التعذيب لا يسقط بمرور الزمن... "لا رجوع" عن العدالة الانتقالية في تونس

الثلاثاء 15 أكتوبر 201905:37 م

منذ تمرير قانون العدالة الانتقالية في تونس عام 2013، بدأت الجهود لكشف حقيقة انتهاكات حقوق الإنسان في البلاد ومساءلة المسؤولين عنها ومحاسبتهم حتى رد الاعتبار للضحايا، بينما تنتظر العديد من القضايا استكمال المسار وإنصاف الضحايا لضمان البقاء خارج مربع الاستبداد الذي أسقطته الثورة التونسية.

من أبرز القضايا، تلك المتعلقة بالناشط السياسي الإسلامي المعارض فيصل بركات الذي توفي تحت التعذيب في 8 تشرين الأول/ أكتوبر عام 1991 خلال فترة حكم نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، في مقر فرقة الأبحاث والتفتيش في محافظة نابل.

وكانت أسرة بركات قد رفعت قضية أصلية أولى عام 2009، بعد الاستجابة لطلب المفوضية السامية لحقوق الإنسان عام 1999 بإعادة استخراج رفات بركات لدحض رواية السلطة التي ادعت وفاته جراء حادث مرور، وفق تصريح شقيقه جمال بركات لرصيف22.

اغتصاب وحشي

انتظرت عائلة بركات إلى العام 2013 حتى تمكنت من استخراج الرفات بإشراف طبيب أجنبي من قبل منظمة العفو الدولية، لتتأكد وفاة ابنها بسبب اغتصابه بطريقة وحشية من خلال إدخال قضيب بعمق 15 سم في مخرجه، وفق شقيقه جمال.

وفي عام 2016، تم ختم الأبحاث في هذه القضية ووُجّهت تهمة القتل العمد تحت التعذيب لواحد وعشرين متهماً من قيادات أمنية ومسؤولين سياسيين في عهد بن علي، ثم أحيل الملف لمحكمة الاستئناف في نابل التي أقرت بصحة التقرير كاملاً.

يوضح جمال أن ملف شقيقه بقي يراوح مكانه جراء قيام المتهمين - الذين يُحاكمون بحالة سراح - بالطعن وتعلل المحكمة بإسقاط الجريمة مع مرور الزمن ورجعية القوانين، في انتظار انعقاد أول جلسة في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل.

عدالة انتقالية

بموازاة هذه الخطوات، قدمت عائلة بركات ملف فقيدها لـ"هيئة الحقيقة والكرامة" التي أحالته بعد النظر فيه والتثبّت منه إلى الدوائر القضائية المختصة التي عقدت إلى الآن أربع جلسات في القضية، بينما أدى امتناع المتهمين الأساسيين عن حضور الجلسات إلى تأجيلها.

وكانت "هيئة الحقيقة والكرامة"، وهي هيئة مستقلة، قد استُحدثت وفق الفصل السادس عشر من قانون العدالة الانتقالية الذي صدر في عهد رئيس الجمهورية الأسبق محمد المنصف المرزوقي ليشكّل "مساراً متكاملاً من الآليات والوسائل المعتمدة لفهم ومعالجة ماضي انتهاكات حقوق الإنسان وكشف حقيقتها ومساءلة ومحاسبة المسؤولين عنها وجبر ضرر الضحايا".

ومن مهمات هيئة الحقيقة والكرامة جمع المعطيات ورصد الانتهاكات وإحصاؤها وتثبيتها ووضع برنامج شامل لجبر ضرر الضحايا.

معبراً عن أسفه الشديد، يقول جمال: "للأسف لم ينصفنا إلى الآن مسار العدالة الانتقالية، ومسؤولية تعثر المسار تقع على عاتق الجميع بمن فيهم هيئة الحقيقة والكرامة التي شهدت خلافات داخلية حادة بين أعضائها واستقالات في صفوفها".

"عدالة لا تشفي"

يقول جمال: "لا تزال المنظومة القديمة قائمة وتعارض بطبيعة الحال نجاح مسار العدالة الانتقالية، وإن هرب بن علي، فقد ظل نظامه جاثماً".

ويرى جمال أن انتهاء مهمات الهيئة لا يعني النهاية، ويأمل أن يستكمل المشهد السياسي الجديد الذي أفرزته الانتخابات التشريعية الأخيرة المسار، مؤكداً أن الهدف من العدالة الانتقالية ليس التشفي وإنما كشف الحقائق والمحاسبة لوضع حد للإفلات من العقاب وضمان عدم تكرار جرائم حقوق الإنسان.

دوائر قضائية متخصصة ونزيهة

في كانون الأول/ ديسمبر 2015، أودعت أسرة "شهيد الثورة" في محافظة سيدي بوزيد عبد الباسط خضراوي ملف فقيدها لدى الهيئة التي أحالته في أيار/ مايو 2019 إلى الدوائر القضائية المتخصصة في العدالة الانتقالية.

وكان الفصل الثامن من قانون العدالة الانتقالية قد أشار إلى "إحداث دوائر قضائية متخصصة تتكون من قضاة يقع اختيارهم من بين من لم يشاركوا في محاكمات ذات صبغة سياسية، تتعهد النظر في القضايا المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان".

ويوضح ميمون خضراوي، شقيق عبد الباسط، لرصيف22 أنه عُقدت إلى الآن جلستان وفي كل مرة يتم التأجيل بسبب تعمد المتهمين الذين يحاكمون بحالة سراح التغيب، وهذا ما جعل الدفاع يطالب بإصدار بطاقات جلب بحقهم.

"سقوط مدوٍ"

يعتبر ميمون أن مسار العدالة الانتقالية لا يزال في بداية الطريق وأنه لا يمكن إصدار حكم عليه إلا بعد انتهاء المحاكمات وإصدار الأحكام النهائية، قائلاً "نترقب منه إنصافنا ومحاسبة المجرمين لأننا اعتصمنا من أجل تركيز معالم هذا المسار، ومن بين المعالم الدوائر القضائية المتخصصة والتي يترأسها قضاة معروفون بنزاهتهم".

في تونس، انتظرت عائلة بركات حتى عام 2013 لتتمكن من استخراج الرفات وتأكيد وفاة ابنها نتيجة اغتصابه بطريقة وحشية وليس بحادث مرور كما ادعت السلطات آنذاك... عن المساعي المستمرة لبث الروح في مسار العدالة الانتقالية المتعثر 
رفض الجناة حضور جلسات المحاكمة، حماية نقابات لأعضائها، تواطؤ قوى وصلت بعد الثورة مع قوى من النظام القديم... تحديات تواجه مسار العدالة الانتقالية الذي بدأ مع تمرير القانون عام 2013 في تونس 

ويضيف أن نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة تبين أن مسار العدالة الانتقالية ذاهب في الطريق الصحيحة، وذلك بعد ما وصفه "بالسقوط المدوي لمنظومة الحكم القديمة الفاسدة والمستبدة".

"لا رجوع"

لإحياء الروح في مسار العدالة الانتقالية، أطلقت ثلاث منظمات تونسية هي "البوصلة" و"محامون بلا حدود" و"المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية" منصة الحملة الوطنية بعنوان "لا رجوع"، بهدف إعادة العدالة الانتقالية إلى جدول الأعمال السياسي وتعزيز قدرة منظمات المجتمع المدني على الدعوة بشكل مشترك لضمان عدم تكرار الانتهاكات ورصد مسار العدالة الانتقالية.

وأوضحت هذه المنظمات، خلال ندوة صحافية مطلع الشهر الماضي، أن الموقع الإلكتروني الخاص بهذه الحملة يشمل تعريف المواطنين بمفهوم وأساسيات قانون العدالة الانتقالية وحفظ الذاكرة الوطنية من خلال جمع كل الوثائق المتعلقة بهذا المسار منذ انطلاقه حتى انتهاء مهمات هيئة الحقيقة والكرامة في كانون الأول/ ديسمبر الماضي.

ويوضح رئيس منظمة البوصلة سليم خراط لرصيف22 أن هذه الحملة تأتي في إطار مشروع كامل لرصد مدى الالتزام الرسمي بتوصيات التقرير النهائي لهيئة الحقيقة والكرامة المتعلق بكشف حقائق الاغتيالات السياسية والتعذيب ومحاسبة الجناة وجبر ضرر الضحايا.

والبوصلة هي منظمة غير حكومية مستقلة تأسست عام 2012، ومن أهدافها وضع المواطن في قلب العمل السياسي بتمكينه من الوسائل الضرورية للاطلاع على أنشطة نوابه والدفاع عن حقوقه الأساسية.

متعثر ولكن!

يعتبر خراط أن المسار كان متعثراً بسبب المشاكل الداخلية التي عصفت بالهيئة وغياب الإرادة السياسية لدفعه، لافتاً إلى أنه برغم هذه العراقيل لا يزال مستمراً ولا يمكن ربط نجاحه بزمن معين.

ووفق نتائج استطلاع رأي كشفت عنه هذه المنظمات خلال اللقاء الصحافي حول رؤية المواطن التونسي لمسار العدالة الانتقالية، فإن قرابة 83٪ من التونسيين يؤكدون ضرورة الكشف عن تجاوزات حقوق الإنسان في النظام السابق، كما يؤكد حوالي 71٪ من المستجوبين استمرار العنف في مراكز الشرطة.

في السياق نفسه، تُبيّن رئيسة جمعية عائلات شهداء وجرحى الثورة "أوفياء" لمياء فرحاني، المنخرطة في ائتلاف المنظمات التي أطلقت حملة "لا رجوع"، أن اختيار توقيت الحملة في فترة الانتخابات الرئاسية والتشريعية في تونس 2019 لم يكن اعتباطياً وإنما لتذكير مكونات المشهد السياسي الجديد بأهمية استكمال المسار.

وتأسست الجمعية عام 2011 للدفاع عن أسر الضحايا وللدعوة إلى كشف الحقائق ومحاسبة الجناة وتحقيق العدالة.

تحديات

لفتت فرحاني، في تصريحها لرصيف22، إلى عدم طرح مرشحي الانتخابات الرئاسية والتشريعية في برامجهم مسألة العدالة الانتقالية، مذكرة برفض رئيس الحكومة يوسف الشاهد نشر قائمة شهداء الثورة ومصابيها والتقرير النهائي لهيئة الحقيقة والكرامة في المجلة الرسمية للجمهورية التونسية، منبهة إلى أنها من أبرز التحديات التي تواجه المسار.

ومن التحديات أيضاً رفض الجناة حضور جلسات المحاكمة ودعوة بعض النقابات الأمنية أعضاءها إلى عدم الامتثال إلى قرارات هيئة الحقيقة والكرامة، حسب فرحاني.

وترى فرحاني أنه لا يمكن الحكم على مسار العدالة الانتقالية لأنه لم يكتمل بعد، مؤكدة أنه مر بنقطة مضيئة في أيار/ مايو الماضي وهي نجاح عائلات شهداء الثورة وجرحاها في تحقيق مطلب تحويل القضايا من القضاء العسكري الذي تقول إنه لا يتوفر على ضمانات المحاكمات العادلة إلى دوائر قضائية متخصصة يثقون بنزاهتها.

وبرغم ما يمر به مسار العدالة الانتقالية في تونس من مد وجزر منذ تمريره، فإن غالبية الأطراف متمسكة باستكماله باعتباره ركيزة من ركائز الانتقال الديمقراطي في البلاد ومن أهداف ثورة الحرية والكرامة الأساسية.

نكسة وخذلان

في هذا الإطار، يبيّن المحلل السياسي فتحي الزغل أن مسار العدالة الانتقالية في تونس انطلق بعد ثورة 17 ديسمبر 2010 مع حكومة الترويكا وحقق أشواطاً متقدمة، إلا أنه أصيب بنكسة وخذلان منذ انتخابات 2014 إذ فاز الفريق الذي ينتمي إلى جلادي المنظومة السابقة ولا ينتمي إلى الضحايا، حسب رأيه.

"مسار العدالة الانتقالية إذا تم على أكمل وجه سيحاسب العديد من الوجوه والمسؤولين الذين تولوا ولا يزال بعضهم يتولى مسؤوليات في تونس".

ويتابع الزغل في حديثه لرصيف22 قائلاً إن "هذا الفريق تحالف وتواطأ مع بعض القوى التي تواطأت بدورها مع النظام القديم وحاولوا وضع الإسفين في مسار العدالة الانتقالية، وخير دليل على ذلك ما تعرضت له هيئة الحقيقة والكرامة من تشويه واتهامات بالفساد لعرقلة مهماتها، برغم أنها هيئة وطنية ودستورية ووليدة الثورة".

تواطؤ

يُرجع الزغل أسباب عرقلة عمل الهيئة إلى أن "مسار العدالة الانتقالية إذا تم على أكمل وجه سيحاسب العديد من الوجوه والمسؤولين الذين تولوا ولا يزال بعضهم يتولى مسؤوليات في تونس، وسيكشف عن تواطؤ أو مشاركة بعض الأطراف في عدد من الجرائم الأخلاقية التي خلفت ضحايا".

كما يؤكد أن مسار العدالة الانتقالية لم ينته بانتهاء مهمات الهيئة وأنه سيقع ضخ دماء جديدة فيه وستتم مواصلته وتكريسه وتسريع نتائجه خاصة بعد نتائج الانتخابات التشريعية 2019.

وفق منظمة البوصلة، فإن 178 قضية انتهاكات حقوق الإنسان معروضة لدى الدوائر القضائية المتخصصة وهي في انتظار الفصل فيها ورد الاعتبار للضحايا الأموات منهم والأحياء. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard