من الألواح إلى الـCellphone... هل تتغير قدسية النصوص بحسب "وعائها"؟

الأحد 27 أكتوبر 201905:08 م

تحظى النصوص المقدسة في كل دين بقدر كبير من الإجلال والتعظيم والمهابة، إذ جرت العادة أن يُنظَر لها على كونها تعاليم الإله المعبود، ورسالته الموجهة إلى أتباعه والمؤمنين به.

في الحقيقة، رغم التأكيد على قدسية تلك النصوص، إلا أن جزءاً كبيراً من تلك القداسة يعود بالمقام الأول إلى الوعاء الحامل لها، وهو الوعاء الذي تناغم وتماشى مع تطور الثقافات الإنسانية، ومع تطور الوعي البشري الجمعي في كل عصر.

الوعاء الشفاهي: "وكلم الله موسى تكليماً"

لما كانت الديانات الإبراهيمية (اليهودية والإسلام تحديداً)، قد ظهرت بالأساس في أوساط بدوية قبائلية غير حضارية (بني إسرائيل في البرية، والقبائل العربية في الحجاز)، فإن ثقافتهم كانت بالمقام الأول، ثقافة شفاهية سماعية تعتمد الكلمة المجردة، وما يتعلق بها من أساليب بلاغية وسرعة بديهة وبراعة في فنون الإلقاء والتخاطب مع الجماهير.

بحسب ما يذكر الكاتب الأميركي والتر ج. أونج في كتابه "الشفاهية والكتابية"، فأن الشعوب التي سادت فيها الثقافة الشفاهية، كانت قد اعتادت "أن تنظر إلى الكلمات بوصفها ذات قوة تأثير سحرية..."، ومن هنا فقد كان من الطبيعي أن يتم تحميل النصّ المقدس الذي عُرف في اللحظة المبكرة من عمر كلاً من اليهودية والإسلام، في وعاء شفاهي محض يتسق مع السياق الثقافي السائد.

من هنا، فقد حرصت الرسالات الكتابية على رسم صورة تؤكد على كيفية التلقي الشفاهي المباشر من الله، على سبيل المثال، ورد في سفر الخروج "وَيُكَلِّمُ الرَّبُّ مُوسَى وَجْهًا لِوَجْهٍ، كَمَا يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ".

وفي السياق نفسه، حرص النص القرآني على إظهار العلاقة الشفاهية بين موسى والله، فوَرَد في سورة النساء "وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا"، كما ورد في سورة الأعراف "وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ".

من المهم هنا الإشارة إلى أن الصورة المُتخيلة للمشافهة التي جرت بين الله وموسى، والتي آمن أهل السنة بتحققها بشكل حرفي، لم تلق القبول التام من جميع المذاهب الإسلامية، إذ إن الكثير من الفرق العقائدية قد عملت على تفسيرها وفق آليات تأويلية، لتتفق مع مبادئها وأصولها المذهبية.

قلل المعتزلة، على سبيل المثال، من قدسية الوعاء الصوتي الشفاهي الذي تؤكد عليه الصورة المباشرة للنص القرآني، إذ إنهم قد فرقوا بشكل قاطع ما بين الله وكلماته، وعملوا على تقديم قراءة مخالفة للآيات السابقة، فقالوا إن لفظ الجلالة الوارد في آية سورة النساء، ينبغي أن يُحمل على النصب، فمقصود الآية أن موسى هو الذي كلم الله تعالى، أما فيما يخص آية سورة الأعراف، فقد فسرها الزمخشري في "تفسير الكشاف"، بأنه كلام "من غير واسطة... وتكليمه أن يخلق الكلام منطوقاً به في بعض الأجرام، كما خلقه مخلوقاً في اللوح".

وما بين أهل الحديث والمعتزلة، ظهر رأي ثالث مهم في مسألة الكلام الإلهي، وهو رأي الأشاعرة، الذين أثبتوا صفة الكلام لله تعالى، ولكنهم حددوه بأنه كلام نفسي، ليس بحرف وليس بصوت، وقالوا بإن الله لم يكلم أحداً من المخلوقات بشكل مباشر، بل إن ما تواتر في القرآن والأحاديث النبوية من سماع النبي موسى والملائكة لكلام الله، إنما كان محض "خلق إدراك" ليمكنهم من فهم كلامه النفسي ليس إلا.

بموجب تلك القاعدة، فأن الأشاعرة كان لهم اعتقاد مختلف في القرآن الكريم نفسه، إذ قالوا إن الله قد خلق القرآن وأثبته في اللوح المحفوظ، وذهب بعضهم إلى أن جبريل قد عبر بما ورد في هذا اللوح بطريقته، بينما ذهب البعض الآخر إلى أن الرسول هو الذي اختار ألفاظ القرآن.

الوعاء الكتابي: الألواح والأسفار القانونية والمصحف

ما لا شك فيه، أن كتابة النص المقدس تزيده اقتراباً من عالم المادة والمحسوسات، خصوصاً مع تطور تقنيات الكتابة ذاتها، مثل الخط والتنقيط والتشكيل وتزيين الكتاب، إذ إن جميع تلك التطورات تسهم مع بعضها البعض في إضفاء الصفة الأرثوذكسية على النص.

وفي السياق ذاته، نستطيع التأكيد على أن كتابة النص المقدس قد عزّزت النزعة الفردانية، بعكس قراءته التي كانت دائماً ما تصب في مصلحة الجماعية، لأن صعوبة حفظ النص في حالة الاستظهار الشفاهي، كانت تجبر جماعة المؤمنين على قصد الحافظ للسماع منه وعنه، بعكس ما وقع بعد عملية التدوين، عندما صار بوسع أي فرد من الجماعة أن يحتفظ بنسخة أو بقطعة مكتوبة من النص المقدس، ومن هنا صار من المتاح بناء علاقة رأسية مباشرة بين المؤمن والإله، وضعفت الروابط الكهنوتية التي تربطه بالكاهن أو رجل الدين، وهو الأمر الذي وضح بشكل لافت للنظر عقب اختراع الطباعة في أوروبا في القرن الخامس عشر الميلادي، وما نجم عنه من إضعاف لسلطة المؤسسة الدينية الفاتيكانية، وإتاحة الفرصة لظهور الحركة البروتستانتية فيما بعد.

من المرجّح أن الوعاء الكتابي قد ظهر في الثقافة الإنسانية بشكل سابق عن ظهور الديانات الإبراهيمية نفسها، إذ عرفته المراكز الحضارية الكبرى في الشرق الأدنى القديم في بلاد مصر وسومر وبابل، ولعل المنقوشات الحجرية التي دونت عليها تشريعات الملك البابلي حمورابي في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، تعّد نموذجاً ممتازاً لذلك النوع من الوعاء.

جرى التأكيد على أهمية الوعاء الكتابي في الديانة اليهودية، إذ ورد في سفر الخروج، في معرض توصيف الألواح التي كُتبت عليها الوصايا العشر، "وَاللَّوْحَانِ هُمَا صَنْعَةُ اللهِ، وَالْكِتَابَةُ كِتَابَةُ اللهِ مَنْقُوشَةٌ عَلَى اللَّوْحَيْنِ"، كما جرت الإشارة إلى أن يهوه بنفسه هو من قام بكتابتها بأصابعه.

من الوحي إلى الألواح المكتوبة إلى العصر الرقمي، هل تتغير قدسية النص مع تغير الوعاء الذي يحتويه ويقدمه؟ 

قداسة القرآن وتفرده مرتبطان بالمعنى والمضمون، وليسا متعلقين بالنظم واللغة... كان هذا رأي أبي حنيفة الذي عارضه كافة علماء الدين بعده

أما في الحالة الإسلامية، فقد حظي الوعاء الكتابي بمكانة خاصة منذ فترة مبكرة، إذ وردت الكثير من الألفاظ التي تتسق مع الثقافة الكتابية في القرآن الكريم نفسه، ومنها على سبيل المثال (يسطرون- القلم- الصحف- اللوح)، هذا بالإضافة إلى الآيات الصريحة التي تدعو إلى تدوين بعض المعاملات، ومن أهمها، الآية 282 من سورة البقرة، والتي تُعرف بآية الدين أو آية المداينة، وهي أطول آية في القرآن الكريم.

ترسيخ أهمية الوعاء الكتابي وربطه بقداسة النص، وقع بعد وفاة الرسول، بالتزامن مع تأسيس الدولة الإسلامية الإمبريالية التي عملت على تشييد إمبراطورية ضخمة في الشرق الأدنى القديم.

يمكن القول بأن عملية جمع النص القرآني المقدس في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، كانت بالأساس محاولة من السلطة الحاكمة (في المدينة المنورة)، لفرض هيمنتها ومركزيتها على مراكز القوى الدينية/ السياسية في كل من (البصرة والكوفة ودمشق والفسطاط)، ومن هنا فلم يكن غريباً أن ترسل الخلافة بنسخ من المصحف المعتمد إلى تلك الأمصار، لتصبح هي النسخة الرسمية الوحيدة للنص القرآني، مع إصدار أوامر حازمة بضرورة حرق وإتلاف جميع النسخ المخالفة، وهو الأمر الذي تسبب مع مرور الوقت في استئثار المصحف العثماني بالقداسة نفسها التي تمتع بها النص القرآني الشفاهي فيما قبل، بل يمكن القول بأن تلك القداسة قد زادت مع تحول صورة الوعاء إلى الصيغة الكتابية، وهوما يظهر بشكل واضح فيما يذكره النووي في كتابه "الأذكار"، بقوله "قراءة القرآن من المصحف أفضل من القراءة من حفظة، هكذا قال أصحابنا، وهو مشهور عن السلف رضي الله عنهم...".

ومن بين الأمثلة التي تمكننا من ملاحظة التحول الذي أصاب الثقافة الفقهية الإسلامية، في تقديرها للوعاء الكتابي أكثر من مثيله الشفاهي، مسألة حكم قراءة الحائض للقرآن، فرغم أن الكثير من المذاهب الفقهية قد اتفقت على جواز قراءة المرأة الحائض للقرآن، إلا أن ما يشبه الإجماع قد انعقد بين الفقهاء المسلمين على تحريم مس الحائض للمصحف، واستدل الفقهاء في ذلك بما ورد في سورة الواقعة "إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ"، وذلك رغم أن الأغلبية الغالبة من التفسيرات القرآنية تتحدث عن أن الكتاب المكنون المقصود في الآية هو اللوح المحفوظ، وأن المطهرين المقصودين في الآية هم الملائكة.

الوعاء اللغوي: التماهي بين العربية والنص القرآني

تعّد اللغة الوعاء الثالث للمضمون المقدس، وذلك بعد الشفاهية والكتابية، إذ إنه لا يمكن تصور كيف كان بالإمكان نقل المحتوى الإلهي إلى البشر دون اللجوء إلى الوسيلة اللغوية.

إذا كانت أسفار العهد القديم قد كُتبت باللغة الآرامية واللغة العبرية، فإن أسفار العهد الجديد قد دونت باللغة اليونانية، وبما أن لغة المسيح نفسه كانت هي اللغة الآرامية، فيمكننا القول بإن الأناجيل كانت منذ لحظة تدوينها الأول، مفارقة للغة الأصلية، ومن ثم فلم يظهر أي إشكال فيما يخص ترجمتها إلى لغات أخرى فيما بعد.

فيما يخص الحالة الإسلامية، إن العديد من الآيات القرآنية قد أشارت إلى الصفة العربية للنص القرآني، من ذلك ما ورد في سورة يوسف "إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ"، وفي سورة الشعراء، عندما وصف بأنه "بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ".

الدلالة الظاهرة لتلك الآيات، حملت العديد من الفقهاء والعلماء المسلمين على القول بإنه لا يمكن فصل الوعاء اللغوي العربي عن محتوى النص المقدس، إذ إن جزءاً كبيراً من تلك القداسة يعود إلى لغته، ومن ثم فقد كان تغيير لغة النص القرآني، أو ترجمته، يؤديان بالتبعية إلى الإخلال بقداسته ووظيفته الشرعية، بل وأيضاً يفقدانه أدواره التعبدية الطقوسية.

من الفقهاء المعتبرين الذين قالوا بهذا الرأي، كل من، ابن حزم الظاهري الأندلسي في كتابه "المُحلى بالآثار" إذ أورد في معرض حديثه عن حكم الصلاة وقراءة القرآن بغير العربية "ومن كانت لغته غير العربية ... لا يجوز له أن يقرأ بـها ومن قرأ بغير العربية فلا صلاة له...".

كان الفقيه العراقي الكوفي أبو حنيفة النعمان، من بين الفقهاء القلائل الذين شذّوا عن ذلك السياق، إذ إنه أجاز قراءة القرآن بالفارسية للأعجمي الذي لا يفهم اللغة العربية، وكان السبب الرئيس لتوجهه هذا، هو اعتقاده بأن قداسة القرآن وتفرده مرتبطان بالمعنى والمضمون، وليسا متعلقين بالنظم واللغة.

ورغم اعتبارية آراء أبي حنيفة في المحيط السني، إلا أن هذا الرأي لم يُكتب له الانتشار بين المسلمين، ولم يتم قبوله بين علمائهم، ويفسر القرطبي في كتابه "جامع أحكام القرآن"، سبب عزوف جمهور العلماء عن الأخذ برأي أبي حنيفة، بقوله "لأن في كلام العرب، خصوصاً في القرآن الذي هو معجز بفصاحته وغرابة نظمه وأساليبه، من لطائف المعاني والأغراض مالا يستقل بأدائه لسان من فارسية وغيرها".

الوعاء الرقمي: العداء بين الموروث الفقهي ومنجزات الحداثة

إذا كانت الأوعية الثلاثة السابقة (الشفاهية، والكتابية، واللغوية)، أوعية قديمة، تم اللجوء إليها منذ عشرات القرون في سبيل تبليغ الكلمة المقدسة إلى المؤمنين بها، فإن الوعاء الحداثي الرقمي هو وعاء جديد حديث، إذ لم تعرفه البشرية إلا مع الولوج في عصر الحداثة، وما ارتبط بها من ثورات علمية كبرى، تمخضت عن منجزات صناعية وتقنية غير مسبوقة.

يمكن القول إن نوعاً من التوافق المرن قد وقع بين النصوص المقدسة (سواء كانت يهودية أو مسيحية) من جهة، والتقنيات الحديثة والرقمية من جهة أخرى، ومن السهل أن نفسر تحقق ذلك التوافق، بكون تلك التقنيات قد جرى اختراعها وتطويرها في المجتمعات الغربية.

الأمر كان مختلفاً في الحالة الإسلامية، إذ نستطيع أن نلاحظ العداء الظاهر الذي وقع بين تلك التقنيات والثقافة الإسلامية منذ اللحظة الأولى، فقد نظر إلى تلك التقنيات على كونها ذات نزعة تآمرية، وأنها بمثابة أسلحة موجهة إلى الثقافة الإسلامية.

من الأمثلة المعبرة عما سبق، أن السلطان العثماني بايزيد الثاني لما أدخلت الجالية اليهودية أول مطبعة إلى تركيا سنة 1493م أصدر فرماناً يقضي بتحريم الطباعة على رعاياه المسلمين، وما استتبع ذلك من رفض الفقهاء المسلمين لطباعة القرآن الكريم، بسبب اعتقادهم بنجاسة الأحبار، وبحرمانية ضغط حروف القرآن بواسطة آلات الطباعة.

ورغم أن الثقافة الإسلامية قد تقبلت فكرة طباعة المصحف الشريف فيما بعد، إلا أن العداء الأصيل للمنجز الحداثي الغربي، قد حافظ على مكانه في العقل الفقهي الإسلامي، مُؤيداً في ذلك بالنزعة السلفية الماضوية من جهة، وبنزعة الاستعلاء الثقافي الديني من جهة أخرى.

في الحقيقة، هناك الكثير من الأمثلة والنماذج المعاصرة، التي تبين الرفض الفقهي والأصولي للوعاء الرقمي الحداثي، أو بالأدق، عدم المساواة بين الوعاء الرقمي ومثيله الكتابي، من تلك الأمثلة، ما ورد في سؤال عن حكم قراءة القرآن من الجوال بدون طهارة، والذي أجاب عليه رجل الدين السعودي، عبد الرحمن بن ناصر البراك، بقوله "يظهر أن الجوال ونحوه من الأجهزة التي يسجل فيها القرآن ليس لها حكم المصحف...".

ومنها ما ورد في معرض الرد عن سؤال تم طرحه على رجل الدين السعودي المعاصر محمد بن صالح العثيمين، عن تشغيل سورة البقرة من الكاسيت، وإذا كان يجزئ لطرد الشياطين من البيت بحسب ما ورد في بعض الأحاديث والآثار، فقد كان رده هو "لا ... لا ... صوت الشريط ليس بشيء، لا يفيد؛ لأنه لا يقال قرأ القرآن...".

هذا التوجه ليس حكراً على رجال الدين الإسلامي من ذوي النزعة السلفية، بل انتشر أيضاً في العديد من المؤسسات الدينية الوسطية، ومن ذلك ما وقع في 2015م، عندما نشر مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر الشريف، رده على سؤال عن حكم القراءة من الأجهزة اللوحية (التابلت) أثناء الصلاة، إذ جاء في ذلك الرد "القراءة من التابلت في صلاة النافلة جائزة أما الصلاة الواجبة فلا"، وأيضاً، ما ورد في فتوى أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية "أما في مسألة قراءة القرآن الكريم بدون وضوء فهي لا تجوز في حالة القراءة المباشرة من المصحف، أما إذا كان من خلال الحفظ أو جهاز كمبيوتر مثلاً أو هاتف محمول فيجوز القراءة بدون وضوء".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard