عوالم نجيب محفوظ (6) "السكرية"... هل تنتهي حكاياتنا بالموت؟

الخميس 17 أكتوبر 201905:26 م

لم تكن "السكرية"، الجزء الأخير من ثلاثية القاهرة الخالدة التي خطها الأديب المصري نجيب محفوظ، مجرد نهاية للأحداث التي بدأت بـ"بين القصرين"، و"قصر الشوق"، بل هو أقرب لرسالة فلسفية من محفوظ المهموم بقصة الخلق، مفادها أن الحياة مستمرة سواء كنا فيها أو بعد أن نتركها، إذ امتلأت الرواية بقصص عن الموت لكنها لم تخلُ من قصص عن الحياة الجديدة لأحفاد السيد أحمد عبد الجواد وزوجته أمينة.

ما أهمية الرواية من الناحية الأدبية؟ وما دلالات المكان فيها؟ هل "السكرية" منطقة حقيقية في القاهرة أم مجرد فكرة من بنات أفكار الأديب نجيب محفوظ؟ يأخذكم رصيف22 في رحلة جديدة إلى واحد من أصعب عوالم نجيب محفوظ وأكثرها حزناً، حيث الموت يشارك الحياة البطولة.

يبدو أن محفوظ في "السكرية" أراد أن يرسل لقرائه رسالة فلسفية مفادها أن الحياة مستمرة ولن تتوقف حتى لو ماتت أهم الشخصيات التي كنا نظن أنها تحرك عالمنا.

تحكي ثلاثية القاهرة عن عائلة السيد أحمد عبد الجواد وزوجته الطيبة الخاضعة أمينة، وأبنائهما وأحفادهما،إذ نقترب من حياتهم التي تتشابه وحياة آلاف الأسر المصرية ما قبل ثورة العام 1919 وما بعدها. وتدور أحداث السكرية بعد نهاية أحداث الجزء السابق بثمانية أعوام كاملة، أي في العام 1934، وتنتهي في العام 1943.

تبدأ "السكرية" بداية حزينة، حيث يتوفى إبنا عائشة ابنة السيد أحمد عبد الجواد وزوجها متأثرين بمرض التيفوئيد، وهذا ما يتسبب في تغيير كلي في شخصيتها، فبعد أن شاهدناها في الأجزاء السابقة نموذجاً للجمال والشباب والصحة، نراها في هذا الجزء مريضة وحزينة، غاب عنها جمالها وأصبحت بشرتها شاحبة، وشخصيتها أيضاً. صارت عائشة مختلفة عما كانته في الماضي، تدخن بشراهة شديدة، أدمنت شرب القهوة، وأصبحت غائرة العينين، خامدة النظرة، تنظر بحزن لابنتها نعيمة التي بلغ عمرها 16 عاماً.

نرى في الجزء الثالث من الثلاثية أطفال الأجزاء السابقة بعد أن كبروا وصاروا شباناً ناضجين، فيما توفي معظم شخصيات الأجزاء السابقة، أما الابن كمال فلم يعد البطل الأهم مثلما كان في قصر الشوق، إذ صار معه أبطال آخرون هم أبناء أخيه وأخته.

ينطلق محفوظ في الرواية بمشهد بديع، يرصد لنا من خلاله كيف مرت السنين على أسرة "سي السيد"، ويصف مشهد اجتماعهم حول طاولة الطعام، ويبدأ بوصف يد عائشة التى ظهرت عروقها وغابت نضارتها مواصلاً الوصف بشكل تدريجي حتى يصل إلى وصف الشيب في شعرها، وهذا ما جعل أولى صفحات الرواية أقرب للوحة مرسومة منها لكلمات مرصوصة.

أبرز شخصيات السكرية

في "السكرية" نقترب أكثر من عبد المنعم، الإبن الأكبر لخديجة ابنة السيد أحمد عبد الجواد، الطالب بكلية الحقوق، والذي يمثل الشاب المتدين في الرواية، فهو ملتزم الصلاة، ومكتبته ملأى بالكتب الدينية، وبعد فترة ينضم إلى جماعة الإخوان المسلمين ويطلق لحيته، لكن الضعف البشري كان جزءاً من شخصيته، إذ نراه بعد أن وقع في حب جارته المراهقة، وحين كانا يلتقيها في الظلام كان ينسى تماماً كل شيء عن الدين ويتذكر رغباته الجنسية فحسب.

يؤمن عبد المنعم ايماناً كبيراً بجماعة الإخوان، وهم يؤمنون به، ويجعلونه مستشاراً قانونياً لشعبة حي الجمالية، ويبدأ بعقد اجتماعات للجماعة، لكن لا تسير حياته بهذا الهدوء، إذ سرعان ما يكشف الأمن المصري أمره، فيعتقله، رغم كل توسلات خديجة للمأمور بترك ابنها، في مشهد مؤثر جداً.

في "السكرية" ينتقل بنا نجيب محفوظ إلى مستوى أكثر تعقيداً من حكايات البشر، لكنه يجعل مسرح الأحداث هو عدد قليل جداً من حارات القاهرة القديمة وأزقتها، وفيها يبسط لنا تراجيديا تتقاطع فيها مصائر الشخصيات والتيارات السياسية
في رواية "السكرية" الكثير من الأفكار الفلسفية، وكأن محفوظ يطلب منا كقراء بشكل غير مباشر أن نزداد نضجاً وفهماً للحياة، ولا نكتفي بالفهم الطفولي البسيط الذي يولد معنا
يعود اسم "السكرية" إلى وجود العديد من المحالّ الخاصة ببيع السكر والمكسرات في المنطقة في الماضي، أما اليوم فتنتشر في المنطقة نفسها ورش صناعة الشموع، وفي شهر رمضان تبنى الشوادر (المخازن) التي تبيع الفوانيس الملونة

وعلى عكس عبد المنعم نجد شقيقه أحمد الذي يعتنق الفكر الشيوعي، ورغم أنه كان طفلاً متديناً، يترك الصلاة في الخامسة عشرة من عمره وتبدأ الأفكار الدينية في التواري وتحل محلها أفكار أخرى أقرب للإلحاد. وأثناء دراسته في كلية الآداب، يبدأ في نشر مقالات تروج للفكر الشيوعي في إحدى المجلات المصرية، وينطلق في رحلة العمل في الصحافة بعد التخرج، ويتعرف على محررة زميلة له ثم يقع في حبها. ورغم اعتراض أمه يتزوجها ويسكنان معاً في الطابق الأول من بيت والده. تتطور الأحداث ويتم اعتقال أحمد، وفي الزنزانة يجد نفسه مشمئزاً من ملامسة المساجين الآخرين، فيغير أفكاره عن الشعب الذي قضى جزءاً كبيراً من حياته يدافع عنه.

نتعرف أيضاً على رضوان، ابن ياسين من زوجته السابقة زينب، الذي يقترب من عالم العلاقات المثلية، عن طريق صديقه حلمي، الذي يعرفه على عجوز مثلي جنسياً، ذي منصب مهم، وتحدث علاقة جنسية بينهما، تكون نتيجتها أن يعين العجوز رضوان بعد تخرجه سكرتيراً للوزير.

"الحياة مستمرة ولن تتوقف"

"قبل أن أقرأ رواية السكرية لأول مرة كنت أظن أنها ستكون قصة عن نهاية الخلق، بما أن رواية بين القصرين كانت أقرب لقصة بداية الخلق بشكل غير مباشر، وكانت رواية قصر الشوق تنبض بالحياة في كل تفاصيلها، لكن يبدو أن محفوظ في السكرية أراد أن يرسل لقرائه رسالة فلسفية مفادها أن الحياة مستمرة ولن تتوقف حتى لو ماتت أهم الشخصيات التي كنا نظن أنها تحرك عالمنا"، هكذا يقول لرصيف22 محمد عناني أستاذ الأدب بجامعة القاهرة.

شخصية كمال لم يقصد محفوظ أن يجعلها تتراجع في أحداث "السكرية"، لكنه أراد أن يقول إن هناك حياة مصرية جديدة، أبطالها هم الجيل الجديد من أسرة "سي السيد".

يرى عناني أن أديب نوبل نجح خلال أحداث السكرية في أن ينتقل لمستوى أكثر تعقيداً من حكايات البشر، والجميل بحسب عناني أنه فعل ذلك بشكل غاية في البساطة، إذ جعل مسرح الأحداث هو عدد قليل جداً من حارات القاهرة القديمة وأزقتها.

وفق عناني، فإن شخصية كمال لم يقصد محفوظ أن يجعلها تتراجع في أحداث السكرية، لكنه أراد أن يقول إن هناك حياة مصرية جديدة، أبطالها هم الجيل الجديد من أسرة "سي السيد". لذلك ظل كمال موجوداً في الرواية لكنه توارى إلى الخلف ولم يعد بطلاً كما كان عليه في الأجزاء السابقة.

ويلفت عناني إلى أن رواية السكرية تحوي كمية كبيرة من الأفكار الفلسفية، أكثر بكثير مما ورد في بين القصرين وقصر الشوق، وكأن محفوظ يطلب منا كقراء بشكل غير مباشر أن نزداد نضجاً وفهماً للحياة، ولا نكتفي بالفهم الطفولي البسيط الذي يولد معنا ونحن أطفال، والمثال على ذلك كمال نفسه، الذي كان في الأجزاء الأولى متفائلاً بسيطاً ينظر للحياة بحب، لكننا نراه في السكرية مختلفاً تماماً ونظرته للحياة أكثر عمقاً.

ويرى عناني أن المكان له دلالة مهمة جداً في “ لسكرية"، فالحارات والأزقة لا تعبر عن الأماكن التي يعيش فيها أبطال الرواية فقط، بل تعبر كذلك عن مصر الكبيرة، ويشير إلى أن القاهرة القديمة هي مصر الحقيقية من وجهة نظر محفوظ، لذلك اعتبرها المسرح الأساسي لأبطاله.

عن السكرية الحقيقية

في كتابه "نجيب محفوظ.. المكان الشعبي" يتحدث الباحث شريف الشافعي عن منطقة السكرية الحقيقية التي كتب عنها محفوظ، قائلاً إنها تقع جنوب شارع المعز بالقرب من باب زويلة وبوابة المتولي بالجمالية، وبها العديد من الآثار الإسلامية، منها جامع المؤيد التاريخي، وحمام السكرية الذي يقع أمام باب المسجد الكبير، وهو من الحمامات الشعبية القديمة وكان يعرف بحمام الفاضل.

وفي المنطقة أيضاً وكالة السكرية، وقد بنتها نفيسة البيضاء في العصر العثماني، وما زال متبقياً منها سبيل نفيسة البيضاء ويقع عند شارع السكرية على يمين الداخل من باب زويلة.

وبحسب الشافعي فإن اسم السكرية يعود إلى وجود العديد من المحالّ الخاصة ببيع السكر والمكسرات في المنطقة في الماضي، أما اليوم فتنتشر في المنطقة ورش صناعة الشموع، وفي شهر رمضان تبنى فيها شوادر (مخازن) بيع الفوانيس الملونة.

المكان له دلالة مهمة جداً في "السكرية"، فالحارات والأزقة لا تعبر عن الأماكن التي يعيش فيها أبطال الرواية فقط، بل تعبر كذلك عن مصر الكبيرة

يضيف الشافعي أن منطقة السكرية بالكامل، شأنها شأن بقية مناطق شارع المعز الذي يعتبر من أكثر شوارع العالم امتلاءً بالآثار ما زالت أميل إلى الماضي بطقوسه ورائحته وأصالته، رغم سمات الحياة العصرية الواضحة في محلاته الحديثة، وواجهات محلات المجوهرات التي زحفت من الصاغة إلى المنطقة.

عن الحاضر والمستقبل

تحكي السكرية عن الموت والحياة، إذ شهدت أحداثها وفاة أحمد عبد الجواد وأمينة وخليل وعثمان ومحمد وكريمة (زوج عائشة وابنيها وابنتها العروس)، وعايدة شداد معشوقة كمال، كذلك فقد رسمت الرواية ملامح الإخفاق والذبول التي أصابت العديد من شخوصها، فعائشة تدمن السجائر والقهوة، وتفقد الشهية للحياة، وكمال يفتقد الثقة بالمرأة والقانون الاجتماعي، وأحمد وعبد المنعم ابنا خديجة ينتهيان إلى السجن بسبب يسارية الأول ويمينية الثاني.

لكن وسط هذه التراجيديا، يخبرنا محفوظ عن عالم كريمة ابنة ياسين وزوجة عبد المنعم التي تستعد لوضع مولودها في خاتمة الرواية ليأتي الطفل الذي يعبر عن المستقبل فيما يلخص والده الحاضر، الذي يعيشه بعيداً عنهما في المعتقل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard