حنين للأم وشوق للحبيبة… الوشم على أجساد المساجين في مصر

الأحد 20 أكتوبر 201903:17 م

اعتاد عمرو أن يخرج من بيته مشمرا بنطاله عن ساقيه، لا لشيء غير إظهار الوشم، خنجر مرسوم بحرفية عالية، والذي يتناسب حجمه مع طوله الفارع، في الوقت الذي ظهر على ساعديه رسومات أخرى تعطي إحساساً لمن يراها بالقوّة، تتناغم مع عضلاته المفتولة.

يقول عمرو. م  (38 عاماً) المولود بمحافظة المنيا جنوب مصر، لرصيف22: "البداية كانت في سجن المنيا، حيث قضيت سنوات إثر مشاجرة وقعت بيني وبين أحد الأشقياء، اتهمت إثرها بـ"الشروع في القتل"، وهناك في السجن رسم لي أحد النزلاء على جسدي تلك الرموز".

الوشم من العار إلى الوجاهة

في سجون الولايات المتحدة ودول غربية أخرى تجسد الوشوم قصصاً شخصية، ومكانة بين الأصدقاء، فبعض العصابات تعتمدها كدليل عضوية، ومن ثم يعرف الآخرون من خلالها إلى أي العصابات ينتمي، ومكانته فيها، ودرجة خطورته، فلا يعبثون معه، وكما يوضح الكاتب الصحفي الأمريكي مايك روتشيلد في مقال له، يبرز الوشم أحياناً عضوية مرتديها في جماعة المافيا المكسيكية أو الإخوة الآريين، وأنه لا ينبغي العبث بها.

وبشأن الوشوم التي توضح مكانة المسجون، يكتب إن وشم "الصليب على الصدر" يرمز إلى "أمير اللصوص"، الذي يوجد في الغالب في السجن الروسي، وعادة ما يكون عضواً في أعلى رتبة في المافيا.

وتعتبر "الدمعة" الوشم الأكثر شيوعاً بين تلك العصابات، حيث يحمل أكثر من دلالة، كما يمكن تطبيقه بسهولة، فقد يمثل أن "الشخص الذي لديه وشم "مملوك" لسجين آخر. كما قد يعني أن صاحبها قد ذبح شخص ما في السجن"، أما إذا رسمت دمعة تحت العين اليمنى، فإن هذا يمكن أن يعني أيضاً أن الشخص فقد أحد أقاربه أو أحد أفراد أسرته.

أما في مصر فالعصابات ترسم  وشوماً لتمييز أعضائها، بحسب النقيب محمد صقر، الضابط بوزارة الداخلية المصرية، يقول لرصيف22 إن ما يعرف بـ"وشم السجون" في مصر، هو عبارة عن رسومات يرسمها المساجين على أجسادهم بشكل فردي، وحسب هوى كل شخص، لذلك جاءت مختلفة من شخص لآخر، ومعبرة عن ذكرى خاصة به، أو حنين لشخص خارج السجن، يقول صقر: "في بعض الأحيان يكون هذا الشخص هو أمه، ومن ثم يكتب على ساعده كلمة بحبك يا أمي، أو ست الحبايب يا أمي، وفي أحيان أخرى يكون حنينه لحبيبته، لذلك يرسم قلب وبه سهم، ويضع حرفيهما بجواره، أو قد يكتب اسمها صراحة".

"يكتب السجين على ساعده كلمة بحبك يا أمي، أو ست الحبايب يا أمي، وفي أحيان أخرى يكون حنينه لحبيبته"
"الشاب المصري عمرو يؤكد أنَّ الأدوات التي كان يستخدمها نيجريت في السجون الأمريكية لا تختلف كثيراً عن الأدوات التي استخدمت معه في سجن المنيا"

ويقول صقر أن وزارة الداخلية لمصرية كانت تعتمد ذلك الأسلوب مع المساجين الجنائيين، مضيفاً: "ولكن كان ذلك يجري قديماً، قبل اختراع الـ"فيش وتشبيه"، وذلك لسهولة التعرف على الأشقياء والخارجين على القانون، إذا ما مرّ أحدهم بلجنة أمنية، وكانوا يقولون عن ذلك الفعل: دقّ له".

وتابع: "الآن أصبح الأمر نوعاً من الوجاهة، فقد خرج من دائرة كونه وصمة عار إلى فعل يتباهى به السجناء، لذلك ابتعدت الأجهزة الأمنية عن استخدامه، أيضاً لم يعودوا في حاجة إليه".

وبالمقارنة، فقد كان الوشم في السجون الروسية في عهد الاتحاد السوفييتي، يعني أن صاحب هذا الوشم مجرم كبير، كما أن وشم نمر أو رأس قط على صدر السجين يعني أن هذا السجين مكار ومخادع يجب الحذر منه، كما كان وشم جمجمة بسكين على حنجرة السجين يعني أنه قاتل.

"وشم الصداقة" بين سجَّان وسجين

أكمل مخلوف عبد العظيم عبد المعبود في عام 1978 عامه الثامن عشر، ومن ثم كان عليه تأدية الخدمة العسكرية الإلزامية، فلمَّا تقدم لذلك، جاءت خدمته حارساً في سجن "منقباد" الحربي بأسيوط، ويحكي أن أيامه هناك كانت غريبة بعض الشيء، فرغم ما حوله من حكايات لمساجين يدمى لها القلب، إلا أن عشرتهم وطرافتهم هي ما هونت عليه ذلك، "في حين أنهم من كانوا بحاجة لمن يهون عليهم".

كان سجن "منقباد" الحربي هو المكان الذي شهد رسم الوشم على ذراع "المجنّد" عبد العظيم وقتذاك، فقد نشأت صداقة بينه وبين أحد المساجين: "كان اسمه أحمد كمبا، كان شاباً من محافظة الإسكندرية، ضخم الجسد، طويل القامة، طيب القلب وشهم، ضرب ضابط جيش، فحكم عليه بالسجن 15 عاماً".

ويحكي مخلوف عبد العظيم (57 عاماً) عن ليلة رسم الوشم لرصيف22: "صرنا أصدقاء أنا وكمبا، وفي ليلة قال لي "أريد أن أصنع لك ذكرى تجعلك تتذكرني ما حييت"، فلو أعطيتك جواباً لربما أضعته، ولو أعطيتك ثياباً لبليت مع الزمن، ولكن أريد أن أجعلك تتذكرني كلما شمرت ملابسك للوضوء، أو رفعت يدك للدعاء، لذلك دعني أكتب لك بعض الذكريات على ذراعك".

" دعني أكتب لك بعض الذكريات على ذراعك".

يحكي عبد المعبود عن خوفه في بداية الأمر إلا أن صديقه السجين "كمبا" أكّد له أن الأمر ليس مؤلماً، وبشأن طريقته في صنع ذلك يقول: "أحضر كامبا ثلاث أبر، وربطهم بخيط، وجاء بقلم وكتب على ذراعي اسمي وعنواني، ورسم حوله بعض الأشياء، ومن ثم أخذ يمشي بالإبر على الكتابة، وكان قد أحضر "استك" من بنطاله وأشعله حتى تحول لرماد، وكان كلما مشي بالإبرة على الكتابة، غطى الجرح بالرماد".

واختتم مخلوف عبد المعبود كلامه بعد أن لمعت في عينه ذكرى صاحبه: "لم يكذب كامبا، لم أشعر بألم، ولم أنسه ما حييت، وكلما وقعت عيني على ذراعي دعوت له بالبركة في العمر إن كان حياً وبالرحمة إن كان ميتاً".

"وشم السجون ناقل جيد للمرض"

في مقال "كيف كيف يمكن لوشم السجن إنقاذ السجناء السابقين" يتتبع ثور بينسون مسيرة نيجريت، وكيف أصبح فنان الوشم في الحي الذي يعيش فيه، وهو بين سن 16 إلى 20 عاماً، عندما كان في أحد سجون "هيئة شباب كاليفورنيا"، بسبب تورطه في عمليات السطو وعنف العصابات، أصبح هناك فناناً لوشم السجون، وهو المكان الذي تعلم فيه صنع آلات الوشم.

في حديثه للصحفي الأمريكي، يشير نيجريت إلى أن أدوات صناعة الوشم تتكون جميعها من عناصر بسيطة، يُسمح بدخولها السجون، أو تهريبها إذا تعثَّر الأمر، وكانت الأدوات عبارة عن: "محركات مشغل الكاسيت، وفرش الأسنان، وأقلام حبر جاف، وأوتار الجيتار المشحونة، ودبابيس الورق".

الطريف أن الشاب المصري عمرو يؤكد أن الأدوات التي كان يستخدمها نيجريت في السجون الأمريكية لا تختلف كثيراً عن الأدوات التي استخدمت معه في سجن المنيا: "كنا نستخدم إبرتين أو ثلاث، نربطهم بخيط، وبعد أن نرسم ما نريد أو نكتب ما يعجبنا يقوم أحدنا بوخز الكلام أو الرسمة بالإبر، وبعدها نحضر "استك" من بنطال أحدنا ونشعله، ونجمع رماده لنضعه على الجرح، وذلك ليقوم بدور الصبغة، والتي تعطي الرسمة لونها الأزرق، وغالباً ما كان الشخص الذي يفعل ذلك هو أقدمنا في السجن، وقد تعلم ذلك ممن سبقوه أيضاً".

الأدوات المستخدمة في عملية وشم المساجين يتم تطهيرها عن طريق لهب ولاعة أحدهم، وفي حين أن ذلك ليس كافياً، يضيف عمرو، واللهب بمرور الوقت يجعل من الأدوات المستخدمة صدئة، ومن ثم يحدث تسمم للجروح، الأمر الذي يجعل الجروح تتقيح وتلتهب في بعض الأحيان، "وقد يسخن جسن السجين في تلك الليلة أو لليلتين، ولكن بعدها يصبح أفضل".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard