ حقّها الكامل بالتعبير، التقبّل والاحترام".

تأسس "مهرجاز" بمبادرة من مجموعة مستقلة من الشباب الفلسطيني، بهدف إنشاء منصة بديلة تسمح لموسيقى الجاز وعشّاقه بالالتقاء في فلسطين، والتواصل وتبادل المعرفة.

السيرورة التي خُلق فيها الجاز وتطوّره من خلال نكبة الأفارقة، نلمس فيها وجوه شبه عديدة مع الفلسطينيّين، فيما يتعلق بالتعرّض للاضطهاد الجسدي أو الثقافي".

فضاءات إسرائيلية بعيدة عن حقيقة الجاز

في الداخل الفلسطيني، هنالك مساحات إسرائيلية تقدّم موسيقى الجاز، وبالتالي، فإن الموسيقى متوفّرة بشكل أو بآخر، عن هذا يقول جميل مطر: "هنالك مفهوم مغلوط عن ماهية الجاز، كما أن هنالك خطّ تجاري للموسيقى، فالفرق واضح، وهنالك ما هو مصنّف على أنه جاز وهو ليس كذلك. حسب رأيي، من الصعب أن يُعزف الجاز لو لم يُفهم من أين جاءت الموسيقى، أو لم يتواصل الموسيقي مع جذورها، ومعرفة مفاهيمها كي نعرضها للناس".

ويتابع: "بالفضاءات الإسرائيلية لا أرى دوماً عروضاً تتوافق مع مبادئ الجاز، عدا عن التعامل مع الجاز بشكل تجاري، في مهرجاز نهتم أن نستضيف فرقاً موسيقية تحمل مقولة سياسية أو موسيقية، ونخلق مساحات مع الجمهور لخلق معرفة وتواصل وتفاعل، وهذا ربما ما يفرقنا عن الفضاءات الإسرائيلية أو ما يُقدّم في مهرجان إيلات الدولي للجاز".


خلق معرفة وفضاء راديكالي

يستضيف المهرجان مجموعة من الموسيقيين، جزء كبير منهم من خارج فلسطين، كما يُطلب من كل موسيقي تقديم ورشة عمل مجانية للجمهور، من منطلق أن تتوفّر للجميع، وتمنح لقاء بين الجمهور والموسيقي، حيث يرى القائمون على "مهرجاز"، بأن هذه المساحة هي جزء أساسي من خلق جسم معرفي عبر المهرجان وليس ترفيهي فقط.

هنالك دعم بسيط يحصل "مهرجاز" عليه من خلال مؤسسات ثقافية أو تجارية عربية وفلسطينية، ويعتمد بالأساس على بيع التذاكر وحضور عدد كبير من المتطوعين المؤمنين بفكرته وما يقدّمه للجمهور الفلسطيني، في حيفا ورام الله، وكل من يستطيع أن يصل إليهما في ظلّ الاستعمار والحواجز والتصاريح.

حول مسألة الدعم، يضيف آدم حاج يحيى: "المشروع هو بمفهوم ما راديكالي وأندرجراوند، وهو مستقلّ من ناحية التمويل، وبنفس الوقت لا نعمل مع أي جسم يضطهد أي مجموعة، بمعنى لا نعمل أو نتعاون مع جسم يضطهد نساء أو فئات مستضعفة أخرى".

ويتابع: "وعلى قدر ما هو من المهم لنا أن نقدّم وجوه التشابه بين فلسطين والجاز، بين نضال الفلسطينيين ونضال الأفارقة في أمريكا، على قدر ما أننا بنفس الوقت نعرّف عن فلسطين لضيوفنا من الموسيقيين، عن قصصنا كفلسطينيين، فكل خطوة تحمل معنى، هكذا نشعر أن ما نفعله صحيحاً وبأننا مهرجاز يجب أن يستمر".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard