وكأسٍ كعينِ الديك... روائع عن علاقة الطيور والحيوانات بشربِ الخَمر

الثلاثاء 15 أكتوبر 201906:19 م

يأتي هذا المقال ضمن الملفّ المُعدّ لشهر أكتوبر 2019, في قسم "رود تريب" بـ"رصيف22" والمعنوَن "بصحتك يا ساقي... بارات عربية لا بدّ من زيارتها".


ليس الإنسان الكائن الوحيد الذي يملك قصة مع الخمر، بل للطيور والحيوانات قصصها مع الخمر أيضاً، وسنبدأها بقصة الغراب والديك، ولماذا يصيح الديك كلّ صباح، وماذا يقول في صياحه؟

الديك والغراب

تحكي لنا كتب التراث العربي نقلاً عن الأصمعي والجاحظ في كتاب "نهاية الأرب في فنون الأدب" للنويري، أن أعرابياً سأل الأصمعي عن معنى قول الشاعر أمية بن أبي الصلت: "وما ذاك إلّا الديك شارب خمرة نديم الغراب لا يمل الحَوَانيا/ فلما استقلّ الصبح نادى بصوته ألا ياغراب هل رددت ردائيا".

فردّ الأصمعي على الأعرابي قائلاً: "إن العرب كانت تزعم أن الديك ذو جناح يطير به، وكان للغراب جناح إلا أنه لا يقدر أن يطير به. وحدث أنهما كانا يتنادمان ويشربان الخمر، فنفِد شرابهما، فقال الغراب للديك: لو أعرتَني جناحك لأتيتك بشراب، فأعار الديك الغراب جناحه، فطار الغراب ولم يعد، ومنذ ذلك الحين والديك يصيح منادياً الغراب كي يعيد له جناحه. فقال أمية بن أبي الصلت في ذلك: فلمّا أضاء الصبح طرب صراخه ألا يا غراب هل سمعت ندائيا/ وأمسى الغراب يضرب الأرض كلها عتيقاً وأضحى الديك في القدّ عانيا".

يذكر القاص السوري حسيب كيالي في أعماله القصصية الكاملة، أسطورةَ الطائر السكران في بلاد الشام، بأن هذا الطائر ينتقي رمانة كبيرة، ثمّ يثقبها، ويفرغها من حبّات الرمان التي تحتويها، ويجمع حبات العنب في ثمرة الرمّان الفارغة، وينتظر حتى يختمر العنب في جوف ثمرة الرمّان

وفي تنويع آخر على القصة بأن الديك والغراب كانا يشربان في حانة، ولم يكن معهما ثمن الخمر، فرهن الغراب الديك بعد أن استعار جناحه كي يطير به ويجلب الثمن، إلا أن الغراب لم يعد، وأمسى الديك مرهوناً لدى صاحب الحانة، يصيح كلّ صباح لعل الغراب يسمع فيعيد له جناحيه.

في هذه الأسطورة نجد أن الغراب والديك شاربان للخمرة، وأنهما نديمان في شربها، ومن هنا جاءت الصورة الشعرية التي تواترت لدى شعراء الخمر في الجاهلية والإسلام، فنلقى الأعشى يقول في وصف الخمرة: "وكأس كعين الديك باكرتُ حدّها/ بفتْيَان صدق والنواقيسُ تُضرب".

وقال عدي بن زيد العبادي: "ودعوا بالصبوح يوماً، فجاءت قينة في يمينها أبريق/ قدمته على عقار كعين الديك صفا سلافها الرواق".

ومثله يفعل أبو نواس بالإحالة إلى الديك شارب الخمرة: "لئن هجَرتْك، بعد الوَصْل، أرْوَى/ فلمْ تهجُرْكَ صافيَةٌ عُقارُ/ فخذْها من بناتِ الكرْم صِرْفاً/كعينِ الديكِ يعلوها احمرَارُ/ إذا المخمور باكرها ثلاثاً/ تطاير عن مفاصله الخمارُ".

إنّ التوقّف عند وصف الخمرة بــعين الديك، وإن كان هذا الوصف يتعلّق بشدة صفائها واحمرارها كمثل عين الديك، إلا أننا نجد لدى الأعشى والعبادي وأبي نواس بأن ارتباط هذا الوصف بالخمرة جاء لأنها خمرة تُشرب في الصباح، بعد ليل طويل من المعاقرة، وكأن الشارب يصبح مقيداً ومحبوساً لها، لا يستطيع مضيّاً، حاله كحال الديك الذي مكر به الغراب وسرق جناحه.

طائر المكّاء

نجد في القاموس أن معنى مكو هو الصفير، والمكّاء طائر يصور على أنه يضع جناحيه في فمه ويصفر بقوة. وعندما نتتبع اشتقاقات كلمة "مكو" نجد أن طاس شرب الخمر يُسمى: "مَكُّوك"، لكن ما علاقة هذا الطائر بالخمر؟ يقول امرؤ القيس: "كأنّ مَكاكيّ الجواء غُديّة/ نشاوى تساقوا بالرَّياح المفلفل".

أو يروى على هذا النحو: "كأنّ مَكاكيّ الجواء غُديّة/ صبحن سلافاً من الرَّياح المفلفل". والرَّياح بفتح الراء تعني: الخمرة.

إذاً، هذا الطائر يشبه في مكوِه وصراخه شارب الخمر بعد أن تأخذ منه مأخذها في الفرح والسعادة؛ فالمكاء يصفر ويشدو كالسكران بعد سقوط المطر الذي أخضر الصحراء في قصيدة امرئ القيس.

الحدّ الشرعي لشارب الخمر هو الجلد، فماذا عن طائر أو دابة شرب الخمر؟ إنه بالتأكيد لن يجلد، بل يؤكل! قال ابن القاسم في مسألة الطيور التي تُصطاد بالخمر، عبر وضعه في أوعية، تأتي الطيور إليها، فتشرب منها، فتسكر، فلا تستطيع الطيران بعد شربها الخمر، فيمسكها الصياد: "لا بأس بأكلها"

ويرى الباحث زكريا محمد في كتابه "ديانة مكة في الجاهلية – كتاب الحمس والطلس والحلة" بأن المكّاء طائر خمري، أي شارب للخمر.

الطائر السكران

يذكر القاص السوري حسيب كيالي في أعماله القصصية الكاملة الصادرة عن وزارة الثقافة السورية أسطورة الطائر السكران في بلاد الشام، بأن هذا الطائر ينتقي رمانة كبيرة، ثمّ يقوم بإحداث ثقب فيها، ويفرغها من حبّات الرمان التي تحتويها، وبعد ذلك يجمع حبات العنب في ثمرة الرمّان الفارغة ويغلق الثقب بالطين، وينتظر حتى يختمر العنب في جوف ثمرة الرمان، وبعد ذلك يقوم باحتساء العصير المتخمر حتى يسكر، فيحلق في السماء مغرداً وسعيداً. والطائر السكران في سوريا له تسمية أخرى، إذ يسمّى "الشقراق".

الحدّ الشرعي في شرب الطيور والدواب للخمر

الحدّ الشرعي لشارب الخمر هو الجلد، فماذا عن طائر أو دابة شرب الخمر؟ إنه بالتأكيد لن يجلد، بل يؤكل!

قال ابن القاسم في مسألة الطيور التي تُصطاد بالخمر، عبر وضعه في أوعية، تأتي الطيور إليها، فتشرب منها، فتسكر، فلا تستطيع الطيران بعد شربها الخمر، فيمسكها الصياد: "لا بأس بأكلها". وجاء ذلك في كتاب "البيان والتحصيل" و"مواهب الجليل".

وذكر الإمام مالك ذلك أيضاً، وقال السَّرَخْسي: "لو سُقيت شاة خمراً، ثم ذبحت، فلا بأس بلحمها. كذلك لو حلبت، فلا بأس بلبنها. والتعليل الشرعي: لأن الخمر صارت مستهلكة بالوصول إلى جوفها، ولم تؤثّر في لحمها ولا في لبنها، فلهذا لا بأس بأكل لحمها وشرب لبنها". وجاء ذلك في كتاب "المبسوط".

ما ذكرناه في حكم الحدّ الشرعي على الطير والدابة اللذين شربا الخمر على سبيل المرّة الواحدة. ولكن ماذا لو تكرّر شرب الدابة للخمر وأصبحت مدمنة؟

جاء في كتاب "البناية في شرح الهداية" لـــبدر الدين العيني: "إن اعتادت الدابة شرب الخمر، وصارت بحال يوجد ريح الخمر في حلقها: فإذا كان إبلاً، يحبس شهراً ثمّ يؤكل؛ وإن كان بقراً يحبس عشرين يوماً ومن ثمّ يؤكل؛ وإن كان شاة يحبس عشرة أيام ومن ثم يؤكل؛ والدجاجة ثلاثة أيام ومن ثمّ تؤكل".

أما ابن قدامة فقد تشدد في ذلك، فقال: "فإذا كان أكثر علفها –خمراً– حُرم لحمها ولبنها".

خامري أم عامر

وهذا المثل يقال في الضبع لمكرها، ولربّما أتى اسم الخمر من مكرها بشاربها، فهي شراب سائغ لا تبدو علائم السوء عليه، لكن ما أن تُشرب حتى تعطي السكران جناحين، مثل الغراب، يطير فيهما حيث يريد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard