العارف بالله أبو العينين إبراهيم الدسوقي... "القطب الرابع" الذي يحتفل المصريون بمولده

الأحد 20 أكتوبر 201909:11 ص

في النصف الثاني من شهر أكتوبر/ تشرين الأول، اعتاد الصوفيون في مصر وفي الكثير من دول العالم، على الاجتماع في مدينة دسوق الواقعة على نهر النيل في شمالي مصر، للاحتفال بمولد العارف بالله سيدي إبراهيم الدسوقي.

سيندهش الباحث في سيرة الدسوقي من غياب الكثير من المعلومات التأسيسية المهمة عنه، فيما سيتفاجأ بحجم الروايات الإعجازية والخارقة التي ارتبطت بتلك الشخصية الغامضة، الأمر الذي يستدعي إعادة قراءة للعلاقة بين المخيال الصوفي الجمعي من جهة، والظروف السياسية والاجتماعية التي أسهمت في تشكيله وصياغته من جهة أخرى.

فقيه محدود الشهرة: الدسوقي بحسب النظرة السنية

على عكس التناول الصوفي لشخصية إبراهيم الدسوقي، ذاك الذي يضعه في مكانة عالية بين العلماء ورجال الدين، فأن التناول السني التقليدي لتلك الشخصية، قد أظهره في صورة رجل دين محدود الشهرة والمواهب، وليست له أي تأثيرات على مسرح الأحداث الدينية أو الاجتماعية المحيطة به.

من غير المعروف على وجه التحديد التوقيت الدقيق لانتقال آباء إبراهيم الدسوقي إلى دسوق، والتي يعني أسمها الحوض الممتلئ بالماء، والذي يكاد يفيض بما فيه، وذلك بحسب ما يذكر الباحث فوزي محمد أبو زيد في كتابه "شيخ الإسلام الشيخ إبراهيم الدسوقي"، والمرجّح أن ذلك قد وقع في حياة أبيه أبي المجد، وذلك لأن أغلبية المصادر تتحدث عن ولادة إبراهيم في دسوق نفسها.

ورغم عدم وجود تحديد دقيق لتوقيت ولادة إبراهيم، إلا أن أغلبية المصادر تؤكد على ولادته في عام 653ه، كما تؤكد على أن أباه قد دفع به منذ سن مبكرة إلى سلك التعليم الديني، فحفظ القرآن كاملاً، كما درس الفقه على مذهب الشافعي، وذلك قبل أن يدخل في خلوته التي مارس فيها أمور العبادات والدعاء بعيداً عن أعين الناس.

وتتفق المصادر على أن الدسوقي قد عاش الشطر الأكبر من حياته وحيداً، فلم يتزوج ولم يكن له أبناء، وأنه قد توفي في عام 696ه، وعمره ثلاثة وأربعون عاماً، وخلف وراءه عدداً قليلاً من المصنفات قليلة الأهمية، والتي لم تصل إلينا بتمامها، ومنها: الجوهرة، الحقائق، والرسالة بالإضافة إلى مجموعة من الأوراد والأحزاب، وقصيدة شعرية طويلة تُعرف بتائية الدسوقي.

مجمل تلك النظرة، يعبّر عنها الدكتور عامر النجار في كتابه "الطرق الصوفية في مصر" بقوله: "إن الدسوقي ببساطة يمكننا أن نتصوره مسلماً طيباً مباركاً علمه والده، وعنى بتربيته منذ كان صغيراً، وكان نبوغه واضحاً ظاهراً ملفتاً للنظر...".

أبو العينين والقطب الرابع: سيرة مكتظة بالبشارات والمعجزات وأخبار الكرامات والمناقب

يحظى الدسوقي بمكانة معتبرة في العقل الصوفي الجمعي عموماً، والمصري منه على وجه الخصوص، فهو العارف بالله، أبو العينين، الذي مُنح القدرة على أن يرى بعين البصر وعين البصيرة، وهو القطب الرابع من أقطاب التصوف.

انطلق المخيال الصوفي في تناوله لشخصية إبراهيم الدسوقي من مجموعة المعلومات التاريخية البسيطة التي عُرفت عنه، إلا أنه قد عمل على تضخيمها وربطها بأسباب التبجيل والقداسة بشتى السبل، حتى أضحت سيرة الدسوقي في نهاية الأمر، سيرة مكتظة بالبشارات والمعجزات وأخبار الكرامات والمناقب.

النقطة الأولى في سبيل بناء تلك السيرة، تمثلت في ضرورة ربط الدسوقي بأسلافه من الأقطاب الثلاثة الأوائل: "أحمد الرفاعي، عبد القادر الجيلاني، وأحمد البدوي"، وبمجموعة من مشاهير صوفية عصره، حتى يظهر القطب الرابع على كونه فرعاً مكملاً للدوحة الصوفية المحمدية وارفة الظلال، ومن هنا نستطيع أن نفهم حرص عبد الوهاب الشعراني في كتابه "لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية"، والمشهور باسم طبقات الشعراني، على التأكيد على أن أمّ الدسوقي، هي السيدة فاطمة بنت الشيخ الكبير أبي الفتح الواسطي، والذي كان خليفة القطب السيد أحمد الرفاعي، فيما أكّدت مصادر أخرى على أن السيدة فاطمة كانت أخت أو بنت الصوفي الشهير أبي الحسن الشاذلي. وفي السياق نفسه، أكدت المصادر الصوفية على أن أبا المجد، والد إبراهيم، كان من كبار الصوفية المنتمين للطريقة الرفاعية أو الطريقة الشاذلية.

ولما كانت ولادة القطب، ينبغي أن تظهر في صورة حدث إعجازي مُحاط بأشكال مختلفة من الكرامات والبشارات، فإن الشعراني يذكر أن واحداً من كبار الصوفية ويدعى محمد بن هارون، كان يقوم واقفاً من فوره كلما رأى أبا المجد، ثم توقف عن ذلك، فلما سأله تلاميذه عن السبب، قال لهم إنه لم يكن ليقوم لأبي المجد، وإنما "لبحر في ظهره"، وأنه قد توقف عن القيام، لما انتقل هذا البحر إلى زوجته.

وتستكمل الصورة الإعجازية مع ميلاد إبراهيم في يوم الثلاثين من شعبان، عندما كان الناس يستعدون لصيام شهر رمضان، وأُشكل عليهم تحديد بداية الشهر، فوجدوا إبراهيم يمتنع عن الرضاعة من بعد آذان الفجر، فعرفوا أن ذلك هو فجر أول أيام شهر رمضان، وصام الناس جميعاً اقتداءً بالطفل الرضيع.

ومن بين تلك النقاط المهمة التي عمل المخيال الصوفي على تضخيمها في سيرة إبراهيم الدسوقي، التأكيد على مسألة علمه وعمق معارفه، إذ يذكر عبد الرؤوف المناوي في كتابه "الكواكب الدرية في السادة الصوفية"، أن الدسوقي كان يتقن اللغات السريانية والعبرية والأعجمية، هذا فضلاً عن مشابهته للنبي سليمان في قدرته على التخاطب مع الحيوانات والطيور، وأنه لما قدم عليه سبعة من العلماء الأفذاذ الكارهين له ليسألوه ويمتحنوه ويكشفوا عن جهله، عجزوا عن الكلام والحديث، ونسوا كل ما تعلموه من قبل، وآمنوا بولايته وقطبيّته، ولم ينصرفوا من دسوق إلا وقد أضحوا من عامة أتباعه ومريديه.

وفي السياق نفسه، أشاعت المصادر الصوفية أن إبراهيم الدسوقي قد تقلّد منصب شيخ الإسلام، إذ تنقل الدكتورة سعاد ماهر في كتابها "مساجد مصر وأوليائها الصالحون" عن بعض المؤلفات الصوفية، أن السلطان المملوكي الأشهر الظاهر بيبرس قد اختار إبراهيم الدسوقي من بين جميع العلماء والفقهاء ليتقلّد منصب شيخ الإسلام، وأن الدسوقي - الزاهد في المنصب- قد ظل متقلّداً إياه حتى توفى بيبرس، فاستقال عندها من منصبه ليتفرغ لشؤون طريقته ولتعليم أتباعه.

ورغم شهرة تلك الرواية، إلا أنها ظاهرة الزيف والاختلاق، لأنه لا يمكننا التسليم بأن الدسوقي قد تولى هذا المنصب الرفيع في حياة بيبرس، الذي توفى في 676ه، لأن ذلك إنما يعني بالضرورة أن الدسوقي قد وصل للمنصب في العشرين من عمره على أقصى تقدير، وهو أمر من الصعوبة بمكان، ولم يكن ليُقبل في الأوساط العلمية المصرية الزاخرة بالشيوخ وكبار السن، هذا بالإضافة إلى أن المصادر الصوفية نفسها تؤكد أن الدسوقي قد دخل في خلوة تعبدية لمدة عشرين عاماً متصلة، وأنه لم يغادر مدينة دسوق، فكيف مارس مهام منصبه إذن؟

ولما كانت القطبية منصباً إلهياً لا يتحقق بالجهد بقدر ما يتحصّل بالاختيار الرباني، فقد عملت المصادر الصوفية على رسم صورة إعجازية لاختيار الدسوقي في منصب القطب الرابع، ومن ذلك ما ورد في كتاب "لسان التعريف بحال الولي الشريف" لجلال الدين الكركي، من أن الدسوقي قد أضحى قطباً في السابعة من عمره، وأنه قد اختص بمجموعة من القدرات الخارقة، ومنها أنه نظر لما خطه القلم في اللوح المحفوظ، كما أنه قد جاوز سدرة المنتهى، كما ورد عن الدسوقي نفسه، في الكتاب المنسوب له والمعروف باسم الحقائق، قوله: "إن النبي أخذ علي العهد بيمينه، وصار يكشف لي عن الأمور، ويفتح لي أقفال الحجب".

في النصف الثاني من شهر أكتوبر (تشرين الأول)، اعتاد الصوفيون في مصر وفي الكثير من دول العالم، على الاجتماع في مدينة دسوق الواقعة على نهر النيل في شمالي مصر، للاحتفال بمولد العارف بالله سيدي إبراهيم الدسوقي... فما قصة هذه الشخصية؟

الدسوقي، كرمز للصوفية في العصر المملوكي، حلّ محلّ الشفعاء لمدن الدلتا في العصور التي سبقته، من الآلهة القديمة (أوزير وحورس وست وبتاح وأمون) زمن الفراعنة، إلى القديسين والشهداء (مريم العذراء ومارجرجس ومارمينا ودميانة)،  في العصور القبطية المسيحية

في المخيال السياسي والشعبي

لم يقتصر الحضور المكثّف والطاغي لشخصية إبراهيم الدسوقي على المجال الصوفي فحسب، بل إنه تعدى ذلك ليتداخل أيضاً في تشكيل المخيال السياسي والشعبي في مصر، ليصبح الدسوقي أحد أهم الأبطال الفلكلوريين الذين تحاكى الرواة والقصاص بأخبارهم.

فيما يخص المجال السياسي، فقد اتفقت أغلبية المصادر التي أرّخت لإبراهيم الدسوقي، على ذكر موقفه الصدامي مع السلطان المملوكي الأشرف خليل بن قلاوون، في محاولة لإظهار البعد السياسي الاجتماعي الإيجابي للتصوف، وكيف أن شيوخه كانوا يضطلعون بأعبائهم المجتمعية المهمة في ذلك الوقت.

بحسب ما ورد في "طبقات الشعراني" و"طبقات الأولياء" لأحمد الشرنوبي، قاد الدسوقي حركة مقاومة شعبية مهمة ضد الحكم المملوكي الظالم، إذ جاهر القطب الرابع، بانتقاد الجند المماليك الذين اعتادوا على سرقة ونهب متاع الرعية وعوام الناس، ويبدو أن تلك الانتقادات قد تعالت أصواتها لتصل إلى مقر السلطنة في القاهرة، فعمل بعض الوزراء والمستشارين على تحريض الملك الأشرف على التخلص من الشيخ الدسوقي، صاحب الكلمة المسموعة بين أتباعه.

بحسب المصادر السابقة، فأن هؤلاء المحرّضين قد أرسلوا إلى الدسوقي طرداً به شهد مسموم، ولما وصل الطرد إلى الشيخ، فتحه، مع علمه بما فيه، وقال لأتباعه: "هذا شهد إن شاء الله تعالى، كلوه ولا مبالاة بإذن الله"، وبالفعل فإن السم لم يؤثر في الآكلين.

المحاولة الثانية للقضاء على أبي العينين، وقعت عندما أمر الأشرف أحد الأمراء ويدعى عز الدين، بالتحرك بقطعة من الجيش إلى دسوق، ليقبض على إبراهيم ويأتي به مكبلاً بالأصفاد إلى القاهرة. وتروي المصادر أن عز الدين لما وصل إلى دسوق وذهب للقبض على الدسوقي، وقع من فوره وقد أصيب بالشلل، وانسحب جيشه إلى القاهرة خائفاً مذعوراً.

المحاولة الثالثة، وقعت عندما استشاط الأشرف خليل غضباً، وأرسل بفرقة مقاتلة معها مجموعة من السباع الضارية، ولما وصلت تلك السباع إلى الدسوقي خرت ساجدة بين يديه، في واحدة من أشهر الكرامات المنسوبة للقطب الرابع.

بحسب المصادر السابقة، فإن السلطان المملوكي بعد أن يئس من القضاء على الدسوقي، ذهب إليه بنفسه، وتاب وأناب، واعترف بخطئه، وعرض على الدسوقي المال والنفائس والمناصب العليا في الدولة، ولكن الشيخ الزاهد رفض كل هذا، وإن طلب من السلطان أن يوقف نصف الجزيرة المقابلة لدسوق، للإنفاق على أتباعه من الفقراء والمساكين، وهو الأمر الذي امتثل له السلطان من فوره.

وكنوع من الربط بين الحيّز المحلي الضيّق (دسوق)، والفضاء الجغرافي الإسلامي الرحب (عموم بلاد الإسلام)، فأن الروايات تؤكد على أن إبراهيم الدسوقي قد بشر الأشرف خليل بفتح مدينة عكا الحصينة، وكانت آخر معاقل الصليبيين في بلاد الشام، وهو الأمر الذي تم بالفعل في عام 1291م، ومن الملاحظ أن بعض المصادر قد أكّدت على الدور الذي لعبه الدسوقي في هذا الفتح العظيم، من خلال الادعاء بأنه قد شارك فعلاً فيه، وهو الأمر الذي لا تذكره المصادر التاريخية التي تناولت أخبار هذا الفتح.

في سياق آخر، حرصت الكثير من الروايات على إظهار ارتباط الدسوقي وكراماته بمدينة دسوق تحديداً، وبما حولها من مدن وقرى ريفية الطابع عموماً، للدرجة التي تجعلنا نذهب إلى أن إبراهيم الدسوقي قد صار مع الوقت بمثابة الرمز والشعار الداخل في بناء الهوية الجامعة لمدن الدلتا المنسية، تلك التي تم تهميشها لصالح مركزية الحواضر الرئيسة في القاهرة والإسكندرية على وجه الخصوص.

يمكن القول إن الدسوقي قد حل محل الشفعاء القدامى لمدن الدلتا، فإذا كانت الآلهة القديمة (أوزير وحورس وست وبتاح وأمون... إلخ)، قد لعبت دور حماة المدن في العصور الفرعونية القديمة، وإذا كان القديسون والشهداء (مريم العذراء ومارجرجس ومارمينا ودميانة)، قد لعبوا نفس الدور في العصور القبطية المسيحية، فأن الدسوقي والبدوي والأقصري وغيرهم من كبار رموز التصوف المصري، قد مارسوا نفس الأدوار في العصر المملوكي المغرق في نزعته الصوفية.

على سبيل المثال، يلاحظ الزائر لمسجد إبراهيم الدسوقي في مدينة دسوق، ذلك الصندوق الزجاجي المعلق فوق أحد الأبواب الداخلية للمسجد، والذي تقبع فيه فقرة من عنق تمساح، وبحسب ما ورد في كتاب "طبقات الشرنوبي"، فأن هذا التمساح قد التهم طفلاً، فلما ذهبت أمه باكية شاكية إلى الدسوقي، فأنه استدعى التمساح وأمره برد الطفل، فخرج حياً، ثم وضع الدسوقي يده في فم التمساح وخرج بفقرة من عنقه، وهي التي تم الاحتفاظ بها في المسجد أمام أعين الزوار، في إشارة لحماية الولي القطب لمدينته ورعايته لها.

ولأن المدن القريبة من دسوق قد حاولت أن تنال قبساً من كراماته وحمايته، فأن بعض الأخبار قد تحدثت عن مروره في أحد الأيام على مدينة دمنهور، والتي وجد فيها بئراً مالحة المياه، فلما باركها، تحولت الملوحة إلى عذوبة، وصارت البئر مقصداً للشاربين الباحثين عن بركة أبي العينين.

في السياق نفسه، فقد قيل إن الدسوقي قد زار بلدة كمشيش في المنوفية، وكان قد طلب أن يشرب، فناوله أهلها إبريقاً من الماء، فباركه الدسوقي، وصار هذا الإبريق مباركاً ويفيض دوماً بالمياه العذبة التي لا تنتهي، كما صار من التقاليد والطقوس المرتبطة بهذا الإبريق أن تشرف عليه عذراء من عذارى القرية، لتحفظه من الضياع وتقدمه إلى الزوار والسياح.

ومن القصص التي تعبر عن اختصاص الدسوقي بمدن الدلتا دوناً عن غيرها، القصة المشهورة التي أوردها الكركي في كتابه "لسان التعريف"، والتي تذكر أن قاضي الإسكندرية كان يحقد على القطب الدسوقي ويضمر له الحسد والعداء، فلما وقع أحد أتباع الدسوقي تحت طائلة القانون وعرف القاضي بأمره، نكل به وأمر بسجنه، فسارع بعض الأتباع إلى الدسوقي ليخبروه بذلك، فأتى بورقة وكتب عليها بعض الأبيات، وأمر أحد أتباعه بإيصال الورقة للقاضي، وتذكر الرواية أن القاضي قرأ الأبيات حتى وصل إلى نهايتها، ثم وقع ميتاً من فوره، وسط اندهاش الحاضرين، وتم الإفراج عن السجين، وعرف الناس كرامة الدسوقي التي وصلت للإسكندرية وانتقمت ممن ظلم أتباع الدسوقي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard