لبنان وسوريا وفلسطين… وحدة النار وحريق الألم رغماً عن الساسة

الأربعاء 16 أكتوبر 201905:09 م

قيل يوماً إن الشعبين السوري واللبناني، هما شعب واحد في بلدين. المفارقة أن من حاول تكريس هذه المأثرة هو حافظ الأسد نفسه، الذي حكم بقبضة من الدم والنار كلاً من الشعبين، وتقاسم في آلة حكمه ثرواتهما مع ضباط وشبيحة ومرتزقة عاثوا خراباً في البلدين.

والحقيقة أن أتباع النظام السوري في لبنان منذ أيام الوصاية السياسية والعسكرية، جاهدوا في تكريس مأثرة أخرى قد تكون أبعد من تركيبتها المقصودة حينها، حين تحدّث أحدهم عن "وحدة المسار والمصير" والتي تحوّلت مراراً على لسان معارضين سوريين ولبنانيين إلى نكتة.

سياسات الإهمال والفساد

كان هذا الشعار ممطوطاً في الحقبة السوداء التي أودت في ذروتها إلى اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، وما تلا هذه الجريمة من سلسلة اغتيالات لصحافيين وكتاب ومعارضين للوجود السوري في لبنان. الواقع يثبت أن الشعبين وحدهما، لا الطبقة السياسية التي تتبع لنظامهما الطائفي من جهة والديكتاتوري من جهة أخرى، يعيشان مساراً ووحدة كضحايا لهذين النظامين ولمآثر وجودية وطبيعية يتقاسمانها. فالنظام اللبناني تمارس طبقته السياسية في تواليها على السلطة نهباً وسرقة وإفساداً يتجلى في واقع مخيف وخطير اليوم، يعيش تداعياته اللبناني واللاجئ السوري واللاجئ الفلسطيني، على كافة المستويات الاقتصادية والبيئية والأمنية والمعيشية.

والحال إن آخر فصول سياسات الإفساد والإهمال والمحاصصة، اندلاع حرائق في بلدات وقرى لبنانية من دون خطط لمواجهة ألسنة النار التي التهمت الأخضر واليابس، ووصلت إلى بيوت الفقراء الذين أصبحوا في بلدهم نازحين على الطرقات ومشردين تحت الجسور، أو في أبنية حاول البعض إيواءهم فيها، تخفيفاً من آلامهم وصدمتهم التي لا نزال نعيشها على الشاشات ومواقع التواصل الاجتماعي، متخوفين أيضاً من امتدادها لتطال آخر ما يتغنى به اللبنانيون، وهو ثروتهم الحراجية التي تدهورت أوضاعها منذ سنوات الحرب إلى اليوم.

وتعيدنا الحوادث الطبيعية التي تجري اليوم في كل من سوريا ولبنان إلى هذا الشعار، وعن معنى هذه "الوحدة والمسار" في مفهومها الحياتي والمعيشي، خصوصاً أن خلطاً مجحفاً يتم في نظرة اللبنانيين إلى السوريين من عين النظام السوري، لا الشعب. إذ إن أزمة اللجوء التي يستغلها "العهد العوني" ووزير خارجية النظام اللبناني جبران باسيل ونواب تياره، في مضاعفة التوتر بين الشعبين وإيقاظ مشاعر "اللبننة"، تفرض علينا السؤال حول ضرورات إعادة صياغة هذا الشعار بمقتضياته الواقعية، خارج منطقه السياسي العام ومداولاته في الحكاية السورية - اللبنانية المفترضة، والتي تتداخل فيها المآسي بالوقائع وبتاريخ جليّ من الاضطهاد الذي مارسه النظام السوري على الشعبين، تنكيلاً واعتقالاً وقتلاً وسجناً.

تعيدنا الحوادث الطبيعية في كل من سوريا ولبنان إلى معنى "الوحدة والمسار" في مفهومها الحياتي والمعيشي، خصوصاً أن خلطاً مجحفاً يتم في نظرة اللبنانيين إلى السوريين من عين النظام السوري، لا الشعب

فلسطينيون يتطوعون

ولأن الوحدة والمسار، من حيث الموقع الجغرافي والتاريخ والنشأة والحدث اليومي، يؤسسان فعلياً لمشاعر "وحدوية" والتي تتقاطع أيضاً مع حال الفلسطينيين اللاجئين في لبنان. هؤلاء الذين بادروا في ظل أزمة الحرائق إلى التطوع في المساعدة وتسيير أفواج الإطفائيين للإسهام في درء النيران المشتعلة. وأثبتوا رغم تعرضهم لنسب العنصرية العالية وحرمانهم من العيش الكريم في بلد يحرمهم أدنى حقوقهم إنسانية، وعلى الرغم من استغلال ظروف عيشهم في العراك "اللبناني - اللبناني"، أثبتوا أنهم يبحثون عن وحدتهم مع الشعب اللبناني الذي استضافهم يوماً، بدافع إنساني وقومي وعروبي، وأيضاً بدافع الجيرة والنسب، ولنقل لسبب فطري وعفوي وطبيعي، يتعالى فوق كل هذه المسميات.

ويثبت الفلسطينيون اليوم في ظل الحرائق اللبنانية، أنهم لم ينظروا إلى النظام اللبناني كندّ، وكيف تعامل معهم ومع شتاتهم في المخيمات وسوء حياتهم وعيشتهم، بنظرة المتفرج أو المنتقم. بل بادروا بكثير من الود إلى حماية القرى اللبنانية، لأن هذه الوحدة التي تربط الشعوب في همومها وبؤسها أكبر وأشد لحمة من الواقع السياسي الذي يهدف إلى التفريق لا الجمع.

وتداول ناشطون على "فيسبوك" و"تويتر"، شريط فيديو يظهر فيه قائد الدفاع المدني الفلسطيني من آل الديماسي، وهو يؤكد على مساعدة الدفاع المدني اللبناني عبر فريق أتى من مخيم برج البراجنة، ومخيم شاتيلا ومخيم عين الحلوة، مشيراً إلى أن الدفاع المدني غير مرتبط بحدود معينة ويعمل داخل وخارج المخيمات وسيكمل عمله بذات الروحية دائماً.

بادر الفلسطينيون بكثير من الود إلى حماية القرى اللبنانية، لأن هذه الوحدة التي تربط الشعوب في همومها وبؤسها أكبر وأشد لحمة من الواقع السياسي الذي يهدف إلى التفريق لا الجمع.

تبدو الطبيعة كما التاريخ والجغرافيا، حافلة بظروف التقاطع والتلاحم والتناسق بين الشعوب، فما تحاول لعنة السياسة أن تحفره في نفوسهم، تأتي الحقيقة اليوم جلية أننا نعيش "وحدة النار والحريق" بروح الإخاء والإنسان.

عنصرية مضادة

وعلى الطرف الآخر، انتشرت مقاطع فيديو تظهر لبنانيين يعتدون بالضرب على سوريين. وفي الفيديوهات المنتشرة بعنصرية فائقة مثل نيران الحرائق، يقول هؤلاء المعتدين إن السوريين مسؤولون عما يحدث من حرائق ويتم القبض عليهم. ورغم أن المسألة لم تؤكدها أي جهة أمنية، ولا تحقيق في هذا الجانب، فإن قسماً من اللبنانيين يتعاملون بعنصرية تامة مع الموقف، لإبعاد أي مسؤولية حكومية ورئاسية تقع على هذا العهد الرئاسي الذي يعد الأسوأ في تاريخ لبنان المعاصر. وانتشر على "تويتر" مقطع فيديو يعتدي فيه لبنانيون على سوري قالوا إنه ضُبط بافتعاله حريقاً في أحراش جبيل.

في المحصلة، تبدو الطبيعة كما التاريخ والجغرافيا، حافلة بظروف التقاطع والتلاحم والتناسق بين الشعوب، فما تحاول لعنة السياسة أن تحفره في نفوسهم، تأتي الحقيقة اليوم جلية أننا نعيش "وحدة النار والحريق" بروح الإخاء والإنسان.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard